جاك دريدا من منظور التحليل النفسي ـ طارق بوحالة

جاك دريدا

جاك دريدا

تمهيد: لطالما مثل مشروع التفكيك الذي جاء به الفيلسوف والمفكر جاك دريدا، نظرية فلسفية ونقدية شاملة تحاول مساءلة النصوص والخطابات الفلسفية والمعرفية والثقافية والإبداعية المتنوعة مساءلة نقدية تنبني على التشكيك ثم الهدم ثم إعادة البناء. لهذا اتجه مشروع التفكيك أساسا لنقد الطرح المتمركز حول الذات الغربية ، وإنكار ثبات المعنى الذي كرسته الدراسات البنيوية التي خلقت سلطة مركزية سواء كانت العقل أو النص.

1_ من هو جاك دريدا؟

يعد جاك دريدا من أبرز مفكري وفلاسفة العصر الحديث، حيث ” ولد عام 1930 في الجزائر، تربى في عائلته ذات الانتماء اليهودي، وبعد أن عاش في الجزائر لمدة معتبرة، هاجر إلى فرنسا عام 1959، أين تلقى باقي تعليمه في دار المعلمين العليا بباريس.

لقد بدأ جاك دريدا مرحلة طفولته في الجزائر حتى بلغ عمر 19 سنة، ، أين تعلم في المدارس الابتدائية المختلطة والتي تجمع بين التلاميذ الفرنسيين والتلاميذ العرب الجزائريين وآخرين أوربيين.

انتقل بعد ذلك إلى فرنسا وأكمل دراسته العليا في باريس، وقد بدأ نشاطه الفكري والفلسفي، وعام 1965 كتب مقالين يعيد فيهما قراءة بعض المسلمات في مفهوم الكتابة الأوربية، واللذين لفت بهما انتباه القراء والمنشغلين بالفكر والفلسفة.

وفي عام 1966أنجز مقاله الشهير بعنوان: “البنية، الدليل، اللعب، في حديث العلوم الإنسانية” محاولا فيه خلخلة الطرح البنيوي الذي سيطر على المشهد الفكري الغربي،

واجه جاك دريدا في معظم كتاباته النقدية والفلسفية موضوعا يراه أساسيا في تاريخ الحضارة الغربية والانسانية على حد سواء وهو: مركزية العقل الغربي، أو ما يطلق عليه المركزية الغربية الأمر الذي جعله يلقى المعارضة التامة خاصة في فرنسا، لهذا انتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعرض آراءه الرافضة هنالك.

2- ماهية التفكيك:

يعتبر التفكيك مفهوما فلسفيا ونقديا طرحه جاك دريدا قام فيه بهجوم عنيف ضد العقل والفكر الغربيين، بدعوى أنهما طالما كرس التمركز حول المفاهيم الماورائية، والغيبية مما كرس ترهلهما.

لهذا فهو يرى أن التفكيكية كأداة قرائية تسعى لتقويض معالم المركزية الغربية والتمركز حول اللوغوس، فالتفكيك يقوم على مبدأ الشك.” فمن بين المقولات التي قام عليها التفكيك، ما اصطلح عليه جاك دريدا التمركز حول العقل أو ميتافيزيقيا الحضور”(1)

تعد ميتافيزيقيا الحضور المؤطر الأساسي لفلسفة المركزية الغربية، لهذا سعى دريدا من خلال كتاباته الفلسفية والنقدية إلى تقويض- تفكيك هذه السلطة التي تمارسها اللغة بإحالتها على الحقيقة التامة والكاملة والمتعالية، وبقدرة المدلول على حمل المعنى وإحالته على شيء خارجي. لهذا فقد حاول جاك دريدا إلى ” نسفها واستئصال جذورها التي كانت تسلم بقدرة اللغة على الإحالة على الحقيقة التامة المتعالية وبقدرة المدلول على حمل المعنى وإحالته على شيء خارجي، وبالتالي تصبح اللغة فضاء للوجود وحقيقة أسمى, وهذا ما أنكره “دريدا” مبيننا أن اللغة بنية من الاختلافات وأنه لا وجود لأي حضور معنوي في المدلول”(2).

لقد عدت استراتجية التفكيك إذن: موقفا دريديا لتفكيك المسلمات التي كرستها النظرية البنيوية. والتفكيك من منظور دريدا ليس تفكيكا من أجل التفكيك، بل هو استراتيجيه قرائية تملك آلياتها معتمدة بالدرجة الأولى على ثنائية هدم ثم إعادة البناء.

ولن نحلل مقولات التفكيكية كلا على حدا، بل ستحاول هذه الورقة البحثية وضعها ضمن التحليل النفسي لشخصية دريدا ومدى اقتراب هذه المفاهيم من المحطات الهامة في حياته سواء في الجزائر أو في فرنسا.

ولا يفوتنا في هذا المقام دون أن نقول بأن جاك دريدا قبل أن يقدم طرحه التفكيكي قد اطلع على تراث فلسفي كبير جدا كانت أبرزها:

الفلسفة القبلانية (القبالة)، والتي تعرف منذ قرنين قبل الميلاد على أنها فلسفة ذات بعد روحي باطني. وفلسفة أفلاطون، ومقولات كل من روسو وهيجل وماركس ونيتشة وصولا إلى دي سوسير وفرويد وهوسرل وهيدغر.

كما أن الثفكيكية كان لها التأثير البالغ في كتابات المفكرين الغربيين والعرب على حد سواء كـ: “مدرسة ييل الأمريكية”، وأسماء عربية أبرزها مطاع صفدي، عبد الله إبراهيم، عبد العزيز حمودة، علي حرب، عبد الله الغذامي، عبد الملك مرتاض وغيرهم.

3- المفاهيم الديريدية تحت عدسة التحليل النفسي:

تسعى هذه الورقة إلى وضع جملة من المفاهيم الفكرية والفلسفية التي جاء بها دريدا تحت مجهر التحليل النفسي، أي: هل مناك أمور جوانية لدى دريدا أسهمت في بلورة هذه المفاهيم ؟

أ- مفهوم الكتابة:

قدم دريدا مفهوما جديدا للكتابة باعتبارها نقيضا لمفهوم الكلام والتمركز حول الصوت، فالكتابة عنده ليست مجالا لتجسيد الحرفي للكلام، أو طريقة الخط المكتوب به، بل هي أعمق وأكثر من ذلك…

إن الكتابة من المنظور الدريدي… عبارة عن تسمية للغة تطلق على كل من الفعل والحركة، والفكر والتفكير، والوعي واللاوعي والتجربة والعاطفة…(3)

يطلق جاك دريدا على هذا النوع من الكتابة بالكتابة الأصلية (archi-ecriture)، ولما كان هذا الموضوع يشغله إلى حد الهوس فقد قدم للقارئ كتابا بعنوان: علم الكتابة أو” de la grammatologie” الذي صدر عام 1967. حيث أعلن فيه أن علم الكتابة علم شامل لعلمي اللسانيات واللسانيات الفنولوجية وهي ( اللسانيات التي تهتم بوظائف الأصوات)، أي أن الكتابة ليست التجسيد الحرفي للكلام بل هي شيء موجود قبل الكلام وقبل اللغة.

يتضح مما سبق أن علم الكتابة أو…” الغرماطولوجيا تهتم بنوع محدد من الكتابة – إنها كتابة الاختلافات بوصفها أثرا، أي الكتابة المعلومة الوجود والسابقة على اللغة، والمجهولة الماهية،… هي كتابة تتضمن الكلام والكتابة العادية معا”(4)

لو عدنا إلى المقابلة التي جرت بين جاك دريدا وبرنارد فرانس، وكان عنوانها: “لقد كانت المدرسة جحيما بالنسبة لي”، وقد نشرت عام 1989 في سلسلة الدفاتر البيداغوجية تحت رقم 270-272. نجده يصرح قائلا: ” كنت طفلا، بل تلميذا صغيرا بائسا جدا، يعني أنني كنت أعاني كثيرا من تواجدي في المدرسة… لقد كنت تلميذا ممتازا “(5)

يحاول جاك دريدا في قوله السابق أن يبين للقارئ مدى معاناته. وكيف كانت تلاحقه وهو لا يزال تلميذا في المدرسة الابتدائية أثناء حياته في الجزائر، خاصة وهو يشاهد يوميا ما أسماه العنف بين التلاميذ العرب الجزائريين ونظرائهم الفرنسيين.

ويواصل الحديث عن طفولته في المدرسة الابتدائية، حيث ما بهمنا هو عندما يصرح بعدم إجادته للكتابة فقد كان صاحب خط غير مقروء، فيقول واصفا حاله هذه: “… إذا تلميذ جيد… و لكن الكتابة مستحيلة، لدي خط غير مقروء، والتي بقيت مرافقة معي دائما”(6)

هنا يطرح سؤالا مهما: ما العلاقة بين رداءة خط وكتابة دريدا وبين مفهومه حول الكتابة ؟

تعتبر الإجابة عن هذا السؤال مجازفة في حد ذاته، كون القارئ قد لا يجد علاقة بين الأمرين، غير أننا لو بحتنا جيدا في تصريحات دريدا السالفة الذكر لوجدنا خيطا خفيا بين طفولته في المدرسة وعدم إجادته للكتابة كتجسيد لما هو منطوق وبين طرحه في ستينيات القرن الماضي لمفهوم الكتابة .

فهناك علاقة بين الكتابة المستحيلة للطفل دريدا وبين عمله الدؤوب كفيلسوف باحث عن مسألة الكتابة التي سيكرس لها جل أعماله؟ … ألا يسمح الخط غير المقروء بإمكانية تعدد القراءات والتأويلات والجهد في فك الرموز؟ أليس صحيحا أن دريدا لم يتوقف حتى آخر أيام حياته عن التفكير بمسائل من قبيل: الكتابة، المخطوط، الكتابة المرمزة، الكتابة السرية، المز، الأثر، النقش، الإملاء، الخط، الحرف، الرسم، علامات الترقيم، التسجيل،…(7)

4- مقولة الأثر وانتفاء الأصل:

تقوم النظرية التفكيكية عن جاك دريدا على مفهوم مركزي وأساسي وهو مفهوم الاختلاف، الذي يرتبط بمفاهيم أخرى لا تقل عنه أهمية كالأثر انتفاء الأصل …

وقد جاء جاك دريدا بمقولة الأثر من اجل أن تقوض احتفاء النقد بالكلام، وتجعل من التهميش الذي لحق بالكتابة هو المرتكز الأول في بناء الآراء النقدية الجديدة.

وما يهم هذه الدراسة هو تحليل عنصر عنصري الأثر والأصل الذين صاغهما دريدا من اجل هدم مقولة الحضور والانتصار لمقولة الغياب وهو رد ضمني على الطرح اللساني الشهير لدي سوسير.

و” الأثر هو كل عنصر يتأسس من آثار العناصر الأخرى في النسق، عبر لعبة الاختلافات المتعددة التي تفضي إلى خلق فواصل بين عناصر اللغة”(8)

إن مقولة الأثر تنفي وجود الأصل، أي أن النص أو الخطاب أو اللغة هي آثار لآثار، فلا وجود لنص أو خطاب أصيل.

وعندما نتحول من مجالي الفلسفة والنقد إلى حياة جاك دريدا نجده قد عان أيضا من قضية الأصل واللغة، فهو جزائري المولد يهودي الديانة فرنسي اللغة، كما أن فرنسيته وهو مقيم في فرنسا لم تكن فرنسية القاطنين فيها، بل كانت تشوبها ميزة المتكلمين بها ممن يعيشون في الجزائر أيام الاستعمار.

ولا طالما طرح سؤال على جاك دريدا مفاده: هل أنت جزائري أم فرنسي؟ ما هي ديانتك؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة كان تشوبها دائما الحيرة لدرجة أن جاك دريدا، لما كان يعيش في الجزائر كان اسمه: “… جاكي وكمعظم الجزائريين كان لدريدا اسم آخر غير رسمي (أي غير مسجل في دوائر الدولة والأحوال الشخصية) وهو اسم (إلي) كان هذا اسمه في الجزائر، لكن ومع قدومه إلى فرنسا بعمر 19 سنة، أراد دريدا أن يصبح “فرنسيا حقيقيا” فقرر أولا تغير لهجته التي كان يمكن إن تفضح أصله الجزائري، حيث كان ذوي الأقدام السوداء(وهو الاسم الذي أطلق على الفرنسيين العائدين من الجزائر.) يعاملون من قبل الفرنسيين المقيمين معاملة فيها شيء من الاحتقار”(9)

يبدو أن هذا التعدد الذي عاشه جاك دريدا في محطات حياته قد خلق عنده رفض قاطع للثبات وللحضور بل كان يجد أن لا حضور دون غياب. فقد غير اسمه بمجرد وصوله إلى فرنسا ومواجهته لفكر مغاير، ثم ود أن معاملة الفرنسيين للعائلات العائدة من الجزائر -خاصة اليهودية منها- التي كان يشوبها النظرة الدونية والاحتقارية.

إن سؤال الهوية ما كان يواجه دريدا طوال حياته. نعم هذا ما جعله يقول بالا هوية وبالا ثبات وبالتعدد والاختلاف.

خلاصة:

يمكن من خلال ما قدم أن تكون هناك علقة خفية ومضمرة تربط بين حياة جاك دريدا وبين مقولاته الفلسفية والنقدية التي أسست لطرحه التفكيكي.

فقد ارتبطت أغلب مراحل حياته التي قضاها بين الجزائر وفرنسا خاصة قضية معاناته من الماهية الحقيقية لأصله، ومدى تساؤله عن هويته الممزقة بين عوالم ثلاث : الجزائر، الفرنسية، اليهودية.

كل هذا جعل دريدا يتحول من مجرد تلميذ يهودي الديانة يعيش في الجزائر إلى مفكر وفيلسوف مشهور قلب مسار الفكر والفلسفة رأسا على عقب.

الهوامش:

1- وليد عثماني: التفكيك: الجينالوجيا، المقولة، والمصطلح، ضمن كتاب جماعي جاك دريدا، إشراف محمد شوقي الزين، منشورات الاختلاف، الجزائر، دار الفارابي، بيروت ط1، 2012، ص،31.

2-هشام الدركاوي: التفكيكية: التأسيس والمراس، دار الحوار، اللاذقية، سوريا، ط1، 2011، ص 24.

3-جاك دريدا: الكتابة والاختلاف، تر، كاظم جهاد، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط2، 2000، ص107.

4_ هشام الدركاوي: المرجع السابق، ص: 101.

5-L,école a été un enfer pour moi, Conversation avec Jacques Derrida- Bernard Defrace : Cahiers Pédagogique, N : 270 et 272, 1989, p, 02.

6-Ibid. p,03.

7-خلدون النبواني: بعض مفارقات الحداثة وما بعدها، دار المدى ، سوريا، ط1، 2011، ص19.

8- محمد سالم سعد الله: الأسس الفلسفية لنقد ما بعد البنيوية، دار الحوار، سوريا، ط1، 2011، ص174.

9_ خلدون النبواني: المرجع السابق، ص19.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
طارق بوحالة
ا*كاتب وأكاديمي جزائري

نقلا عن الثقافية الجزائرية

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: