فلسفة البوح داخل عمق المعنى في ملحمة اناشيد لزمن سيأتي للشاعر السوري ” اسحاق قومي”ـ دراسة الناقد الجزائري حمام محمد زهير

حمام محمد زهير

حمام محمد زهير

حين يسبح “المرأ” في نقامير احلامه، لايجد موسعا الا قدراته، وحين يحلم بعيدا عن وطنه تلزمه غصة، تقينه صديدا، لانه تعدى على ” فساحة حلم الغير”، عندها تطير الاطياف، فلا تترك لنا نحيبا، ولا شعرا نرتويه، غير” خمريات معتقه،” تسيل لعاب القرافيص، طالعت ملحمة اناشيد لزمن، سيأتي “للشاعر العربي اسحاق قومي،” فادركت منذ الوهلة الاولى عمق العشق الباطني “لفيحاء “جاثمة على بوار الاديم، تسكننا منذ الولادة، تغنى “قومي” بالارض والوطن والنبع والخلود فيه، باسلوب جذاب ، اعطى الحبكة” قيمتها الشعرية”، سنحاول ان نقتفي اثرها بمعايير” التقطيع الزمني” والنقدي لتفاصيل ملحمة الاناشيد..

01- السفر بين نقطتين متاهة واغتراب

بدأ الشاعر باجابة متناهية، وكانه اخفى “لا الناهية للجنس “عندما قال ابدا: اجابة مدسوسة في خم سؤال مندس، يزيد الشوق لمعرفة “تأين سؤاله المتخفي”، وهو ما ينذر ان القص سيكون “ملحمي بالطبيعة الانية للظرفية،” كيف ذلك ؟؟هنا يستلزم الامر ابداء نوع من التوضيح في هذه المسألة المترتبة على الابدبة ،ما بعدها حرف نداء، وهنا يتاكد السائل والمسؤول ، فالاول اختفى بعيدا والثاني “منادى” منشغل ادخل له الشاعر (وظيفية السفر) ، فهو مسافر ، يسقط الان مرحلية السفر بين نقطتين ، لان القاريئ لتفاصيل السفر لا يجد بلدتين وانما يجد استعارتين ، ما بينهما تشاكل ابتيمي معقد (طريق الدم )، ومسافة مخصصة للضوء والقصيدة.
والشاعر هنا يلمح ولا يفسر اضنه سيترك ذلك لاحقا ، لكن حتى نفسر للقارئ زاوية “البعد الغرائبي” بين تيار السفر في دمه وبين رسم “طريق للضوء والقصيدة ” فاذا كان مجرى الدم قد اجر فيه “ليسافر المنادى”، فانه من الاليق ان يكون “السفر” للقصيدة الوضاءة المستنيرة التى ستزيل غبنا عن كائنات متخفية ،( أبداً ياأيَّها الذي يسافرُ في دمي مسافة ٌ للضوءِ والقصيدة ْ) ويعود في “المقطع الثاني “لينثر بعض الاوزاع عن “المنادى”،الذي تقول سابقا بفخر الاعراب(. أنتَ الذي قلتَ: تجيءُ ولا تجيءْ).

يقحم الشاعر “عقدة غريماس “في المقولية المتناقضة الكاهلة بين مرتع التناوب(تجئ ولا تجئ)، وذهب مفسرا للفظة “لا تجئ” لانه بالنسبة له تعكس وجه “العجب والكبرياء “في “المنادى” وكأني به فسر “مقولته كراوي” ، متخذا من البحر والرمل شبيهين في اسقاط المثال ، فالبحر لايتقدم ان شدته الرمال، من حيث الحركة، نستطيع ان نقول ان البحر قد” يتثاقل كالنت” في دفع ديجوره الى الساحل ،غير آبه لا بالحصى ولا بالرمال، “الشاعر” لم يأخذ العملية برمتها وانما ، اخذ” توقف البحر” من قبل الرمل على سبيل” لحظة “يكون قد رآها حقا اثناء “سمرته الصوفية” قبالة البحر(.. أنتَ الذي لا تجيءُ كما البحرُ حينَ تشدهُ الرمال) فهذا الذي بينه وبين القلب “مسافة لحظة”، تشده “اريحية التشكيل الخارجي للظاهرة” وقد تسلل الى الخارج، ليترك النص مقفلا، باحثا عن” ضوضاء المدينة ” ليعطينا التنافي بين بطله والمحيط،…..

02-الفلسفة الشعرية وجنوح التمثيل الاسطوري

يتجه الشاعر كما سبق الى مساحة الوسط، حيث يصف وينقل شهادات حية، لما يحيط بذلك “الناظر” الى ماء الزرقة، وهو يقامر” حبات الرمل المتزينة ببريق الشمس،” يرى موانئ الصيد ، قد عجت بالمودعين من الاقارب والخلان(. والموانىءُ سَكْرى بالوداعِْ) في غمرة هذا التوديع ، ينطر الشاعر الى نفسه مستصغرا بقوله ( منْ يُطعمُ قلبيَّ زهرةً وقصائدْ؟! منْ يُطعمُ عِشقيَّ قبلةً ًويسافرْ؟)) هي ليست “انقاصا” من شان تولهه، بل هي “غمرة السؤال “لعاشق طامع يسأل ” حسرة مترجرجة” يبحث عن” زهرة وقصائد “للاطعام قلبه وتسكينه، وهنا نستشف الحالة “القومية نسبة الى اسم الشاعر” التى تشبه عادات القلب المتقيدد عند الاعراب ، ويبحث من جهة ثانيةعن قبلة ويسافر بعدها لاطعام عشقه، فالفلسفة الشعرية هنا ترتكز على “المتقارن،” بين نقيضين يصفان حالة عشق بين القلب عندما يحكم نفسه وبين العشق الذي يسكن وسط القلب ، ويدعي صاحب القلب بافظليته المشاعرية، يظهر لنا نورسا (طائرا كالوصع الذي احبه) يزين جبهة الشاعر بالبروق والمطر..ولم يكتف عند هذا الحد ،بل ذهب معه في الماضي بالتعريف بخصلة فيه مفادها ان المنادى كان دما يعشق الرحيل، ولما عاش الشاعر في المهجر يظهر توظيفه بكثرة لملفوظات (الرحيل السفر المجرى الخ ) انظر قوله (! نورساً كنتَ تعمدُّ جبهتي بالبروق ِ والمطرْ.. وكنتَ دميِّ الذي يعشقُ الرحيلْ) يظهر لنا مجددا حالة سيكولوجية من حالات “المنادى” تتمثل في تردد وتغير الانفاس من “المنادى” وكانه لايقدر على توديعه لانه صنع لنا حالة مرضية(يرتدي الخوفُ رئتيهِ) وتفسيرها “انحباس الهوى” في جوف “الرئتين” فلا يقدر المتنفس عن “ممارسة الحالة الطبيعية ” لانه كان يجلس قبالة هيامه..وما برر تلك الحالة هو استعماله لملفوظ(مكبل) وهي سقف “حالة من اللابداع الفكري “عندما تختزن دقننات الهواء في تباشيم التنفس..

تنطلق من جديد،” قرينة الانتماء الى القرية “او بالاحرى الى” اصل الطين” في تلك المنابع الاولى التى اجتمعت حولها “القوميات” في شتى حنايا الطفولة ، لازال غبار الاسمدة ينطح تلافيف الخبز القروي، يزكم انفه حد الاتقاد، (ما اروع وما اجمل ان يبحث المرأ في تفاصيل القوية)(. مسكونٌ برائحةِ الخبز القروي.)،
يستقطب بين “الفينة والاخرى “اغنية البراءة الاولى عندما تتبع العيون “تباسيم الانوثة الخاثرة “التى تتروى “امام ناظرينا” ننتظر زمن طيابها ولم تنفتح كالزهرة العملاقة يصير الوجد اليها حرقة ..اه.. تترسم هنا “خيوط الاحباك “، عند الشاعر بتجربته القياسية ، ينهض فينا “امبولات الطفولة الحارقة”، الم يكن “جناح الاخر” دفتي القرية وتراتيب صبحها الجميل، الم يكن الغناء اطفاء لحرقة وصهوة الفحولة، ايام الوقار ، واجندة الفاتح،؟؟؟ الم يكن الصوت الذي يتمدد ببحة” قومية” معروفة لها صدى كالعاديات الرائقة،؟؟؟ وكان الشاعر بين هذا” التساؤولات الفعلية” ينتشي سراب، لحد الثمالة، ( بينَ جَناحيكَ غنيتُ مرة ً رغمَ صوتي الذي لا يجيءْ وكنتُ ثمُلاً بالسرابْ) من وسطها ” وسط القرية” المترنحة ببقايا صور من “ماضي كلها براءة “، تتماوج الية” الغناء” وهي ايقونة اغطش تفاصيلها الشاعر لانها الوسيلة التى “تحسس الحاس بجنون الغربة” .
ذكر “الغناء” كعلامة لانه اخر ما تبقى من زمن “تجنى” خوضا في الدماء ،فصار “الغناء دوحة الى الموت،”فان اشمخت صوتك “عنان السماء” وتجاهلتك الطبلات، تجد نفسك في طريق الموت، وخاصة لما تعلم ان النشيد كان من القلب من هناك حيث تتمايل “زهرة البراري”، فكيف لايسمع لي عليه ان يسمع، وينسلخ الوطن من “حجم المعاناة” ليصير في عرف الكلام “موالا” يشيد بالالتحام، وزقزقة عصفورية “سابحة” على اطراف المجد يكتظي” الشاعر” من جديد تفاصيل المدينة “الاغترابية” يشيد بمواقئها الصافية المنتظرة كالعادة ،يقرفها الحمام ويسديها الطيف “الياجوري”، وارصفة تتدفق بروائح السمك الاغلى من نسل “كائنات “نامت تحت الجودي عندما مر…( نوح)،، ولما يرى يمتد البصر في ايفينى الشذى مرحلة طويلة “متباعدة اكثر من السراب،” وما يدل على لهفة وحرقة كبيرتين عند اسحاق، لدرجة ان يسكب الدم مرحلا على سكرة الغثيان من كثرة الشوق فيصير المدى محمولا بحبه، وتتطاول سماسم النوى ، وتتنقل بين “ابحر المناجاة “كلائل من شبقية الترحل اليه، كم هو” غالي الوطن” ، كم هو صعب ان تلتهم حقيقة البعد عنه، وكم هو صعب ان لايسمعك(. وبيني وبينك َ لا يأتي المطر)…

03- ادوات حفر العمق في المعنى

يحدث التخديش في “عمق المعنى” متسائلا ويرتاد المعاكسة في قوالبه الماضية.متحسرا على ايام مضت كما مرت تجاعيد الانسان، بحق قد لايحس ابن الثلاثين كيف تتهاوى السنون على” مشارف الخميسن او الستين” وما بينهما بدلا، في” تنوم” المسترجعات يتذكر، ويال هوس الذكرى بعد ان يختلط العقم بالجراح المتواصلة( تتعافى وتتنافى) حال الملح بالتراب، كلها من” صديد الذكريات ” التى لايحل مفاتيحها الا “الاغنيات”…وما بقى في جعبتنا حين يحل الوضوح والصحو الا ان نأمرك بالقدوم ، وهو ما تسميه الرحيل (يشدُّك َالموج ُللرحيل ِ خوفاً اعبرْ دمي نهراً ولا ترحلْ) ولا يجد “الشاعر” هنا “مزحة ولا وسعة “الا ان يطلب من الاخر “غربة” من عذاب تتطاول بين الفجر وهمس الليل، يقدمه كسهر” عربونا وعقابا” لان عينيه سبقتا لسانه( امتشقني قامة ًللفجر.! اعتذاراً للذي قلتُ:لهُ أنَّ ما بين عيونك َ بقايا حصادي لعينيكَ )، كيف يعبر هذا الذي “يمتشق “الا ان يكون عاشقا بين “قامة وسفينة” تسبح من اشواق ،(قرأتُ على الفجر ِ فاتحة ٌ للعِشقِ ِ.والمساء.)
هنا اسقط الشاعر “حكاية الجودي” ونبينا نوح عليه السلام وكان لايجب من باب القدسية فقط لان نوح علمه “ربي” ولم يعلم اخرا كما طلبت ولو فعل لنجح مع ولده ، مخاترة اعيب فيها “النص من زاويتي ” رغم انه ابدع قلت ياشاعر (. أنتَ نوحٌ ..فعلمني كيف يكونُ الموج ُ عبوراً لليابسة؟!) هنا لولا القدسية لنصحك، ولكن في طلب الثاني غير مبرر مع سيدنا نوح ( وعلمني كيف َ تكون ُالقراءة ُدرباً للجلجلة؟)

04- مستقبل الماضي في اريحيات الشاعر قومي اسحاق

تتقاسمني “اوجاعك” الحارقة ايها الشاعر ، وانت في “يخضور عطائك،” تصور نهاية بطل “جف دمه” لو يدرك الانسان معنى “جفاف الدم “، لنفظت الروح من اوراها ، وانت اسهمت في ” صياغة تراجيدية” مشهدية امبيريقية واضحة ،الزمت الاخر بانك تجلس “الان ” لوحدك ومن طرفك على العهد، والتمني وشمعدان الحرقة الذي اضاء كان “دما” رجع بهالشاعر الى تعظيم قدر الاخر ، وتقلباته من “زمن الفراشة والقلوب” ، ذاك الحب المترف بين” قيسون الحدائق والخمائل “ما كان الا دم هو الذي جف ، بين تغاريد البراءة ، لقد وفقت هنا في امرين اما الامر الاول ، فقد اسقطت “فعل الجفاف “على الدم وهو ما نعنيه “بالانيميا ” يمثل احساسا مرضيا ربما يخيف “الشاعر” لانه احرس الناس من الناس على العلم به، وبا خطاره، والامر الثاني ، انك جعلت “عيون البراءة ” تواصلا تاريخيا لانهم ” عيون المستقبل” فقد صورت لنا مستقبلا مرة في الاطفال ومرة في الشمس، ولكنك ادميت القلب “مرة ثالثة” حين ارخت لولادتك في الصمت(سأولدُ في صمت ِ المقابر ِ زمناً للتوحد ِ. ) كان لايجب “اهدار القيم الايجابية ” لتموت في صمت وما قبلها اودعت المستقبل في عيون البراءة ، يبتئس “الشاعر” هنا من احساس يقربه الى ” ازمات صحية (وقبلَ أنْ أُودعَّ فجركَ علمني كيفَ أُغني نشيداً للصباح ِالقادم ِ والنهار ِ العظيم ِ؟!) نعم برغم انسيابك معنويا وانحدارك نحو الوهن، الا انك تفقص اريحية ، لاطالما كانت عند ” شعراء الرابطة ” ايام زمنهم موجذا خلابا وهم يخللون “المعنى بخل التفاح” .


05-تضاريس العاطفة والحس في مملكة الاسحاق

يستقرئ الشاعر” قومي اسحاق، “متتاليات تعليمية يطلب حفظها عن “روية من الاخر”، لانه يدرك ان المنادى موسوعة ” جندرية” تحيك الطلاقة وتذيب شحوم البشرة المتنطحة لفتح اقفالها ( علمني كيف َ تكون ُ شفاهي طعماً للقبُرّات ِ؟) ولا تستمر في دوحتها حين يكشف “المنادى” ان الرحيل وان رحل هو مستقبل في “ماضي” كائن فلا يمكن ان نتحدث عن الرحيل ( ! علمني كيف َ يكون ُ الرحيل ُ بقاءً في الأزمنة؟) وتعليمك الشعر، فهذه مؤاخذة ،انت من البداية تفنن في “مووايل العشق “فكيف يعلمك هو؟؟؟ وانت من ارقدت جوانبه(ليست فقط ك( ِ؟ قرابين لا تُهدى على طاولات ِ الريح ِ المسافرة ) بل اكثر من غيرها.
لانه باختصار الصوت والصورة “حبيبة اسحاق “، ارض ْ.تتغنى على الدوام مثل “الارض ” كل المتطابقات وضعتها فاحسنت الوضع حين اغضبت الحبيبة ، وهي نائمة تتدلف لك من ودق الشوق والحرقة دسائس يخضورية براقية لولبية تحمل كل فنون الحياة ، فان تنام فلها الحق لان الصبح قريب وان تغفو فلها الحق ان تتنطع امام الموانئ تنتظر الغد الاشوري ، الم يعبق “الاشوريون ” من نسمات البحر، اخبار الجنون والحرقة والامل .
مهما سفرت الحبيبة وهجرتها فانت لم تهجر الا نفسك ،لانها قابعة في دمك …ودمك لازال جافا وبارواء “غفوته” الزمان وطلة جابية على جبين الاشراق تشرق معك الوانها البهية في غاية الشموخ والابداع .. احييك واحي فيك التكون من زمان الى زمان والقول لك (….وسافرتْ قبل َالرياحْ وهاجرتْ قبل َ التكوِّن ِمن ْ زمانٍ .من زمان.)
وضعت ايها الشاعر تضاريس عاطفية من جبال ونهر وربيع وبرق مقابل تضاريس حسية من صبايا، واحلام لتستعين بولادة امل كبير جعلته في شكل امنية تعليم وهو (علمني كيف َ يبدأ ُ الزمان) عندما تأنف الرحيل ويتحرر دمك وتصير اسحاقا بكل المقاييس البطولية…..عندها وفقط…يحمى الوطيس وتنفض الجاثمة صوب موانئك…مرددة بهرج الغرب في عينيك..

Advertisements