المذبحـــــةُ : لا سَعــــادات مُريحــــةٌ ـ شعر : د.فهمي الصالح

في ذكــرى أحــزان العـــراق د. فهمي الصالح
– الإحتــلال الأثيـــم –
________________________________
ليسَ مسائي كالبرتقال
لا سَعادات مريحة في القلبِ
لا في دمي ولا في أيةِ آصرةٍ من الأرض
لا سَعادات مريحة في الكونِ
لا بحر ولا بر ولا سماء هادئة
البقعةُ مشتعلةٌ بكلِّ الجنونِ والعُري
ولا أرديةّ حولي تحتويني بشغفِ الحُبِّ
مداراتُ الروحِ تنوحُ داخنةً عبرَ المنافذِ
النوافذُ ملتهبةٌ على طولِ الفجيعةِ
إنَّها مذبحةُ الفردوس
إنَّها حتماً كذلكَ ..!

لا سَعادات مريحة في هذا المساءِ اليتيم
ليسَ مسائي كالبرتقالِ لأغُضَ الطرفَ
عن تلكَ الحرائقِ الأولمبيةِ المُتقافزةِ كالوهمِ
قيّدّتني بسلاسلِ كذبِها تلكَ الأحلامُ الواسعةُ
التي تُشبهُ عيني امرأةٍ مُفعمةٍ بالسوادِ
حينَ استدرجتني بروقُها المُخادعةُ إلى الفاجعةِ
الوصايا تتعرّى عن أقفالِها الراكضةِ نحو الفتوحات
عندما تسقطُ في الحضيضِ تلكَ الخيولُ المُتعَبةُ
أمام نزفِ الروحِ إزاءَ البلادِ المُدماةِ بالشوقِ القديم
وأنا بلادي انكسرَ غصنها الأبديُ في حُمّى السماواتِ
اللامعةِ بكذبِها في العطشِ الأصفرِ للناياتِ المُمزقةِ
وأعاصير الشفاعاتِ القاتلةِ بجذاذاتِها المسمومةِ
* * * * * * * *
فعندما أتذكّرُ إخفاقيَ في الحُبِّ مراتٍ عديدةً
يشربُ الحُبُّ قلبيَ دفعةً واحدةً ..
فأحزنُ جرّاءَ ارتماءِ مشاعري في الريحِ
بين وعدِ المساميرِ وكراسٍ خيزرانيّةٍ
لها رائحةُ الأفاعي العمياء
أقداري مَنَحتْ ضجَّةَ ثوراتِها البشعةِ
لجميلاتِ تماثيلٍ وجوهُها مطاطٌ لزجٌ ومخاطٌ
وعنفوانُها مشلولٌ مثلَ لُعبٍ هزيلةٍ
عادةً ما تؤثثُ قوافلُ الرموزِ مذابحَها المستقبليةَ
عندَ الرقابِ الناضجةِ في يخوتِها
لم يُدرِكْ الرماديون أبداً أنَّ مليكاتِ العسلِ المسمومِ
والفراشاتِ الملوثةِ بنحاسِ السنابلِ
هُنَّ مَنْ يُرسلنَّ إلى حقولِهِم بشياطينَ فاقدينَ
لأدنى معجزةٍ في حشِ الخُواء وكنسِ البَلادَةِ
عيناي حائرتانِ أمامَ حزنِ المنصّاتِ
تذرفانِ آخرَ قطراتِ النفطِ الحلالِ
على جثةِ الوطنِ المُسجى في قفصِ التشقُّقِ
قلبي يهرعُ دونَ جدوى إلى اللسعاتِ
في مساءِ النجومِ البعيدةِ الضائعةِ
للقبضِ على جثةِ المأساةِ
أبكي على قلبي حينَ يُباشِرُ إحصاءَ خساراتي المديدةِ
التي حوّاها بوقُ أحلامي القديمِ
أبكي بمرارةٍ ..
ها أنذا أبكي حقاً بمرارةٍ ..!
يا مساءَ السماواتِ البرتقاليةِ :
ليسَ مسائي كالبرتقالِ بكلِّ تلكَ الحرائق
ليس مسائيَ الذي ألفتُهُ بكلِّ تلكَ الندوبِ
فلا المساءُ مسائيَ لكي أغطَ بهدوءِ الجسدِ
وأستقرَّ في قعرِ الجُبِ عندَ الحُجُبِ
ولا الندوبُ ندوبيَ لكي أمنحَ الروحَ مغامراتِها العاريةَ
وأبدو مثلَ سندبادٍ كَثُرَ خائنوهُ في المعاركِ
حظي يا سمائي ليس هذا أبداً..
تعثّرتْ فيه المسلاتُ الآيلةُ للسقوط
بعيداً عن الدموعِ والزُلال
تفكّكَتْ وشومُهُ المقروءةُ بينَ الكبريتِ دونَ موسيقى
الحرائقُ الآثمةُ شوتْ عمري بكلِّ نرجسيّةِ الحقراءِ
وها هيَ تشّوي كبدَ بلادي
على نارٍ كافرةٍ بدونِ أنبياء
بلادي العزيزة غزاها الغزو بعارِ الحديدِ والعُربان
تقاويمُ المقاماتِ هتكتْ أستارَها جاروشةُ السُّرفاتِ
من أولِ نغمةٍ مُتخمّرةٍ في جذرِ الصهيلِ إلى النحاسِ
حينَ عبرتْ جراحَ الماءِ
بذلكَ الأنينِ المقدَّسِ
اللحظاتُ المخمليةُ تستنزفُ حقائِقَها الورديةَ
عندما تتلوثُ المشاعرُ بالاختراقاتِ اللقيطةِ
هناكَ عندَ انفعالاتِ الوجودِ العكسي
لبذاءةِ العدمِ تحترقُ دمائيَ
بفحمِ الحديدِ اللئيمِ والحليبِ المُرِّ
حيث حفاوةُ التاريخِ تتمُّ بالمقلوبِ عندَ الطحلبيين
حيث الرُقّمُ وتخطيطاتُ الوجوهِ مُغمسةٌ بالأفاعي
دماءُ بلادي وفحمُ الغزاةِ
والموتُ الطويلُ السمينُ
قدرُ الطبيعةِ وأغنيةُ الوجعِ القديمِ
في كلِّ المطاحنِ والإنثيالاتِ
نارُ النارنجِ تسفحُ اللهبَ على خدِّ الذهبِ
وقوسُ النصرِ المخسوفِ كما القلبِ المكسورِ
يرتجفُ من الخوفِ بكلِّ ضخامةِ الإسمنتِ
ستبدأُ الأغنيةُ في موعِدِها المُفاجئِ عندَ اللزوم .!
العرضُ الغرائبيُ للمذبحةِ يهطلُ بالبردِ والبروقِ
في هذهِ الليلةِ القدريةِ لتاريخ مُعاكسٍ للقلبِ
على وقع الثعالبِ من يوم 9 / 4 / 2003 :
– يوتوبيا المساميرِ في سيركِ الخشبِ
وخرابِ الربيعِ المُشتعل قُبيلَ الضباب
– درّاجاتٌ ورقيةٌ باسطواناتٍ هلاميةٍ
لها رائحةُ النفاياتِ والخونة
– أفيالٌ مُبهمةٌ لا تمتُّ بصلّة إلى وقارِ بوذا
– أحلامٌ ناريةٌ أذابتْ دهشةَ الأطفالِ الغرباء
– ثلاجاتٌ خرافيةٌ لاحتباسِ جثةِ الوطن
– حريقُ المرايا ألوانُ الوجوهِ الشتائيّةِ الحزينة
– روحُ الرصاصِ هذيانُ المُدنِ المُهدّمةِ
يا لأولئكَ الرماديينَ المسحورينَ بالفراغِ
حين فقدوا وشومَهم الذهبيةَ
احتفاءً بمكوثِ عرباتِ الخنازيرِ
عندَ أقواسِ الملوكِ المُشرّدين
آه .. يا سيركَ الغجرِ الأحمرِ المحروقِ بالطين
لا سعادات مريحة في المجالِ الحيوي للأفران
لا مثقف عضوي عندهُ فطرةٌ الأيقوناتِ النبيلةِ
للدفاعِ عن الخلايا بأنواعِها العرقيةِ من الفايروسات
الأحذيةُ تسحقُ كلَّ التفاصيلِ دونَ استثناء
يا للعار .. يا للعار ..!!
يموتُ المدنيون في الحرب
ونحنُ بلا جنودٍ
ندخلُ حربَ موتانا .!
يا لروحي الحزينةِ التي يُعذبُها اللا أباليون
بعدَ كلِّ هذه البانوراما وتشكيلاتِ الحرائق .!
يا لذاتيَ المكابدةِ التي تحجّرت فيها الملامحُ .!
ليسَ مسائي كالبرتقالِ لأغضَ الطرفَ
عن تلكَ الحرائقِ الماكرةِ والمذبحة
لا سعادات مريحة في هذهِ الأرضِ المباركة
التي باض بها الأنبياءُ
لا بحر ولا بر ولا سماء هادئة
البقعةُ مشتعلةٌ بكلِّ الجنونِ والعُري
ولا أرديةٌ حولي تحتويني بشغفِ الحُبِّ في بردِ النهاية
مداراتُ الروحِ داخنةٌ تنوحُ عبرَ المنافذِ
النوافذُ ملتهبةٌ على طولِ الفجيعةِ
ليسَ مسائي كالبرتقالِ ولا كالمُحال
وأنا لا يفارقني حزنُ الدنيا المُدلَهِم هذه الليلة .!
…………………………………………….
الأردن – مؤتة – ليل 9 / 4 / 2003 الحزين .

Advertisements