بِلا عُنوان ـ فرج ياسين

فرج ياسين أذكرٌ أنني كنتُ في سن التاسعة ، ألعبُ مع أقراني كرةَ القدم في الفسحة المربّعة الصغيرة أمامَ بيتنا ، فمرَّ العجوز قاسم السمّاك ؛ وتوقَّف ينظر إلى جمعنا الصاخب ؛ من دونِ أن ينبسَ بكلمةٍ كعادته ؛ لكنّ أحدنا ضربَ الكرةَ بقوّة فاصطدمت بالجدار وعادتْ إليه ، فضربتْ رأسه و أطارَت عقالَه .
لم يبدُ عليه الغضب ولم ينبسْ بكلمة ، وبما أننا نعرفُ أنه رجل غريبُ الأطوار ، مرهوبٌ ، وانعزالي ؛ فقد توقّفنا جميعا في أماكننا صامتين وشخصنا إليه .. وكنتٌ قريبا منه فطلبَ منّي أن أُحضرَ له الكرة ، ولما صارتْ بين يديه تفحّصها ودوّرها كمن يبحثُ عن شيءٍ ما فيها ، وأخيرا قال لي : أنتَ ياولدْ كيف وضعوا فيها الهواءَ وكيف أغلقوها ، وأين بابُها وأين مزلاجُها ؟ ؛ ولما لم أحرْ جوابا جثا على ركبتيه . عيناه زائغتان وكفّاه مرفوعتان أمام صدره ؛ متخذا سمتَ الدعاء ، ثم صاح بأعلى صوته : يارب خذ أمانتك ؛ فقد فسدَ الناسُ ، وتغيّرت الدُنيا !

Advertisements