التفكك منذ عصر المدارس القومية في تركيا إلى عين العرب كوباني ـ طارق شفيق حقي

طارق شفيق حقي

طارق شفيق حقي

هناك مشكلة يظنها البعض متناقضة وهي قَسّمت المفكرين في بلادنا لفسطاطين :

ـ تيار ديني يمجد الرابطة الدينية

ـ قومي يمجد الرابطة القومية

وحين أقول بلادنا فإني أعنيها من المحيط الى الخليج …

لقد ترك الأجداد تركة ثقيلة للحكام العرب الحاليين وللمفكرين والمثقفين العرب هذه التركة لا تقبل القسمة بين طرفين .لكن هناك من قسمها قسرياً منذ سايكس بيكو إلى برنار ليفي ، ويظن أصحاب الهوى إنهم سينعمون بالخير في ممالكهم ودولهم الجديدة، ولا يدركون أنهم دخلوا كمسننات في محرك التهديم الكبير للمنطقة ..

كنت أحاور بعض الشباب المدافعين عن الخلافة العثمانية فهي بنظرهم تحمل برأيهم رابطاً أقوى من القومية أو العروبةوكانوا يصبون جام غضبهم على السوريين لأنهم طالبوا بالانفصال ، لكنهم لم ينظروا أن هذه الخلافة العثمانية هي من سعت لترسيخ القومية التركية على حساب الدين .
فحين كانت الخلافة العثمانية تقدم رابط الدين على القومية كانت تبايع الخليفة العباسي العربي خليفة لكل المسلمين و لو كانت مكانته شكلية كمكانة الملكة البريطانية
لكن هذه المكانة كان لها دوراً في توحيد العصبية في الدولة المتسعة ولقد كانت دولة قوية بحق ونعمت بالرخاء والإزدهار ، لا شك أن هناك من دعم هوى القومية وربما ظن الشباب التركي وقتها أنها مطية جميلة ولم يعرفوا أنهم يحفرون قبرهم بهواهم الجديد …

ساطع الحصري فيلسوف العروبة كان مديراً لدار المعلمين في أسطنبول وكان صاحب النزعة الطورانية القومية تحول بين ليلة وضحاها لمنافح عن القومية العربية ووزيرا للتعليم العالي في دمشق ثم جاء إلى العراق مع الملك فيصل كوزيراً للمعارف
و حين نقرأ الخلاف بين ساطع الحصري وبين شاعر العرب مهدي الجواهري نعرف كيف ساهمت سياسات ساطع الحصري في تفتيت الرابط الديني وبالتالي تقسيم البلاد ، فكان أبو خلدون الحصري يرفض تعين الجواهري لأنه يحمل الجنسية الإيرانية فكان يقول له اذهب وتخلى أولاً عن جنسيتك الإيرانية، وقد وقف ضد علماء الدين وأقصاهم عن سلك التعليم ، في فترة شهدت نمو العاطفة الدينية بين طوائف العراق إثر ثورة العشرين
فجاءت الأطروحات القومية لتنسف هذه الأسس ولتكرس لمزيد من الانقسام الثقافي وربما ما نشهده اليوم في العراق من اقتتال وانقسام طائفي وثقافي كان معوله الأول برسم أبو خلدون .

لا خير في أمة متفرقة … فما هو البديل عن التاريخ وهذه التركة العظيمة التي تركها الأجداد لنا ؟
هل هي دويلات صغيرة بعصبية فئات وطوائف وقوميات وكلها تتناحر تحت تأثير المعزوفات الأمريكية ؟

تندر بعض المتابعين على أثر ما أحدثته الأحداث في عين العرب كوباني حتى قالوا : إن سوريا تقع جنوب كوباني.

كوباني المدينة السورية التي تحمل اسم عين العرب، حين قامت ما يسمى الثورة السورية قام الحراك الثوري فيها بطرد الشرطة والأمن منها وإن كانت فصائل كثيرة في سوريا كان ينادي بالحرية، فكل يغني على ليلاه
فهذا يريد دولة كردية وذاك يريد دولة إخوانية، وذاك دولة داعشية وتركيا تريد ضم الجميع لحضنها وأمريكا تريد صنع كرة متشظية من نار لإضعاف الجميع وتحقيق مصالحها العليا في تقسم المنطقة وهذا واقع نراه اليوم

أكراد كوباني هربوا إلى المجهول بكل أسف ، تركوا العمق الثقافي الديني الاجتماعي الذي كانوا ينتمون إليه وركضوا خلف القومية ، وما عرفوا أنه فخ دبر بليل من قبل معاهد الغرب الصليبية
لا أحد يلوم الأكراد ربما فحين تدعو لعقود للقومية العربية فمن الطبيعي أن يطالب الكردي بقوميته كما يطالب الأمازيغي والنوبي وهكذا تقسمنا ثقافياً قبل أن نتقسم جغرافياً

حين يشكل المالكي دولة ذات صبغة طائفية فماذا سيرد خصمه السياسي، سيرد بالشكل الطائفي وهذا نزاع طائفي شكلته أمريكا وعزفت بكل دقة وحرفية على الأهواء والعصبيات الضيقة

إذن نحن مدعون لمزيد من المعزوفات الأمريكية وسنرقص طرباً لها ونتصارع في حلبة الرقص الجميلة..

فما هو بديل هذه الرقصة الممتعة ؟
المشاعر الجميلة التي تخلفها هذه الرقصات لا يمكننا إنكارها في نفوس الراقصين، فحين تبدأ الصراعات الغرائزية فهي تغذي مكنونات النفس الدفينة عبر التراكمات الطويلة من الجهل والتخلف والانغلاق ،ويمسي النيل من الطرف الآخر حتى ولو قاد لتقسيم البلاد هواية منعشة رغم أنها دموية .

لا شك أن الصغار لا يملكون القدرة على السيطرة على غرائزهم في الرقص ، لكن السؤال الدقيق يوجه لحكماء هذه الأمة .

إن لم تسارعوا لبناء هوية هذه الأمة فلا منجى من الاحتراب والتقسيم …
إذا أردتم بناء هوية جديدة بعيدة عن هويتكم التاريخية فلا إشكال في ذلك، لكن بعد أن تقضوا على أمريكا والصهاينة ، ليخلو لكم أجواء تشكيل هوية جديدة قد تستمر فترة تشكيلها لعقود أو لقرن من الزمن.

لكن إن لم تقدروا على ذلك ، فعليكم توحيد الناس على ما جبلوا عليه .
هذه المنطقة لها هويتان واحدة عربية تجمع العرب والمسيحين و الأخرى إسلامية تجمع العربي بالتركي بالفارسي بالكردي بالأمازيغي بالنوبي ولا يوجد فرق بين الهويتين والحضارتين والثقافتين فأحدهما كالروح للجسد.

هذا هو الزورق الأخير المتبقي لكم فإذا لم تركبوا فيه فإنه الطوفان أيها السادة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) طارق شفيق حقي .. كاتب سوري

Advertisements