سلطة نظام القيم وحرية الانسان ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة يتألف نظام القيم من ثلاثة اركان :
الاول : الشرائع الدينية
الثاني : العرف
الثالث : القانون
وفيما يتراجع القانون مقارنة بوزني الركنين الاولين في نمطية نظام القيم للمجتمع ـ أي مجتمع ـ ، لايمكن اعطاء الترتيب المناسب الذي يقارن بين وزن الشرائع الدينية والعرف الاجتماعي لاسباب منها ، ان الشرائع الدينية تتكرس في الممارسة الاجتماعية في اطار الطقوس الجمعية ذات البعد الاجتماعي ، فهي في هذا تقترب من الاعراف الاجتماعية وتفقد تميزها الديني ، والاعراف مثلها في هذا حتى انك وازاء جزئية ما ، لايمكنك ان تعزوها الى الديني منفردا او الى العرفي منفردا .
والمهم هنا كيف يتسيد نظام القيم على حركة المجتمع والى اي حد يمثل السلطة العليا التي تنظم حركة المجتمع واتجاهاته ونمائه وتطوره او نكوصه وتخلفه … ومن المعروف ان كل قيمة ما لم تسند بروادع قانونية او روادع اجتماعية عرفية ـ خاصة تلك التي تصنيف على انها عيب ـ تفقد نمطيتها وحضورها وتجذرها في السلوك الاجتماعي الفردي والجمعي .. حيث ان اكثر القيم الايجابية ، والتي يمنحها المجتمع طاقة تأييد علنية هي تلك القيم التي تعد مخالفتها موجبة لاقامة العقوبة او الحد ، وانه لأمر لافت ان تتفاضل القيم في قوة حضورها بمدى قوة العقوبة التي تقع بحق مخالفها ، سواء كانت عقوبات جزائية او ازدراء اجتماعي .
ومن جانب آخر يمكن اقران المجموعات الجزئية التي يتألف منها نظام القيم والتي اطلقنا عليها عبارة اركان القيم ، بمؤسسات تحميها، فتنشأ في المجتمع علاقات بضوء هذا الارتباط .. وقد تكون هذه العلاقات تعبير صاف عن ركن القيم او مشوهة له … ونعني بلفظ مؤسسة كل هيأة تنهض بوظيفة حماية القيم ، كرجال الدين والمؤسسات التربوية والاسرة والقضاء بالمقام الاول ، والى حد ما المنظمات الاجتماعية والسياسية والمنظمات الجماهيرية والنقابية ..
ويمكن رد انخفاض المنسوب الايجابي لكل ركن من اركام نظام القيم الى عدم صلاحية المؤسسة المسؤولة بوصفها حارسا لتلك القيم والى تشويه المفاهيم القيمية جراء فساد تلك المؤسسات .
ان فساد المؤسسات يؤدي الى فساد القيم خاصة لدى النشئ الجديد ، ويترتب على ذلك نشوء ما يمكن تسميته بالوسيط القيمي والذي يتسلط على رقاب الناس بدلا من يؤدي وظيفته بتعليم الناس القيم بصفوها ونقائها دون ان يخالطها بشئ من مصالحه الشخصية .
وكلما ازدادت المؤسسات التي تنهض بحراسة القيم كلما تكرست ابعاد الشخصنة في المجتمع ونالت من صفو قيمه ، فيكون كسب رضا المؤسسة متقدم على اعتناق القيم لذاتها ، ومن هنا تنشأ عبودية الانسان للانسان .
ان رجل الدين الفاسد او الدجال او القاضي الفاسد او المؤسسة التعليمية والتربوية المتخلفة يضرون بقيم المجتمع ضررا كبيرا ، ليس في بنائه القيمي ، بل في تركيبته الاجتماعية ويصيب حريبة الانسان بخلل كبير باسم الدين تارة وباسم القانون تارة اخرى وباسم العرف الاجتماعي تارة اخرى .
ان الخروج من المأزق الاخلاقي والقيمي في علاقة الانسان بالانسان ، وعلاقة المجتمع بالانسان وبالعكس لابد أن يبدأ اولا بابدال سلطة رجل الدين بسلطة الشريعة نفسها دون وساطة رجل الدين وساطة آمرية وتسلطية . وكلماازدادت المؤسسات الراعية للقيم وباستثناء المؤسسة التربوية والاسرة ، كلما زاد الخلل في المجتمع ، لأن وجود هذه المؤسسات تمثل خفضا لحرارةالقيم الايجابية ، وحجرا لها في زاوية هي ليست قيمية بقدر ما هي مؤسسة لاتحمل من القيم سوى عنوانه .
على سبيل المثال لدينا في العراق هيأة عليا للنزاهة يديرها موظف بدرجة وزير وفي البرلمان لجنة مماثلة وفي المحافظات لجان مماثلة ومع هذا فأن الفساد المالي والاداري على اشده .

Advertisements