فلسطين المتخيلة أرض التوراة في اليمن القديم (تأليف فاضل الربيعي ) ـ عرض نجمي عبد المجيد

نجمي عبد المجيد

نجمي عبد المجيد

منذ أن أصدر الباحث الراحل الأستاذ كمال الصليبي كتابه الرائد في علم الأديان (التوراة جاءت من جزيرة العرب) ومن بعده كتاب الباحث أحمد الدبش (موسى وفرعون في جزيرة العرب) يأتي كتاب الباحث فاضل الربيعي (فلسطين المتخيلة – أرض التوراة في اليمن القديم) ليشكل حلقة أوسع وقراءات أعمق في علاقة الدين اليهودي وتاريخه في جزيرة العرب بصورة عامة، وباليمن بشكل خاص.

صدر هذا الكتاب عن دار الفكر في دمشق عام 2008م، المجلد الأول منه، يقول الباحث فاضل الربيعي في المقدمة: (لم يحدث السبي البابلي لليهود في فلسطين، كما أن المصريين والأشوريين لم يشتبكوا فوق أرض قط، وسفن سليمان لم تمخر عباب المتوسط، ولم ترس في أي وقت من الأوقات في موانئ صور اللبنانية.

وإلى هذا كله، فإن الملك داود لم يحارب الفلسطينيين، وبينما يزعم أن الهيكل بني في فلسطين، فإن الحقيقة التي لا مناص من التمعن فيها اليوم، وفي ضوء اكتشاف الهمداني الذي أعرفه هنا، تقول: إن القبائل اليهودية اليمنية العائدة من الأسر البابلي، هي التي أعادت بناء الهيكل في السراة اليمنية وليس في فلسطين، ومن ثم فإن الهيكل لم يبن في القدس قط، بل إن أسوار أورشليم التي أشرف نحميا على إعادة ترميمها لا وجود لها هناك أصلاً، وفوق ذلك ليس ثمة هيكل لسليمان تحت قبة الصخرة، فيما نجد الهياكل في السراة اليمنية كما وصفها الهمداني، بالتلازم مع ذكر أسماء القبائل اليمنية اليهودية، والمثير للاهتمام في ضوء هذا الاكتشاف، أننا سنرى أن اليمنيين يسمون – حتى اليوم – كل آثار الأبنية القديمة (هياكل). وبوجه العموم، فالقبائل اليمنية اليهودية العائدة من الأسر، هي التي أعادت ترميم أسوار أورشليم انطلاقاً من موضع تسمية التوراة (شعر)، وهذا اسم جبل شهير من جبال اليمن.

المفكر العربي فاضل الربيعي

المفكر العربي فاضل الربيعي


هذه هي الخلاصة التي يخرج بها الكتاب.

فهل وصف الهمداني حقاً في كتابه صفة جزيرة العرب، الأرض نفسها التي وصفتها التوراة؟

مثل هذا السؤال الذي لم يكن مطروحاً من قبل، كان في مواجهتي وأنا أكرر طلب استعارة الكتاب من مكتبة جامعة ليدن بهولندا، حائراً متسائلاً: أين حدث الخطأ في قراءة نصوص التوراة؟ هل ثمة من خطأ أصلاً، أم أن القراءة الغربية للتوراة، وهي قراءة استعمارية في الجوهر، هي التي ساهمت في تضليل العالم وفي تحريف التاريخ؟

الجواب الذي أعرضه – هنا – على القراء، لا ينبني على أي نوع من الألعاب اللغوية ولا يتضمن أي نوع من المهارات الأدبية في جعل المطابقة بين الأمرين ممكنة.

وعلى العكس من ذلك، فإن كتابي هذا يسير في طريق آخر لا يؤدي بأي شكل من الأشكال، إلى التماثل مع أي أطروحات سابقة.

لقد تتبعت خطى الهمداني في السراة الجبلية وتوقفت معه في الأماكن ذاتها، فرأيت هناك، ويا للدهشة، أسماء القبائل والفرسان والأنبياء وأسماء الأماكن وبقايا القصص التي سجلتها التوراة.

بدأت حكاية الاكتشاف المثير هذا، عندما كنت أعيد قراءة الهمداني بعيد وصولي إلى هولندا بقليل، الإكليل وصفة جزيرة العرب. وأشد ما أثار دهشتي أنني وجدت الهمداني يسرد أمامي أسماء الجبال والوديان والهضاب وعيون الماء في اليمن، كما لو أنه يسرد الأسماء نفسها الواردة في التوراة، والتي أكاد أحفظها عن ظهر قلب، وهي ذاتها، وتماماً كما في نصوص التوراة دون أدنى تلاعب، ومع ذلك بدت لي نصوص الهمداني كما لو أنني قرأتها من قبل، أو كأنها تكرر الأسماء في التوراة في أثناء ذلك عدت إلى النص العربي – من التوراة – فوجدت ما يؤكد هذا التطابق).

وعبر السرديات من كلمات ومعانيها ومواقع الجغرافي وحدود التاريخ ولغات تقاربت كلماتها، وفي هذا الاتجاه يذهب بما روي من الأخبار القديمة وشعراء العصر الجاهلي ومواقع الآثار والأحداث وتغير مفردات اللغة من حقبة إلى أخرى وآلية السرد التاريخي لمسار الفكر اليهودي الديني، والتعامل مع الحدث من منطلق الصلة بالمكان موضوعياً، وكشف حقائق الدور الذي صنعته المخيلة الاستعمارية الغربية في إخراج مسار النص عن واقع حدوثه وحشره في مربع الخدمة السياسية لإيجاد حقوق ومستحقات هي من إنتاج صراعات حضارية، فكانت عملية العودة إلى هذا الأمر الخطير ديناً وتاريخياً وفكرياً، إعادة اكتشاف لتاريخ من خلاله تعاد صياغة مصائر أمم.

ومما يطرحه الباحث فاضل الربيعي في المجلد الأول من هذا الكتاب، حكايات أسباط إسرائيل ما بين النص التوارتي والحدث التاريخي وحركات الكلمات ما بين اللغة العبرية واللغة العربية واختلاف النطق في حركات وسكنات وقواعد لكل لغة.

وفي ما يروي في هذا الجانب يقول : ((مشعل في شرقي ناعط في بلاد همدان من اليمن. فهل هي مصادفة وحسب، أن يكون عصم ومشعل إلى الشرق من همدان، أي شرقي وادي يرد (المسمى كذلك مور) بينما سمع وشباع إلى الغرب منه؟ وفي القراءة الاستشراقية هما شرق وغرب الأردن – هايردون وغير بعيد عن هذه المواضع فج المولدة؟ يتبقى أخيراً أن نشير إلى المقاصد الحقيقية من وجود كلمة حضر السابقة على اسم مشعل.

إن قراءة معمقة ومتطلبة في بيت الشنفرى سوف تضع أمامنا صورة شيقة للوادي الذي يفصل مشعل – شعل عن الجبال القريبة منه، وليس ثمة من وادٍ في هذا المكان سوى وادي حضر الذي يبدأ جريانه من الضالع ويصب في عدن، ولذا نسب الوادي – لأنه يصب قرب الجبل – إلى الجبل نفسه تمييزاً للمياه الجارية في هذا المكان عن الوادي الكبير، وهذه عادة مألوفة في التوصيفات الجغرافية القديمة، حيث تسمى المياه القادمة من الوديان بحسب درجة قربها من المواضع.

والحال هذه فإن مياه وادي حضر نسبت إلى جبل شعل – حضر بما أنها تجري عند سفوحه)) .

ومن القراءات التي تعيد وضع الجغرافيا في مساق التحول التاريخي الذي يراجع أدبيات صاغتها عوامل التخيل الغربي لوضع الهدف السياسي موضع التنفيذ، يناقش المواضيع التالية:

1 ـ منازل الأسباط قي وصف بشوع والهمداني
2 ـ ملاحظات عامة حول نمط الاستيطان عند القبائل اليمنية: منازل في نجد اليمن
3- القدس ليست أورشليم
4 ـ حروب داود في اليمن، إعادة بناء الرواية التاريخية لأحداث سفري صموئيل الأول والثاني (النص العبري)
5 ـ معركة حصن صهيون قرب نجران وسقوط أورشليم اليمنية
6 ـ حملة نبوخذ نصر على القبائل العربية وبني إسرائيل في نجران
7 ـ شعوب وقبائل التوراة
8 ـ جولان التوراة وجولان اليمن
9 ـ الرواية العربية لحادث السبي البابلي.
10 ـ مواضع توراتية وضعها صموئيل والهمداني.
11 ـ جاسان ومشكلة (أرض مصر – مصر يم)
12 ـ فتح أريحا اليمن والاستيلاء على العي الهمدانية – إعادة تركيب التاريخ التوراتي (الإصحاح الثامن من سفر يشوع).
13- صراع النجد والساحل.

ويوضح الباحث الأستاذ فاضل الربيعي عبر البرهان الجغرافي المتصل بمعنى الكلمة قائلاً: ((هذا الوصف لأرض زبولن – زبالة في الفضاء الجغرافي لمنازل أشير ومضاربها وساحلها، حيث يقيم بنو مجيد الذين خاضوا معاركهم دفاعاً عن هذا الساحل، ضد بني كنانة وضد الآشوريين في الآن ذاته كما سنرى تالياً، ينسجم كل الانسجام مع وصف يشوع والهمداني، يقول صاحب صفة جزيرة العرب (298 – 299) ما يلي واصفاً الجوف اليمني إلى الشرق من زبولن وإلى الشمال من منازل سبط يشكر في همدان : فمجدل فدهان، فالمثال وكشر – وكشربلد في همدان – ذو سويس، ملك وادٍ وبالجوف موضع يسمى القاع كانت فيه وقفة بين همدان ومراد، وعرض القاع تسع وعشرون درجة وثلثا درجة ومنه إلى زبالة ثمانية عشر ميلاً، وعرض زبالة تسع وعشرون درجة وربع.

ها هنا منطقة الجوف (ها عمق – العميق) ووادي ملك – ملك عند يشوع، وسوس – سوسة عند يسوع ووادي زبالة – زبولن، ووادي مثال – مثال، غير بعيد عن مرتفعات بني مجيد – هر – مجدو إلى الشرق من مهرة في حضرموت وإلى الشمال من عدن.

إن أحداً لا يمكنه، مهما فتش في خرائط فلسطين القديمة، أن يقدم وصفاً مطابقاً لوصف يشوع هذا، فليس كما أن أحداً لن يعثر على مرتفعات مجدو ومياهها الغزيرة – نباج وساحل بني مجيد، ولن يشاهد بكل تأكيد موضع القاع (انظر قر – قاع تالياً عن يشوع). هذه هي أرض زبولن الوادي حيث تلاقت عند تخومه منازل سبط أشير وإلى الشرق منها.

وإذا ما سار المرء قاطعاً الطريق نحو دجون دجن فسيرى جبال نجران التي تعرف عند العرب بالسرار)) .

في المجلد الثاني من هذه الدراسة الرائدة من علم الأديان والتاريخ العقائدي والجغرافي، يواصل الأستاذ فاضل الربيعي رحلة الكشف المهمة في هذا الجانب، ويظل كتاب العلامة الهمداني (صفة جزيرة العرب) البوصلة التي تحدد اتجاه الكلمات نحو المواقع، فهذا الكتاب بحق يعد المفتاح الأول في إعادة اكتشاف أرض التوراة القديمة.

ومن المحاور التي يدور حولها البحث في المجلد الثاني القضايا التالية:
-1 معارك أسر حدون في السراة اليمنية وإعادة بناء أورشليم في سرو حمير.
-2 لائحة أسرى القبائل في السبي البابلي بين عزرا والهمداني،
-3 اكتشاف أورشليم قصة بناء المدينة وهيكل الرب في السراة،
-4 القبائل والجماعات المشاركة في بناء أسوار أورشليم (مقارنة بين نص الهمداني وعزرا،
-5 بابليون ومصريون في أورشليم مرثية حزقيال لمدينة صور اليمنية،
-6 الحملات المصرية على الجزيرة العربية واليمن في القوائم الفرعونية، (قراءة جديدة لسفر الأخبار الثاني)،
-7 خراب الهيكل الأول في سراة اليمن،
-8 وصف مخلاف – مملكة يهود اليمنية،
-9 الأسباط الإسرائيلية في سرو حمير سبط نفتلي،
-10من أسطورة عبور الأردن إلى السبي البابلي (أسباط غربي النهر).

يقول الأستاذ فاضل الربيعي في مقدمة المجلد الثاني بما يتصل بحكاية السبي البابلي الآتي: ((أين وقعت الحملات الآشورية بالضبط، وأين جرى الحادث التاريخي الذي يعرف بالسبي البابلي؟ ألم تقع هذه الحروب فوق المسرح الفلسطيني التاريخي؟ إذا كان هذا الكتاب يشكك بقوة في صدقية القراءة الراهنة للتوراة، ويدعو إلى نسف فرضياتها السائدة من الأساس، ومن ثم يقترح قراءة مغايرة تعيد وضع الأحداث في مكانها الصحيح، فللمرء أن يتساءل: أين جرت أحداث السبي البابلي إذن وكيف يمكن إخراجها من التاريخ الفلسطيني؟

ومن ثم أين يجب علينا أن نضعها؟ ولكن، هل استهدفت حملات الآشوريين المتعاقبة منطقة نجران حقاً، ولم تستهدف فلسطين قط – كما تقول نظرية المؤلف؟ إذا كان التاريخ المكتوب في ضوء الأدلة الأركيولوجية لا يؤيد وقوع السبي البابلي في فلسطين، إذ لا وجود لأي دليل تاريخي حقيقي، نقشاً أو لوحة أو دلائل لغوية، فأين وقعت هذه الأحداث التي وصفتها التوراة في أسفار عدة؟

لابد أن ثمة خطأ من نوع ما؟ هل وضع محققو التوراة في هذا الخطأ، أم أن سارد النص التوراتي هو من ارتكب الخطأ بمفرده، أم أن المشكلة تكمن أولاً وأخيراً في القراءة التعسفية للنص التوراتي)) .

يعد هذا الكتاب أوسع رؤية تطرح في هذا الجانب من حيث علاقة التاريخ بالجغرافية وأيضاً بالثقافة العقائدية، وبما فتح من آفاق جديدة لقراءة النص العبري وربطه بحركة الأحداث فوق الحدود الجغرافية، سوف يعزز مسارات البحث العلمي على مستوى أوسع في عدد من جامعات العالم لإعادة التفكير في هذا الأمر، فهو كسر بالدرجة الأولى التفاف السياسة على التاريخ ووضع الصحيح في دائرة المتخيل والدفع بالغرض الاستعماري لحجب مدارك موضوعية، وعمل في هذا التوسع من دوائر الصراع، لا يغفل منزل المعرفة في التحرك نحو الهدف فهو القوة التي تدخل في عمق المراهنات على إسقاط حقوق وتغريب حقائق حتى تعاد كتابة الذهنية من مستوى الإدراك.

الموطن الأصلي للتوراة؟

الفلسطينيون ليسوا من كريت
لقد كانت فلسطين وسكانها في العصر الحديث ضحية هوس الاستشراق الاستعمارية. وأحد الأمثلة الصارخة للتزوير . أن ما يدعى ’فلشتيم‘ ليس اسما دالا على فلسطين أو الفلسطينيين”.[ الربيعي: المجلد الثاني ـ ج4 :408].

الاسم الوارد (فلستيم)، حسب السياق التوراتي ، وبناء على دلالات كتاب الهمداني، أطلق على قبيلة يمنية قديمة كانت تعبد إلاها بالاسم نفسه(فلس)، واشتبكت مع القبائل اليهودية في معارك طويلة. “ولدت التوراة ـ وفي الأصل شريعة موسى ـ ككتاب ديني ينتمي إلى الطفولة الدينية واللغوية للعرب اليمنيين.

كان موسى شخصية عربية يمنية لا أحد يعلم مبلغ الصدق فيما وصلنا من القصص حولها ؛ كما إن تلميذه يشوع ، الذي وهب الأسباط أرض مستقرهم، كان عربيا يمنيا كذلك . التوراة لا تروي شيئا عن فلسطين او الفلسطينيين“[ الربيعي: المجلد الثاني ـ ج3، 320].

وفند الباحث الزعم بأن أصل الفلسطينيين جزيرة كريت أو بحر إيجة: “على هذا النحو جرى ـ في نظرية الأصول البحرية للفلسطيني ـ تغريب منهجي منظم للسكان الأصليين ، ونفيهم خارج التاريخ تمهيدا لنفيهم من الأرض وقطع كل رابطة لهم مع الفضاء الجغرافي الذي احتضن تجربتهم التاريخية . وللأسف لقيت النظرية التلفيقية تقبلا لدى دارسين عرب معاصرين [الربيعي: المجلد الأول ـ ج2 ،449].

“ولأن الاسمين كرتيم ـ كرت وفلشتيم ـ فلشت هما مجرد اسمين في قائمة طويلة من أسماء الشعوب والجماعات العربية الأولى الواردة في التوراة ، فإن التحقق من المعنى المباشر لهما لن يكون ممكنا بدون تفكيك الغاز سائر الأسماء التوراتية وفك الارتباط بينها وبين القراءة المخيالية.

لنلاحظ أولا أن التوراة تشير إلى معارك داوود ـ عصر النبي صمويل دارت قبل جبل الرمة .

ولنلاحظ، ثانيا، أن هذه الأسماء لا وجود لها في فلسطين قط . فليس ثمة جبل يدعى الرما ، ولا وجود لواد يدعى الرُمة .

ولنلاحظ ،ثالثا، أن سكان أرض الفَلسَ (ء رص ها فلشتيم) يقصد بهم جماعة كانت تقيم قرب جبل أوبن آل العيزار (ءوبن ها عيزار) وأنها عرفت باسم معبودها الإله فلس معبود قبيلة طي اليمنية، كما في الروايات التاريخية الموثقة.

ولنلاحظ ،رابعا، أن الجماعة الوحيدة التي أقامت بالقرب منهم هي القبيلة اليمنية التي نسبت إلى مكان يدعى الفرش ـ فرشت. واسم المكان يكتب في النقوش اليمنية في صورة فرشت . ولذلك فإن قلب الراء لاما ، وهو ما قام به المستشرقون ، هو تلاعب باطل . ولنلاحظ ،خامسا، وأخيرا أن القبيلة اليمنية التي أقامت قرب هؤلاء وعرفت باسم واديها ، وادي كرث تنسب عادة في الأنساب العربية التي سجلها الهمداني إلى كراث بن هنوم . وتسجل التوراة نفس الاسم، هنوم. يتضح من ذلك أن نظرية الأصول الإغريقية للفلسطينيين لا أساس لها سوى وجود كلمة كرث”[ الربيعي: المجلد الأول ـ ج2، 452].

من النيل إلى الفرات

ويعرج الباحث على أصل خرافة الوعد ومداه ما يزعم أنه مملكة اليهود القديمة المترامية من النيل إلى الفرات ، ومن سيناء حتى صور. (طالبت الصهيونية مدة طويلة بإلحاق جنوب لبنان حتى صور إلى فلسطين الانتدابية ؛ وبعد إقامة الدولة ظلت تطالب ، ليس تيمنا بالتوراة إنما لأجل مياه الليطاني). يستند الزعم إلى العبارة في التوراة ( م ـ نهر مصريم ـ عد ـ جبول نهر فرت). عربت الترجمة العربية بخبث النص التوراتي فغدا( من نهر النيل حتى نهر الفرات) .

أما المدقق والمطلع على لغة التوراة فينفي أن مصريم جمع مصري، بل هم “المُضَريون ، القبيلة التي ورد اسمها مرارا في التوراة ، وخصوصا في مراثي أرميا وأشعيا . كما يورد الهمداني (نهر فراةـ فرت ) عبارة عن منطقة تمتد على مساحة جغرافية من الساحل حتى البادية . وهي منطقة قبيلة كندة التي تضم المضريين[ الربيعي: المجلد الأول ـ ج2، 469] . من غير الطبيعي أن يذكر النص التوراتي أولا نهر المصريين ومباشرة يتبعه بذكر نهر الفرات ، علما أن النيل اتخذ اسمه من زمن أبعد في القدم.

جرى تفسير العبارة التوراتية لتنطبق إطلاقا على المنطقة التي فسرها البحث الاستشراقي للتوراة[ المجلد 1، الجزء الثاني ، 448] . كما يستند المفهوم الشائع والخاطئ إلى ورود صور، البلدة التي طلب داوود من ملكها أخشابا ونجاربن مهرة لصنع سور حول القدس. لكن التفسير يفضح مخططا قديما لأن تأتي الدولة التي ستقام استنادا إلى النص التوراتي تمتد حتى مدينة صور اللبنانية، كي تستحوذ على مياه الليطاني ، و لتغدو بذلك دولة إقليمية مهيمنة وسط محيط عربي .

ويعود [ الربيعي : المجلد الثاني ـ ج5، 507] لتفنيد التأصيل الاستشراقي ل “إسرائيل من الفرات إلى النيل”. يفضح الربيعي النوايا الامبريالية القابعة خلف خلط النيل والفرات في جملة واحدة والقفز عن بيت لحم . المدينة بناها اللخميون ، وهم قبيلة يمنية بائدة.” يلتبس اسم ءفرة في النص العبري (ءفراتة في الطبعة العربية من التوراة) في ذهن قارئ النص باسم نهر الفرات العراقي، نشأ عن اللبس سوء فهم فظيع أدى بدوره إلى نوع مثير من الدمج الماكر والمخادع، تجلى في أبشع صوره في تخيل حدود مملكة إسرائيل القديمة ـ وهي لا وجود لها في التاريخ الفلسطيني ـ وقد امتدت من النيل إلى الفرات(..) لكن شهادة الهمداني ستكون حاسمة في هذا الميدان؛ فهو يصف النيل اليمني في سياق توصبف الأودية ذاتها التي يسجلها نص يشوع، ومنها مسيل وادي ءفرة. إن وجود اسمي النهرين العظيمين ، النيل والفرات في الكتاب المقدس لليهودية هو مخيال استشراقي قامت اوروبا بتصعيده في سياق حمى الاستيلاء على الأرض في الشرق في عصر الفتوحات .” وما صلة الفرات أصلا بمدينة بيت لحم الفلسطينية ؟

لماذا جرى القفز على هذا الاستدراك الواضح والقاطع ، والذي لا يقبل الجدل : ( ءفرة هي بيت لحم )؟ التوراة في مروياتها عن حروب داوود تذكر اسم بيت لحم وءفرة في سياق أحداث تدور في مواضع لا وجود لها قط بفلسطين” وينسب داوود إلى ءفرات .

هوذه ومملكة حمير

يكمل الربيعي في مؤلفه القيم ، ويعزز مرويات الدكتور شلومو ساند في كتابه ” اختراع الشعب اليهودي”، ويختلف معه في تأرخة المملكة الحميرية ، حيث يرجعها إلى ما هو أبعد من القرن الثاني قبل الميلاد ، دون أن يحدد لنا التاريخ الحقيقي لحروب شاول وداود واستقرار الملك لداود. يتوسع الربيعي في تتبع تجربة تاريخية غنية للعرب، في مملكة حمير العربية المعتنقة للعقيدة التوحيدية اليهودية بصورتها البدائية. جرى إغفال دولة حمير مع من أغفل من الدول التي تنقض الرواية الصهيونية حول الأصل الواحد لليهود، الضارب في التاريخ القديم. هناك دولة يهودية الديانة أنشأها يهود من غير سلالة الإسرائيليين في بلاد البربر شمالي إفريقيا حتى قبيل الفتح العربي، وفي بلاد الخزر في القرنين الثامن والتاسع الميلادي . الأبحاث التوراتية المغرضة تركت هذه التواريخ تضيع كي لا تلحق التصدعات والثقوب المثيرة للريب في النصوص التوراتية المؤولة.

كيف ناقش الربيعي أضاليل الاستشراق التي ألبست فلسطين القديمة ثوب التوراة فجاء مهلهلا مضطربا كما اتضح لدى عدد من المؤرخين الباحثين في التوراة؟ إن منهجية البحث التي اتبعها الربيعي وفرت له وسائل الاستدلال، التي أثبتت التاريخ الحقيقي لقبائل عربية دانت باليهودية وعمرت البلاد وأنتجت حضارة باد جزء منها وسلم جزء آخر وصل عصر التدوين، واتصل بالثقافات الأكثر تطورا ، الفارسية والهلينية ؛ فاكتسب بذلك ميزة الانتشار الواسع.

استطاع الربيعي من خلال عمله القيم كشف أنماط التزوير والتلفيق التي اتبعها المستشرقون الأوروبيون، ممن أسقطوا أسماء مدن ومواقع جغرافية وردت في التوراة تماثل من حيث الشكل مدنا فلسطينية، لكنها ضمن سياق النص التوراتي والمواقع المرافقة لها تختلف بشكل جلي.

فقد حملت التوراة أسماء مدن فلسطينية وعربية اتكأت عليها التفسيرات الاستشراقية لدعم الزعم بأن التوراة تحكي تاريخ فلسطين القديم : القدس، بيت لحم، حبرون، اللد، أشدود،غزة،عكا ،الجولان ، جرش، يافا، دورا، أريحا، وادي عربة ، عمواس الخ. لننظر كيف أن الباحث يمسك المستشرقين متلبسين بجريمة التزوير المتعمد، مغفلين تارة مواضع مجاورة في الفضاء الجغرافي ، أو عبر تزييف المعنى المترجم، أو مستغلين تعقيدات اللغة القديمة.

وفي كل الحالات نجد إغفالا أو تجاهلا لكون الأقوام العربية هاجرت من اليمن تحت ضغط الظروف المتدهورة وغزوات الرومان المدمرة للقيم والحياة. هاجروا إلى الشمال ، لما ضاقت بهم الأحوال في القرن الثالث قبل الميلاد، وحملوا معهم أسماء المواقع ، وعلى مثالهم تصرف المهاجرون الأوروبيون إلى العالم الجديد.

ظهر آخر ملوك اليهود في اليمن، وهو هوذه السحيمي الحنفي. ومن قبله برز ملك يهودي اسمه يهوذا خاض معارك ضد الغزاة الرومان ، عرفت بحرب المكابيين (160 ـ132 ق.م) جرت في منطقة اليمامة. وهناك معتقد يمني قديم تردد في الكثير من الأشعار عن وجود اتصال مباشر لليمنيين بشجرة هود النبي (يهوذة )، الذي تعد حضرموت موطنه الأصلي . إن الكشف عن قيمة هذا المعتقد وأهميته في بحث من هذا النوع تتجلى في الفكرة التالية : إن اليمنيين انتسبوا ذات يوم إلى أب أعلى هوهوذه).[ الربيعي: المجلد الثاني ـ ج4 ، 525، 526] .

اما التوراة فهو “كتاب إخباري ديني عربي قديم تركته الجماعات البائدة من العرب العاربة في اليمن. روت فيه العرب في عصر مبكر من عصور التوحيد تاريخ هجراتها ومنازلها ومعاركها وأخبارها في سراة اليمن ؛ ولا صلة لفلسطين بهذا الكتاب . وكذلك شاول ، مؤسس الملكية في إسرائيل التوراتية يدعى شاول بن قيس ، وهو من سبط يامن . في هذا الإطار يشير الهمداني إلى ما يلي : إن يُمون هي من مدن قبيلة الصدف؛ وهؤلاء هم من البدو الرحل الذين أقاموا في منزل شهير من منازل اليمن يدعى صيعر ـ صيعر.( في قائمة منازل يهوذه رقم 55).

تكمن أهمية هذه الإشارة في أن صيعر اليوم تدعى ربدة صيعر وهي من أعمال مخلاف( مملكة قبيلة) ذي السفال، وهي ما يتوافق كل التوافق مع نص يشوع”. [ الربيعي: المجلد الثاني ـ ج4 ،427].

أورشليم

أورشليم التي عاد إليها المنفيون وباشروا أعمال البناء في أسوارها المهدمة ، وهي مدينة لا صلة لها بالقدس الفلسطينية. إذ لا وجود فيها لأي مكان من الأمكنة الواردة في الوصف. وسوف تتجلى المفارقة الكبرى حين ندقق في قائمة أسماء القبائل والجماعات التي شاركت في بناء المدينة ؛ فهي قبائل عربية يمنية دانت بدين اليهودية لا تزال آثارها هناك في السراة اليمنية وليس في فلسطين.[ الربيعي: م2، ج3، ص72].

يتتبع الباحث جولة نحميا النبي على القبائل اليمنية يدعوها للمشاركة في البناء ؛ كما يصف عمليات البناء وهندستها إلى أن يقول ” لسوف يكون بوسعنا، ونحن نتتبع الأسوار سورا سورا وهي تبنى هناك ، أن نتعرف على المكان الحقيقي لما يدعى الهيكل؛ وبذلك تكتمل صورة المدينة وتتساقط الأوهام الاستشراقية . ها هنا جبل الهيكل في سراة اليمن وليس في فلسطين”[ الربيعي: المرجع السابق : 89].

يعزو الربيعي الخلط في الأماكن على تهجئة مغلوطة للأسماء وافتراضات مبنية على النصوص التوراتية وليس على نتائج البحث الأثري، التي لم تبين قط حدوث المعارك على أرض فلسطين. وسبق أن بينت التنقيبات الأثرية في بداياتها أنها تمت بأساليب المسح الجغرافي ـ تحديد المواقع بناء على إحداثيات النص التوراتي ، كما فعل أولبرايت .

مثال ذلك أن” رفح المدينة التي دار فيها القتال ثم امتد إل قو ، وقرقر،وحمة ـ التي تخيلها الغربيون مدينة حماة السورية، هي ذاتها رفح القريبة تماما من بيت بوس ـ أورشليم ؛ بينما لا توجد رفح فلسطينية قرب القدس إذا ما سلمنا جدلا أن القدس هي اورشليم. بالضد من ذلك هناك جبل قدس ـ قدش إلى الجنوب من تعز ، على مقربة بالفعل من رفح هذه” [ المرجع السابق : 200]

واستخدم الاستشراقيون بدهاء وجود أسباط إسرائيلية عتيقة حصلت من موسى النبي على حق تملك غربي أردم ، وأولوا ذلك الضفة الغربية في فلسطين، كما هو الحال مع الجولان السوري ـ خولان التوراة . “النص يورد لفطة الأرديم ـ الأردم، ولا يشير إلى أن الاسم يخص نهرا، وليس ثمة دليل لغوي او جغرافي أو ثقافي يدعم التصور”. [ المرجع :213]

تجتمع أسماء الجليل و يردن وأريحو وغيرها في النص التوراتي المتعلق بحروب المكابيين. نقدم نتفا مختصرة من سردية الباحث للنص التوراتي لمعارك المكابيين مع الرومان: نهض المكابيون يقارعون الغزو الروماني المنطلق من مصر في عهد البطالمة واحتلال يروشليم ( اورشليم) . بعد نحو اثنين وثلاثين عاما من بداية الحملة أصبح يهوذه المكابي ملكا على بلاد اليهودية ، وذلك عام 166 ق.م.

وبدأت منذ ذلك الحين معارك وصدامات دامية أجبرت القبائل العربية العاربة على الهجرة نحو حاضرة الامبراطورية الرومانية آنذاك ، بلاد الشام .

ولد يهوذه المكابي، حسب قول كاتب السفر التوراتي في مكان يدعى مِدان لأب كاهن يدعى متنيه بن يوحنين بن سمعان ( مثنى بن يوحنا بن سمعان) من قبيلة بني يريب( والياء يستهل بها الاسم فالاسم ريب ، ومنهم الشاعر مالك بن الريب، وعلى نفس النسق سمي الفارس المشهور عمرو بن معدي يكرب وغدت كرب). حشد الرومان جيشا ضخما لإخماد حركة المكابيين، ودفعوا جيشهم باتجاه بيت صور ؛ فاعتصم يهوذه في حصن جبل صهيون.

عمل على توسيع ملكه وإخضاع القبائل. اشتبك مع جيش الرومان بقيادة طيموتوس وتمكن من هزيمته، الأمر الذي أقنع القبائل بمناصرته.. شن حملة على الجليل لطرد واليها الروماني وأوكل لشقيقه سمعان مهمة قيادة القبائل المحاربة بينما اختار السير مع شقيقه الأصغر، يوناتان نحو جلعد .

عبر منطقة ها يردن بعد ثلاثة أيام من المسير في العربة ، وسمع من القبائل المترحلة في المنطقة أن الرومان استولوا على بُصرة وباصر ومناطق أخرى وأن القبائل الموالية حوصرت أو استسلمت . اضطر يهوذه إلى تغيير خطته الحربية .

وتقول الرواية التوراتية أن الرومان فاجأوا المكابي ودارت معركة في بيت بسان انتصر فيها المكابي وصعد إلى حصن صهيون. . زحف يهوذه على سراة دنب ـ سراة جنب وحبرون واجتاز مريشه ـ مرسه قبل أن يصل إلى أشدود ـ ْءشدد، وكانت إحدى أهم معاركه تلك التي وقعت في كفر سلامة وفي بئروت ـ بئرة ، إذ أمكن مطاردة القوات الرومانية حتى حصور ـ حضور.

كما يأتي الهمذاني في الصفحة التالية من مجلده على الأماكن الوارد في السفر التوراتي ( الريب ، أعماس ، المراء موطن بني يمرؤ).

Advertisements