في ايطاليا .. في نابولي بالتحديد ( قصة) ـ علا السردي

علا السردي

علا السردي

.. لم تستطع لينا أن تحبس دموعها أكثر ، فما أن غادر زوجها إلى عمله ، حتى أطلقت العنان لدموعها و آهاتها ، استلقت على أريكتها و عادت بذاكرتها عاماً كاملاً إلى الوراء ، حين اكتشفت خيانته مع حبيبته صوفيا و التي لم يستطع الزواج منها بسبب اختلاف ديانتها ، و رفضُ أهله لمبدأ اقترانه بها ، لكنها كانت عشقه الوحيد و حبه الأول و حين علمت لينا بالأمر أبدى زوجها ندماً شديداً و وعدها بأن يتوقف عن مقابلة عشيقته ، سارت الأمور على خير ما يرام إلى أن أدركت لينا تغيراً في تصرفات زوجها … لم يعد يُقبلُ عليها بوردةٍ كما كان يفعل دوماً حين عودته من عمله ، لم يعد يجالسها كل مساءٍ بانتظار مسلسلهما المفضل ، حتى قطتهما المدللة لم يعُد يداعبها كما اعتاد أن يفعل ، أصبح يطيلُ الحديث في الهاتف ، و في المساء يخلد إلى سريره كثملٍ سمين ، أما أكثر ما أقلق لينا هو تسلل زوجها من البيت في ساعةٍ متأخرةٍ من الليل ،

فما أن يغط في سباتٍ عميق حتى ينهض فجأةً من نومه و كأن موعداً بانتظاره ، يرتدي ملابسه بهدوء و يغادر لما يزيد عن الساعة تاركاً إياها حبيسة سريرها ، تكاد دموعها تُغرق وسادتها ، لكنها كانت حريصةً على أن لا يشعر بها ، فتتظاهر بالنوم إلى أن يعود ، يخلع ملابسه و يستلقي إلى جانبها كأن شيئاً لم يكن … تكرر خروجه على هذه الطريقة كثيراً و أرق لينا هذا التصرف الغريب و وجدت الأفكار المتشائمة مرتعاً خصباً في مخيلتها ، لكنها بقيت محافظةً على صمتها خوفاً من فقدانه إلى الأبد ، لم تنسَ قهوته الصباحية يوماً و لم تهمل كي قمصانه أو تعديل ربطة عنقه ، لكن الغيرة بدأت تقتات على روحها و تنهش قلبها ، فأصبحت تغافله و تبحث في جيوبه علها تجد ضالتها لكن عبثاً كانت تحاول … مناديل ورقية ، علبة سجائره و وصفاتٌ طبية بخطٍ غير مفهوم ، أعادت لينا تلك الحاجيات إلى جيب زوجها و باءت محاولاتها البوليسية بالفشل ، لم تجد منديلاً عليه بقايا أحمر شفاه أو شعرةً نسائيةً شقراء من خصلات شعر صوفيا أو رسالة غرام ، لكنها بالرغم من ذلك لم تعُد قادرةً على الاحتمال أكثر فقررت الذهاب إلى منزل صوفيا و مواجهتها بالأمر عل قلبها يرق فتترك زوجها لحاله .
كان الصباح جميلاً ذلك اليوم لكن لينا لم تره كذلك ، شربت قهوتها مع زوجها ، عدلت ربطة عنقه و طبعت قبلةً باردةً على خده ، وما إن غادر إلى عمله حتى ارتدت ملابسها و توجهت من فورها إلى منزل صوفيا ، قرعت الباب و كان قلبها يخفق بشدة ، يكاد يقفز من بين ضلوعها ، لكنها بقيت ثابتةً متظاهرةً بالقوة و التماسك و ما أن فُتح الباب حتى أطلت عليها امرأةٌ سبعينية ” نعم ، كيف أستطيع أن أخدمك بنيتي ” قالت السيدة … احتارت لينا في أمرها فهي تعلم أن صوفيا تعيش وحيدةً في شقتها لكنها تمالكت أعصابها و ردت ” هل صوفيا موجودة سيدتي ! ” من صوفيا ! ردت السيدة ثم استدركت ” اوه نعم تذكرت ، تقصدين صوفيا صاحبة الشقة السابقة ، لقد اشتريتُ هذه الشقة منها عزيزتي ” و هل تعرفين أين تقطن الآن ! قالت لينا تغلب على أنفاسها تنهيدةٌ عميقة … ” لقد تزوجت ” قالت السيدة ، انفجرت أسارير لينا عن ابتسامةٍ جميلة و جحظت عيناها و قالت ” حقاً تزوجت ! … ” نعم تزوجت و سافرت مع زوجها ، هي تعيش في ايطاليا .. في نابولي بالتحديد ” … لم تصدق لينا ما سمعته أُذناها للتو و أخيراً تخلصت من غريمتها ، قفزت في مكانها فرحة و احتضنت العجوز و قبلتها ثم غادرت تاركةً السيدة تضرب كفاً بكف و تردد ” امرأةٌ غريبةُ الأطوار ” … استقلت لينا سيارتها و لم تتوقف عن الدندنة طوال الطريق ، لكن هاجساً تسلل إلى أفكارها المحتفلة و قطع عليها لحظات سعادتها ” يا لي من حمقاء ، قد تكونُ هناك أخرى و إلا ما الذي يجري مع زوجي ! أين يذهب كل ليلة ! إن كانت صوفيا قد رحلت فمن تلك الجديدة ! لكن زوجي ليس زير نساء ، أنا أعرفه جيداً لقد كانت صوفيا الوحيدة التي عشقها قبلي ” … قطع تسلسل الأفكار المتدفق بغزارة في مخيلة لينا أصواتُ أبواق السيارات التي تطالبها بالتحرك أمام الإشارة الخضراء ، فاستيقظت من شرودها و تابعت القيادة حتى وصلت إلى منزلها ، فتحت الباب فاستقبلتها قطتها بالمواء ، احتضنتها و دخلت إلى غرفةِ نومها مهمومةً حزينة ، فاجأتها باقةُ وردٍ في غاية الجمال تتوسط سريرها و إلى جانبها رسالةٌ مكتوبٌ على ظرفها ” زوجتي الحبيبة ” … رمت القطة من بين يديها و فتحت الرسالة ” حبيبتي : أعرف أنني قد كنت غريباً بعض الشيء في تصرفاتي في الآونة الأخيرة ، و أعرف أنني قد أهملتك لفترة ، متأكدٌ أنك لاحظتِ ذلك لكنك لم تزعجيني و اكتفيت بالألم صمتاً … سامحيني حبيبتي .. لكني أخفيت عنك سراً قد طرأ علي منذ فترة .. أظنني كنت خجلاً من مصارحتك به … لينا .. أنا أمشي أثناء نومي ، لم أدرك ذلك إلا حين سقطتُ ذاتَ مرةٍ عن السلم ’ فنظرت إلى نفسي مستغرباً ما الذي أتى بي إلى هنا بعد منتصف الليل و أنا أرتدي بذلتي ! … تكرر الأمر معي كثيراً حتى أصابني الهم و لجأت إلى طبيبٍ نفسي ، فأعطاني بعض العقاقير المنومة و حضرت عنده عدة جلسات ، لكني لم أستفد كثيراً ، نصحني صديقٌ لي بالعلاج في الخارج عند طبيبٍ مشهور … حبيبتي قبلي قطتنا بالنيابة عني و انتبهي لنفسك ، سأتصل بك فور وصولي .. أحبك ” … ضمت لينا الرسالة إلى صدرها بقوة و أجهشت بالبكاء ، كانت سعيدةً و حزينةً في آن ، تمنت لو أنها لم تظلم زوجها بأفكارها الحمقاء ، اشتمت باقة الورد و أعادت قراءة الرسالة مرةً ثانية ، لم تكن قد انتبهت قبلاً إلى ملاحظة صغيرة مدونة في آخر الورقة ، فغرت فاها و شهقت شهقةً مدوية و هي تقرأ ” ملاحظة : حبيبتي .. عيادة هذا الطبيب المشهور في ايطاليا .. في نابولي بالتحديد .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) إحدى قصص المجموعة القصصية ( الثلج لا يغسل الخطايا )صدرت عام 2014 .
علا السردي ، كاتبة و قاصة أردنية ، صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان ( الثلج لا يغسل الخطايا ) نشرت عدة مقالات و قصص و قصائد في صحفٍ عربية ورقية و إليكترونية ، حصدت مراكز متقدمة في مسابقات أدبية عربية و دولية ، نظمت عدة أمسيات شعرية في عمان او شاركت فيها ..

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: