سلطة البداهة المفقودة ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة

وعي البديهيات واعمام هذا الوعي عالميا ، أمميا ، لايتحقق بسهولة ، بل هو أمر محال بدليل ان الرسالات السماوية نفسها والتي اجتمعت فيها القوة الالهية الى جانب القوة البشرية لم تستطع في جعل دين سماوي واحد بقادر على جمع البشر كلهم على نظام بديهي واحد . بل ان بديهية واحدة كبديهية وحدانية الخالق لم تصبح بديهية عالمية بعد . زد على ذلك ان كل الايديولوجيات والعقائد الوضعية ليست افضل حظا من الاديان السماوية في الانتشار الاممي .. ويبدو ان انعدام ظاهرة الانتشار الاممي على كامل الارض حتى من قبل آخر الاديان ، وبرغم ما توافر له من ” ارادة الهية ” آمرة بالدعوة المستمرة ، ودولة مترامية الاطراف غنية باجناسها البشرية وتنوعهم ، وغنية بمواردها ، ومرنة في تشكيلاتها الادارية والتنظيمية ، و مقومات وموارد للقوة عظيمة بمعانيها العقائدية والاقتصادية والتنظيمية والسياسية والاجتماعية ..ومع كل ذلك بقي جزءا كبيرا من الارض لم ير نور الاسلام ، بل ان جماعات وطنية واثنية وحتى قومية كونت لنفسها اسلاما يختلف عن اسلام جماعات أخرى وصلت العلاقة بينهما الى حد الصراعات الدموية وسجالات تاريخية معمدة بوقائع الحروب والدسائس .

ويتضح ان تدافع الناس ، بمعنى اختلافهم وتنوعهم هو احد القوانين الكونية التي تغذي اسباب استمرار الحياة الانسانية. وأيضا لربما ان هذا التدافع الذي يقره القران الكريم نفسه هو العنصر المضاد لانشاء سلطة أممية تبدأ من الانسان وتنعكس في دولة واحدة موحدة . ولو كان ثمة صلة بين سكان كوكبنا وسكان كوكب آخر لانتقل التدافع الى مجالات الصلة بين الكوكبين .

هذه بعض الحقائق التي تمهد الى القول بانعدام وعي انساني بالبديهيات الانسانية يأخذ به كل الناس في كل العصور ، بمعنى ذلك الوعي المشترك الذي يؤسس سلطة لاتتجسد بتنظيم أو مؤسسة او دولة او حزب أو امة .. فهذه التشكيلات متمايزة ، وكل تمايز ينطوي على شئ من المحكات الخارجية مدعمة بمحكات داخلية يسوسها الانتماء الذي هو غالبا متوارث .. حتى يمكن القول ان تمايز هذه التشكيلات اساسه بيئي ، والوراثي متضمن في ذلك البيئي . نولد وتلتصق بنا هويتنا التي تدمج هوياتنا الجزئية : دينية هي بالحتم طائفية ومذهبية ، قومية ، طبقية .. وكل شئ في الهويات الجزئية ينطق بالبيئة ويولد عنها ويتنفس من خلالها . حتى ان الافكار الشمولية بالمعنى الفلسفي ـ وليس بالمعنى الذي وضعه الليبراليون ـ تأخذ مداها في دورة تاريخية لابد انها تصل الى ذروتها ، فترتد الى محلية تنتسب الى بيئة ما وتضحى سمة ثقافية تطبع البيئة المحلية بطابعها ، وتخلق نوعا من الالتزام ببعد تعصبي ازاء الآخر. هذه التحولات عبر حلقات التاريخ القديم والمعاصر مثلت على الدوام نسفا للبديهيات التوحيدية او على الاقل للبديهيات التي تدعي انها توحيدية على مستوى الفرد والامة والمجتمع الانساني . اما محاولات فرض البديهيات عبر تنظيمات منظمة الامم المتحدة فهي اسخف من السخف نفسه .وهي اشبه بقفازات مخملية تخفي اياد ظلت على الدوام آثمة .

فاذن ما الذي يوحد الجنس البشري ؟

اذا كانت الاديان والعقائد والايديولوجيات ليست بقادرةعلى ذلك ؟

والذي نسأل عنه ليس فكرة اورؤية فهذه احلام لاتحايث الواقع ولاتتوافق مع الوقائع ، ولاينبغي حتى لمراهق مهوس باحلام اليقظة ان يفكر بها . انما سؤالنا يتجه الى الوقائع لاستنطاقها ، قرائتها بوعي ، ، ففي الواقع بناء لم يولد عن فكرة إنسانية ولا عن تنظيم من وضع الانسان ولايفسره الوعي بالاديان من قبل البشر ليقتنع الجميع بها لأن الجميع منقسم على اديان والاديان منقسمة على طوائف والطوائف منقسمة على اشخاص هم رموز الطائفة وكل رمز حامل لمفاتيح الجنة يوزعها على الاحباب والاتباع دون الاعداء والخصوم ، بادلة مقدسة تنط من جلبابه .

شخصنة العقيدة تطيح تاليا بكل ما هو بديهي قامت عليه العقيدة ، اي عقيدة كانت . والشخصنة بعد ذلك انقلاب على سلطة البديهيات التوحيدية والموحدة .. والامثلة في هذا كثيرة واكثر من ان تحصى .. والابرز منها فترة صدر الاسلام فلقد كان الجميع معنيون به وبنشره ، ثم وبعد ان دارت الدورة التاريخية للدعوة الاسلامية ،حدث الانقلاب على سلطة ما هو بديهي على الناس وللناس فاصبحت الدعوة شأنا للحاكم .. تارة وشأنا للفقيه تارة أخرى ..ومازالت هكذا .
وفي الاتحاد السوفيتي تكرر الامر وبرغم فسولة الطروحات الماركسية واعتلالها المنطقي في تفسير التاريخ وتؤيلاتها للصراعات في المجتمع الانساني الى صراع طبقي محض .. فأن المؤمنين بثورة اكتوبر اتخذوا لينين رمزا مقدسا ليس لأنه يجسد صورة الامل فيهم بل لان شخصه اقترن بتلك البديهيات التي بدت انها تلبي مبررات خلق الانسان في العيش بسلام وسعادة وحرية .. فماذا حصل بعد ذلك . ان الذي حصل هو أن الديكتاتورية البروليتارية تقلصت الى ديكتاتورية اللجنة المركزية .. ثم تقلصت الى ديكاتورية امينها العام. واقترنت البديهيات ـ رغم فسولتها ـ باسماء اشخاص بدوا كما لو كانوا مخلصين للعالم من عذاباته المريرة فكانت : الماركسية ـ اللينية ، ثم الستالينية .. ومن ثم اصبحت امثولة القائد ـ الرمز تقترن دوما بالانظمة التي تقذف بها حمم الثورات التي تتحاوز السلطة الى البرنامج والاهداف البعيدة ، إنه داء الشخصنة وكل الانعتاقات الكبى إنما ترد اليه .

عودة الى السؤال : ما الذي يجمع الناس اليوم من بديهيات ونظم بديهية ؟

وجوابنا حاسم : لاشئ !

عدا الاعتبارات الغريزية فهي لاتصح كعوامل توحيد إلا على مستوى الجنس الحيواني .والاتجاه الرأسمالي يقوم على غريزة التملك ، اذا صح لنا وصف الرغبة في التملك هي غريزة فوق حيوانية . والعلم على ما فيه من حقائق تقوم على بديهيات لاشك فيها يجمع فئات علمية ولايجمع المجتمع البشري . وثمة محاولات اتجهت الى تصنيع لغة عالمية كالسبرانو مثلا كمقدمة لبناء وعي يقوم على بديهية توحيدية محمولة في اعتياد الكلام بهذه اللغة .كلها محاولات لمتلغي حقيقة ” تدافع ” ولو هذا التدافع لم بقيت الحياة اصلا .

ما يجمع الناس من رؤية لم توجد بعد على مستوى الخطاب والاداء الحركي ، ووجودها مناقض لطبيعة الحياة البشرية ، فهي لن توجد لا في المستقبل المنظور ولا في المستقبل البعيد .
فالبحث عن سلطة توحيدية حقيقية غير قابلة للشخصنة هي :

ـ سلطة ليست عقائدية ولا ايديولوجية ولا ثقافية ولا سياسية فكل هذه الاشياء تحمل في ثناياها قانون التدافع وبما يدل على وجود محكات .

ـ سلطة غير قابلة للتمثيل التنظيمي أيضا .لأن التنظيم المؤسسي مقدمة حتمية للشخصنة ، ويصح هذا الاعتقاد حتى في الانظمة الليبرالية فلا وجود لدولة مؤسسات بالمعنى النقي .

ـ سلطة تطلق الحريات ، الحريات غير المسؤولة امام تنظيم او رمز قابلين للشخصنة بل حرية تضمن حريات الآخرين كخيار داخلي .
لم يحصل هذا الا في فترةمحدودة في صدر الاسلام فلقد تحول الانسان من شخص منقاد الى قبيلته في كل خيرها وشرها فاضحى منقادا الى الله يخافه وحده ولايخاف سواه .. ومخافة الله هي مركز تتكاثف فيه كل الصفات الجميلة التي يتمناها كل انسان وهنا مكمن الحرية الحقة .

ـ سلطة يختارها الانسان عبر وعيه المستمر بالبديهيات الموحدة والتي تعطي لحياته معنى .
مرة أخرى ، سلطة بهذه المواصفات تنأى عن مركزة التوجيه والالزام والقانون الجزائي هي شكل من اشكال اليوتيبيا .ودائما تظل القيم المرغوبة مقترنة بالعسف وهذا دليل كاف على نقص البداهة والحاجة الى سلطة منطق الحواء .

Advertisements

رد واحد

  1. الاستاذ عبد الرحمن زيارة المحترم ..تحية طيبة وبعد ..قرأت مقالك الدراسة حول الاشكالية الحقيقية لسلطة البديهيات وهذا براي الشخصي فهمي لمضمونها .. وقد تكون هذه المقالة من القراءة الاولى السريعة تثير الدهشة وتحدث الصدمة لانها تطرح سؤال من اعمق الاسئلة وهو سؤال فلسفي بإامتياز ويبدو ان الفكرة الكامنه التى تعرضها لم يسبق اليها احد ما او طرحت من قبل اقله في هذه الصورة والاطار وهي تنتسب الى تلك الاسئلة التى تنتمي لتلك النظرة التشاؤمية والعبثية للوجود في بعض جوانبها وهي بالنهاية في علاقة مع القضايا الاساسية التى تهم العقل والفكر الفلسفي واسئلته تحديدا..ولكن ما اعترض عليه هو في قولك ان القوى الالهية لم تستطيع في جعل دين سماوي واحد يقاد على جميع البشر كلهم وقد اضفتها الى مع عجز القوة البشرية واعتراضي على هذا القول الرؤية لانه يمكن ان تكون قد جاءت حكما من عدم تقديرنا لله حق قدره و وعجزنا عن فهمنا للحكمة العميقه للخلق والوجود التي له وما قدروا الله حق قدره وبأستثناء هذا الاعتراض والتي قد تكون ثمرة الانطباعات المباشرة و الصورة المعتمة قليلا .. المقالة تبحث عن اجوبة عميقة وحتى الرسول صلى الله عليه وسلم وفي ذروة نجاحاته ونصرة ومن خلال حياته الدعوية . لم يكن يملك الصورة المتفائلة عن الناس بشكل عام و وامكانية الوحدة والاجتماع النساني بتلك الصورة اليوتوبية وامكانية تحققها في العالم فكانت تعامله ونظرته الى الصحابة من المهاجرين والانصار نظرة خاصة متميزة لهم دون الناس وتعاليمه وارشاداته لهم تختلف عن خطابه للناس عامة في نظرة كان يقول عنها انه يريدهم ان يكونوا كشامة في الناس وكان يخصهم بالتوجيهات الى درجة الابتعاد عن الناس وعدم الاستعانه بهم حتى في تناول عصا وقعت ارضا لرجل منهم كما ورد في الاثر الصحيح عنه صلى وما تلك العشرات من الاحاديث عن الفتن التى ستصيب الامة إلا دلالة على تللك الرؤية .. لهذا يمكن ان تكون الاجابة على المقالة في جوانب او مواقع اخرى من الفكر وقد تكون ميثوبه في النص وفي بعض اياته الذي لم يأتي اوآن تأويله بعد . .. واعتذر عن هذه الطريقة بأرسال الرسالة وان وجدتها تفي بحق ان تكون تعليق ورد فلك كامل الحرية ان تتصرف بها والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    إعجاب

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: