الخطاب الديني الاجتماعي ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة الخطاب الديني الاجتماعي كأي خطاب هو كلام له نسبة حضور قد تشتد او تضعف في المسكوكات اللغوية المتداولة اجتماعيا بحكم العادة ، ويستمد مفرداته من المفاهيم الدينية والعقائد الدينية الموروثة حتى انه يشكل احد ملامح الخطاب العام الذي يوظف في الصلات والمعاملات الاجتماعية ، ويختلف عن الخطاب الديني الفقهي باستناد هذا الاخير الى المباحث الاصولية وقواعد الاستدلال الفقهي .

فههنا خطابان دينيان :

ـ خطاب ديني اجتماعي عام يمثل احد المحكات الخارجية للمجتمع الذي تسود فيه ديانة معينة .
ـ خطاب ديني فقهي متخصص ، خاص بالمدارس و المؤسسات الدينية .
وان الخطابين لايلتقيان عادة إلا عند المشتركات اللفظية  ، و بعض الممارسات الطقوسية . هذا دون ان نتحدث الى ما يفرضه الانتماء الطائفي من اختلافات بين نوعي الخطاب .
ونتناول هنا الخطاب الديني الاجتماعي ، فهذا المبحث منعقد له .

وظائف الخطاب الديني الاجتماعي

يمكن تصنيف الخطاب الديني الاجتماعي الى مجالات معينة هي : الدعاء، و التمني ، و الشكر ، و القسم ، و النصيحة ، و التخويف او التحذير.
ويؤدي هذا الخطاب وظائف متعددة ، بتعدد المجالات ، و مختلف باختلاف الظروف :

ـ فمرة هو وسيلة اقناع
ـ ومرة ثانية وسيلة دفاع
ـ وثالثة وسيلة تبرير
ـ ورابعة وسيلة اطمئنان

بعض موضوعات وسمات الخطاب الديني الاجتماعي

عادة تظهر جليا العبارات الاتية في الخطاب الديني الاجتماعي : ان شاء الله ، الحمد لله ، الله كريم ، الاسلام شريعة الحياة ، رحمة الله ، كرم الباري ، الله يعينك ،بعون الله ، بجاه اهل البيت ، اللهم ارحمنا ورد عنا الظالمين ، اللهم يسر ولاتعسر ، الله رحيم رؤوف ، الرزق على الله ، اسع يا عبدي وانا اعينك ، الذي لايعين نفسه الله لايعينه ، هذا ربك ..كن فيكون ، نريد وجه الله ، نريد ارضاء الله ، الله غالب ، وغيرها .
وتختلف تلك التعابير بصورها الكلامية من مجتمع اسلامي الى آخر بحسب ما اعتاد عليه المجتمع وتوارثه من كلمات وعبارات تعد لصيقة بالدين والتدين .
ان حضور الخطاب الديني الاجتماعي في الكلام المتداول لايعد دليلا كافيا على تدين المجتمع التدين الموصول باصول الشريعة ، ولاينم عادة عن فهم عميق وصحيح لتلك الشريعة ، بل انه يجري مجرى العادات الاجتماعية الاخرى .
يهيمن الخطاب الديني الاجتماعي على الخطاب الاجتماعي العام في الاوقات العصبية التي يمر بها الفرد او المجتمع ، ويكون حضوره لدى الاناث عادة اكثر منه لدى الذكور لاسباب تتعلق بمنسوب القوة والارادة والرؤية التي يكرسها الترتيب الاجتماعي لكلا الجنسين . ويكون حضوره اكثر وضوحا في البيئات الاجتماعية الفقيرة او الجاهلة . كما انه يختلف بوضوح بين كل من الجماعات الطائفية والجماعات المسيسة والجماعات الفرقية . وبالرغم من هذه الاختلافات فإنه يعبر في كل الاحوال عن تقاليد اجتماعية تميز المجتمعات عن بعضها .
يتسم الخطاب الديني الاجتماعي بالعفوية المفرطة ، إلا انه لا يلامس موجبات الايمان التي تحملها مفرادته ، نظرا لوظائفه الاجتماعية الاربعة المذكورة آنفا.
وعلى هذا ان هذا الخطاب تجسيد للمعارف التقليدية المتداولة عرفا ،مشبعة بالموروث الشعبي الذي تمتزج فيه التقاليد الاجتماعية والمواقف المصنفة دينيا ، امتزاجا يصعب معه التمييز بينهما . و لهذا السبب فان الخطاب الديني ملحقا بالانماط التقليدية للعلاقات الاجتماعية ، و احد العوامل التي تؤدي وظيفة توافقية اجتماعية في اطار صيرورة المجتمع و حياته اليومية المعتادة .

مقومات الخطاب الديني الاجتماعي

و قد اتضح من موضوعات الخطاب المذكور انه يشكل سلسلة من الرموز الخطابية الدينية كما لو انها مسكوكات استقرت في الوجدان والعاطفة ، وتهيمن مفرداته على الكلام اليومي ، و تمثل شفرات تواصلية تضمن انسجام الفرد مع مجتمعه الضيق ؛ الجامعي او المحلي او القروي من جهة و المجتمع الاوسع المؤلف من المجتمع الطلابي و الاسرة و الحي و سكان المدن و القرى من جهة اخرى .
ولأن الخطاب الديني موضوع البحث مطبوع بالطابع الشعبي فإنه مقطوع الصلة نسبيا بالثقافة الفقهية العالمة و مقطوع الصلة بمصادرها ممثلة بالقران و الحديث .  و بدقة اكثر ؛ ان الشراكة بين الثقافتين تقف عند عتبة الالفاظ التي ترمز الى المقدسات و العبادات الدينية و لاتتجاوزها الى مضامينها العقائدية و الاصولية ، الامر الذي يسمح لنا بالقول ان المظهرية الدينية المتواشجة مع التقاليد الاجتماعية المتوارثة تقف حائلا بين التقاء الخطاب الديني الاجتماعي بصفة خاصة ، و المجتمع بصفة عامة ، مع الثقافة العالمة التي تضع الاعتقاد و السيرة للفرد في مكانة واحدة .
ونخلص الى القول بأن الطابع الشعبي للخطاب الديني الاجتماعي يتقوّم بثلاثة اركان هي :

ـ المحاكاة .
ـ النمطية .
ـ التوافق .

اما الثقافة الفقهية العالمة فهي تتقوّم بثلاثة اركان هي :

ـ الاصول .
ـ المنهج .
ـ الدليل .

ولاتنساق مع المعتقدات العامة المتداولة شعبيا .

الصلة بين الخطاب الديني الاجتماعي والطقوس الدينية
و على هذا فإن الخطاب الديني الاجتماعي وبسبب طابعه الشعبي يجد في كل الممارسات الدينية ـ الاجتماعية العامة و الطقوس المتعارف عليها معا ، عامل رسوخ و استمرار لموضوعات ذلك الخطاب . وان العلاقة بين موضوعات الخطاب الديني للمجتمع و الطقوس والممارسات الدينية علاقة دورية ، يبدأ احدهما من حيث ينتهى الاخر .
حيث ان الصفات المتقدمة للخطاب الديني موضوع البحث و مقوماته تؤكد ان كلا من الممارسات الدينية والطقوس الدينية ذات الطابع الجمعي ممتزجتان بالتقاليد الاجتماعية المتوارثة .

الطبيعة التوافقية للخطاب الديني الاجتماعي

و لو نظرنا الى هذه الظاهرة من ناحية اخرى لوجدنا ان امتزاج الشأن الديني ممثلا بالخطاب والممارسات في الشأن الاجتماعي التقليدي والقيمي يؤدي دورا مقوما للهوية الاسلامية للمجتمع ، إذ يضفي هذا الامتزاج محكات داخلية ينقاد اليها الافراد و منهم المثقفون بطبيعة الحال من جانب ، و يضفي محكات خارجية ترسم السمات الجمعية للمجتمع مقارنا بمجتمعات اخرى من جانب ثان.
وبنظرة ثالثة تقويمية ، تنبثق من المقارنة بين المقومات الثقافية الشعبية للخطاب الديني والمقومات الثقافية العالمة للمؤسسات الدينية المتخصصة وعلماء الفقه ، نجد ان الاتجاهات السلوكية والمواقف و الميول التي يهيمن عليها الخطاب الديني تجسيد لما يعرف بالامتثال الاجباري من قبل الفرد والجماعات الصغيرة ، كالاسرة  ، والمجتمع الطلابي ،على سبيل المثال ، هذا الامتثال يسمح بتكريس ظواهر دينية منقطعة الصلة بالثقافة العالمة .
وعلى ما تقدم ذكره فإن الخطاب الديني الطلابي يؤدي وظيفته التواصلية داخل المجتمع اكثر من اداءه لوظيفته الدينية . بكلمات أخرى ان الخطاب الديني الطلابي يؤدي وظيفته التواصلية بابعادها الاجتماعية اكثر مما يؤدي وظيفته البنائية ببعدها الديني .

الطبيعة الدفاعية للخطاب الديني الاجتماعي

كما ان الخطاب الاجتماعي الديني عبارة عن ميكانزم دفاعي وهنا نلتقي بعنصرين مقومين يتقوم بهما :

ـ التلفيق .
ـ والتبرير.

فقد يكون التدين لدى بعض الناس ردة فعل لواقع اجتماعي مرفوض ، وهذا هو التدين العصابي، الذي ينشأ لدى الإنسان كميكانزم دفاعي ضد قهر السلطة و الإحباط و الشعور بالخوف و القلق و العجز عن مواجهة متطلبات وضغوط الواقع ، و هذا ما ينطبق على الفرد و المجتمع .
واللافت مثلا ان انخفاض منسوب الموارد المالية ، او ضعف القدرة المعيشية لدى فئات اجتماعية معينة بصفة عامة ولدى النساء بصفة خاصة قد يلقي بظلاله على مظهر الافراد من ملبس ومقتنيات شخصية ، فلربما يتكون اتجاه تبريري نحو ارتداء الحجاب والجبة الاسلامية ، فبالاضافة الى الطبيعة التبريرية لمثل هذا الاتجاه فهو ينطوي ايضا على عنصر تلفيقي واضح ، لكون هذا التحول في السلوك على مستوى المظهر الخارجي ، يشكل ميكانزم دفاعي قوي لنفي صفة الفقر والحاجة . وكل ذلك يكون مسؤولا عن ارتفاع نسبة موضوعات الخطاب الديني وتنوعها افقيا لدى الافراد لتكون متوافقة مع التغييرات المظهرية خاصة ، والسلوكية عامة .

و بطبيعة الحال ليست كل امرأة ترتدي الحجاب و الجبة كان ذلك بسبب الفقر ، لاتخاذهما وسيلة دفاع تنفيان حال الفقر .
ان كثيرا من المواقف التي يمر بها الفرد او يضطر اليها ، تلجأه الى تبرير او تكييف سلوكه بعبارات تقرن بتلك المواقف على نحو تلفيقي  ، يستلها من موضوعات الخطاب الديني الاجتماعي . لذلك فإن الظاهرة الابرز في هذه الناحية من توظيف الخطاب الاجتماعي الديني تتمثل في تفاوت دلالات الموضوع الواحد و معانيه .

عفوية الخطاب الاجتماعي الديني

من الملاحظ ان عبارات ـ مسكوكات ـ الخطاب الديني ترد بشكل عفوي .اذ يمكن ان نصنف العبارات او الجمل التي تصدر على نحو عفوي من الافراد على انها عبارات منوالية ، مستقرة في اللاوعي ، لذلك فإنها غنية عن التفكير و الاختيار الواعي ، وهي بهذه الصفة تقترب الى البديهية من حيث الاستخدام والتوظيف والحضور.
ولهذا السبب فإنها عبارات لاتملك مضمونها الذي تشير اليه في وعي المتكلم ، وانها لاتعمق الايمان بالمعنى الديني ، ولاتطوره ، ولاتلبي حاجة عبادية او ايمانية في المواقف اليومية .
ولو نظرنا الى هذه الحقيقة من زاوية تداولية اوتواصلية فنجد ان موضوعات الخطاب الديني للمجتمع تأتي في السياق اللغوي المتداول والمعتاد ، حتى يمكن القول ان الفاظه اضحت جزءا من مجموعة الحروف و الادوات التي تؤدي وظيفة ربط لفظ بلفظ ، او التوسط بين الالفاظ على نحو يفصح عن اجتماعية الخطاب وليس عن التدين .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) هذه الدراسة معدلة عن دراسة كتبتها لصالح طالبة الماجستير ( فاتن دراجي) من الجزائر في مباحثها وكنتائج اخيرة لبحثها الموسوم ( الخطاب الديني لدى الطلبة) ونالت عليها درجة الماجستير بدرجة امتياز . فقد لعبت دور المشرف على الرسالة الذي غاب عن مواكبتها وتركها تكابد مضنة البحث ، إلا ان كل الافكار الواردة في هذه الدراسة ليس لها صلة بالنسخة الاصلية لرسالة الطالبة قبل تقديمها للمناقشة ، لذا اقتضى التنويه .

رد واحد

  1. من الأجحاف ابقاء مثل هذه الأفكار حبيسة اوروك مثلا مع احترامنا العالي لروعتها …. انها من حق الناس لا النخب فقط …. لأهميتها و دقتها التصنيفية و حاجتنا لها لتغيير انماط تفكير الناس

    Liked by 1 person

التعليقات مغلقة.