مدخل في مفهوم الوعي ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة <> عام
الوعي من الوعاء ، قوة في العقل ، تتحقق له بعد ادراك كنه الاشياء او ادراك معاني الالفاظ . ولكل كائن حدود يعرف بها ، تميزه عن سواه ، وان الخلط بين الكائن بصفته مصداق والكائن المعبر عنه تصوريا يفضي الى اختلال الوعي ، وهذه الحقيقة تحيل الى التصنيف ، تصنيف الكائنات طبقا لمعايير محددة هي على الدوام خواصها . والتصنيف في مرحلة متقدمة من الوعي يستبدل بالتقسيم .

<>الوعي واللغة
ليس من الصواب اعتبار اللغة وعاء للمعرفة ، وانما اللغة وسيلة التعبير عن المعرفة ، فاللغة جزءا من اللسان ، ولانعني باللسان ذلك الجزء العضوي ، بل اللسان بالمعنى القراني ، فهو يشتمل على اللغة ، واللغة حركة اللسان للتعبير عن المعاني ، كما يشتمل على معاني الكلمات ، ويشتمل على قيم تلك المعاني المتغيرة بتغير العبارات ، والمتغيرة طبقا لموضع الكلمة من الجملة ، وعلى هذا ان المعنى المعجمي للكلمة ليس إلا إستلال المعنى من جملة واحدة او من جمل لغوية منوالية ، ولايمكن للمعجم اللغوي الاحاطة التامة بمعنى الكلمة .
وصلة اللغة بالوعي صلة مزدوجة بمركبتين لاتوجد احدهما بمعزل الاخرى : الكلمة المنطوقة ، والصورة الذهنية للشئ . وبكلمات اخرى : المفهوم والمصداق .

<>الوعي احتواء
ماذا يعي العقل ؟ هل يعي الكلمات ؟ الاشياء ؟ الافكار ؟ الصيرورة والتغير ؟ الالغاز والمسائل ؟
الوعي ابتداءا هو ليس إلا قوة احتواء ، تقر محتوى يستقر في العقل كمعطى ؛ والمحتوى سلسلة من المعلومات ، وهذه السلسة لايعيها العقل إلا عبر اقترانات على مستويين :
الاول ؛ اقران المفهوم بمصداقه .
الثاني : صلة المفاهيم ببعضها .

اذا ما اصاب المستوى الاول ضمَـِنَ اصابة الثاني ، حيث ان المستوى الثاني هو المستوى الذي يحدث عنده التفكير . والتفكير ليس من الوعي ، بل ان الوعي عمل سابق على التفكير ، بمعنى ان الوعي يتقدم التفكير ويوفر له مؤنته وموارده ، وبهذا المعنى ايضا ان الوعي مبدأ التفكير .

<> الوعي بين التصنيف والتقسيم
تتشابه الكائنات وتختلف ، طبقا لمعايير توجد فيها ، وتظهر جلية اثناء وعي الفرق بينها ، ولايمكن القول بتشابه كائنين إلا اذا كانا مختلفين ، واذا كانا متطابقين فلا ضرورة للقول بتشابهما لأنهما عندئذ يكونان كائن واحد ، والتطابق يجعلهما هكذا . ان الوعي ذاته لايتحقق إلا بالتعرف بدأ على الفروق بين الكائنات ، وبعد ذلك تسير عملية الوعي الى تصنيف الاشياء على اساس اختصاصها بخاصة واحدة او اكثر تجمعها في شميلة واحدة . ان تكرار عمليات التصنيف يبوب عملية الوعي ، وبسبب التراكم المنوالي للاصناف يكتسب الوعي رقيا اعلى في الانتقال الى التقسيم .
ان الفرق بين التصنيف والتقسيم قد عرضه وكتب عنه اكثر من واحد ، ولكن ليس من خلال صلتهما بالوعي ، وليس من خلال صلتهما بالادراك ايضا . ان التقسيم فن يتحصل بعد وعي اصناف الكائنات ، ووعي الاصناف لاتتحصل إلا بعد حصول الوعي الاولى عبر المستويين المزدوجين التي ذكرناهما . ان الانتقال من التصنيف الى التقسيم يمثل نقلة نوعية في الرقي العقلي ، ولم يسجل تاريخ المعرفة بأن التقسيم سابق للتصنيف ، فهذا قلب لسياق المعرفة الرصينة .
عبد الرحمن كاظم زيارة

Advertisements