الوردي بعزف الشماع ـ بقلم سلام مسافر

سلام مسافريأخذنا نحو تفاصيل نجهلها عن باحث، نلجأ إلى نظرياته بحثاً عن تفسير لطبيعة المجتمع العراقي فنكتشف أننا بحاجة إلى إعادة قراءته مرات ومرات.

سلام الشماع، يؤرخ لجوانب ثرة من مسيرة عالم الاجتماع علي الوردي في كتابين. ويستعد لمسلسل تلفزيوني عن حياة العالم الفذ الذي ضاق الكفر بمغتصبي أرض جامع براثا فدرسوا قبره مع نخبة من صحيح العراقيين: الطاهر علي جواد، وشيخ المؤرخين العراقيين جواد علي، عليهما وعلى صاحبهما علي الوردي أفضل الصلاة والسلام وعلى الصغار الطائفيين اللعنة إلى يوم الدين!!

يجمع الشماع في (من وحي الثمانين) مجموعة مقالات لم تنشر للدكتور علي الوردي، وينسقها تعليقاً ومعايشة. ويرسم في (د. علي الوردي .. مجالسه ومعاركه الفكرية) صوراً قلمية نادرة عن آخر صاحب سدارة بغدادية قبل أن تزحف البداوة بجهالتها على مدن العراق وتكتسح العاصمة، وتتلاشى المجالس الأدبية والديوانيات الثقافية، ويضيع معلم المدينة وسط حرائق الاحتلال وعفونة خدنته من لصوص ومحدثي نعمة أمعنوا في تدمير العراق كما لم يفعله كل الغزاة في تاريخه القديم والحديث؛ أضاء الوردي لمحات منه تجعلنا ندرك طبيعة القوة المدمرة المستديمة في صراع البداوة والحضارة وكل تناشزاتها الاجتماعية التي أسفرت عن أقبح الوجوه منذ الغزو الأميركي.

د. علي الوردي

د. علي الوردي

سلام الشماع

سلام الشماع

ابن الكاظمية، الصحافي سلام الشماع، جمعته رفقة مع الكاظمي الجليل علي الوردي امتدت لعقدين من الزمن قبل رحيل عالم الاجتماع، وغيابه عن أروقة الجامعة وصالونات بغداد الأدبية التي سجل الصحافي المقتدر مجالسها بحرفية مؤرخ ولم يخف حتى انتكاسات بطله الوردي وهزائمه المتكررة أمام خصمه الفكري اللدود الشيخ جلال الحنفي.

فمؤلف الكتابين، يستلهم نظرة الوردي الديمقراطية، ويتشبع بأريحيته. إنه يلتزم بموضوعية شجاعة تثير الإعجاب، إذا عرفنا أن قسماً كبيراً من المقالات نشرت في الصحافة العراقية قبل الاحتلال، وأن الشماع واجه غضب رؤساء تحرير كانوا أقل شجاعة منه في إبداء آراء تخرج عن السياق الشمولي للدولة.

ولم يفوت الشماع، لقطات عابرة في حياة الوردي، تعكس مزاج وعواطف العالم الراحل الذي يقال أن مؤلفاته ضربت رقماً قياسياً في المبيعات داخل العراق، فيما الناشرون يعيدون طباعتها دون حسيب أو رقيب في بلد منهوب. لكن العزاء في أنها قد تكون بمتناول أجيال العراق الشابة التي عمل الاحتلال وخدنته على محو ذاكرتهم وتشويه تاريخ بلادهم.

الوردي بقلم الشماع، ليس “أسطورة الأدب الرفيع” ولا خدمة “لوعاظ السلاطين” أو سخرية من “مهزلة العقل البشري”. إنه الصورة الواقعية لعالم ردد أمام مسامع أصدقائه وخصومه في السنوات الأخيرة من حياته المديدة (مافائدة أن يظهر اسمك وأن يشار إليك بالبنان؟ إن الدود سيأكلك كما يأكل من لا يشار إليه بالبنان).

ويرى الشماع في تلك العبارة إعلانا مسبقاً بأن الوردي استنفد غايته في الحياة وأنه يعيش منتظراً الموت.

ولم يحظ الوردي، شأنه شأن غالبية مبدعي العراق، برعاية خاصة من قبل الدولة التي ابتليت بحروب وغرقت في القمع والحصارات خلال العقود الثلاثة الأخيرة قبل الاحتلال. وضاع العلماء بين عجلات العسكر الذين لفت الوردي الانتباه إلى أدوراهم الخطيرة في تخريب البلاد وتشتيت العباد، عندما رصد بالرواية والتحليل، تاريخ الانقلابات العسكرية في العراق الحديث.

ولعل الشماع، بتأريخه لمواقف لم يكتبها الوردي، بل تشافه بها مع صديقه الشاب، يقدم إسهامة كبيرة في تخليد ذكرى عالم أقام الدنيا ولم يقعدها حتى بعد ثبور الاحتلال.

يمثل جهد الشماع التوثيقي عن الوردي، سردية تاريخية، تعبق برائحة المدينة. وإذا حرص المسلسل التلفزيوني المنتظر على المسيرة الحياتية الحافلة لعالم الاجتماع العراقي، بنفس حمية الشماع، في تسجيل صفحات مطوية من حياة بطله؛ فإننا سنحصل على عمل يليق بذكرى الوردي البغدادي.

لكن الخوف أن يستسهل القائمون على صناعة المسلسلات التلفزيونية في القنوات العراقية، فن تسجيل حياة ومسيرة الشخصيات التاريخية، كما شاهدنا في مسلسلات، اغتالت نوري السعيد باشا وذبحت آخر الملوك في العراق، بعد أكثر من نصف قرن على سقوطهم مضرجين برصاص الدهماء وحراب البداوة.

وإذا تمكن الشماع، من فرض شروطه على المنتجين، فعليه أولاً أن يمنعهم من تسيسس المسلسل، لصالح أيديولوجيات رثة تهمين على الإعلام العراقي اليوم بعد عقود عجاف من الحكم الشمولي لتصبح الآلة الإعلامية، بيد تجار شنطة ومتسقطي المناصب ومتعهدي المآتم في الأحزاب الطائفية.

فليس بعيداً مسلسل “ابو طبر” الذي لم تنفع كل الوثائق المنشورة على يد محققين وضباط شرطة كانوا على دراية بتفاصيل دقيقة عن عمليات وشخصية المجرم الذي روع أهالي بغداد أواسط سبعينيات القرن الماضي في دفع القائمين على المسلسل التلفزيوني إلى توخي الدقة والكف عن تحريف الوقائع لصالح أجندات مبتذلة للأحزاب المهيمنة على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في العراق وتمتد سطوتها بقوة المال المنهوب ليلف أخطبوطها معظم وسائل الاعلام، المرئية والمسموعة خاصة.

مسلسل الوردي المنتظر، بحاجة إلى منتج يحنو على شخصيات العراق الحديث. وإلى ممثلين تتسع مهاراتهم لمعانقة ذوات كبار أثرت حياتنا وتركت بصمات عميقة في تاريخنا الحافل بالصخب والعنف.

مسلسل الوردي بحاجة إلى ممثلين، مشبعين ببغداد. ليس سماعاً، بل معيشة. فشخصية بطل المسلسل، من أقحاح بغداد، ويتعين على من يلعب دور الوردي أن يجسد تفاصيل غاية في الدقة، صور جوانب مهمة منها الشماع بعزفه المتفرد على ماضي العراق القريب.

الوردي حتى في قبره المدروس بمعول بدو براثا لن يغفر لمن سيجعل من مسلسل تلفزيوني معبراً لأيديولوجيات رثة، وسيغضب على من سيلعب دور “الكظماوي” المشاكس ولا يعرف كيف يضع البغدادي القح السدارة وسط الرأس المثقل بالأفكار الخلاقة.

افكارجريئة، عارك بها علي الوردي مجايليه، ويمتد شعاعها مخترقاً غبار البدواة والجهل ومظالم أحزاب التحاصص.

لقد كان الوردي باسلاً في معاركه ويستلهم الشماع شجاعته في المنازلة. ويجب أن يرقى المسلسل الموعود إلى مستوى الراحل الكبير وإلى حمية تلميذه المجد.

Advertisements