مفهوم الصراط المستقيم من خلال التنزيل لا من خلال التفاسير ـ رشيد أيلال

رشيد أيلال أعود من خلال هاته المقالة ، لأبثكم بعض خواطري ، وأعرف أن ما أطرحه من أفكار ليس من السهل تقبلها ، خصوصا من عقول ألفت الكسل ، والاكتفاء بما جاء في كتب التراث ، وتقديس الماضي بكل ما جاء فيه ، متذرعين بمقولة “غبية” مفادها أن الأول لم يترك للآخر شيئا ، وهي مقولة غريبة جدا ، اذ أن العلوم تتطور ، وتكبر معها مدارك الانسان ومعارفه ، والجيل اللاحق يصحح للسابق اخطاءه العلمية ، لان الحياة تسير الى المستقبل ولا ترجع الى الوراء ، الا لدينا نحن ” المسلمين” فالمستقبل عندنا يسير الوراء ، فيطمس الحاضر والمستقبل في الماضي ، فلا ابداع ولا تطور يرجى مع هاته العقلية الماضوية ، التي انتجت لنا في النهاية ، مجتمعات داعشية ، واخرى قابلة في لا شعورها ان تصبح كذلك.
ومن الكوارث التي نقلتها لنا كتب التفسير التراثية ، هي تفسيرها لقوله تعالى في سورة الفاتحة :” (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) ” فقد اتفقت كل هاته التفاسير على ان الصراط المستقيم هو الاسلام وأهله ” بمفهوم هاته التفاسير للإسلام طبعا” وبالتالي فأهل الصراط المستقيم الذين انعم عليهم الله هم المسلمون كنتيجة حتمية في التفاسير التراثية ، الموجودة في جميع المكتبات الاسلامية ، ولم يقف هؤلاء المفسرون عند هذا الحد بل فسروا بسيل من الروايات والاثار أن” المغضوب عليهم “هم اليهود و”الضالين” هم النصارى ، ليبقى أهل الجنة الوحيدين في هذا المعمور هم اتباع الرسالة المحمدية فقط ….
وبالتالي فقد سقط هؤلاء في ميز عنصري ديني واضح ، شبيه الى حد كبير بالمقولة الصهيونية العنصرية ” شعب الله المختار” و التي بمقتضاها أن غير هذا الشعب لا قيمة لهم لهم في ملكوت الله ، ومصيرهم العذاب الأليم، في حين أن هاته التفاسير التراثية تتنافى بشكل تام مع قوله تعالى في سورة البقرة “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”.

وبالتالي فالآية هنا واضحة تؤكد تأكيدا تاما أن المؤمنين واليهود والنصارى بل حتى الصابئين ، وتشمل ايضا كل من آمن بالله واليوم الآخر، واتبعه العمل الصالح ، فسيجزيهم الله اجرهم ويؤمنهم من الخوف والحزن ، فكيف بالله عليكم جاز لهؤلاء أن يفسروا قوله تعالى” غير المغضوب عليهم ولا الضالين” بانهم اليهود والنصارى تباعا، والله يقول في حقهم بانهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، ان هذا التفسير المتحامل والعنصري يتعارض جملة وتفصيلا مع نصوص التنزيل المبين ومع ذلك لا زلنا نجد من مقلدة هذا العصر من يكرر هذا التفسير ويدافع عنه دفاع المستميت ، والله طلب من نبيه وطلب منا جميعا أن لا نجادل أهل الكتاب “اليهود والنصارى” الا بالتي هي احسن ، فهل يعتبر وصمنا لهم بالمغضوب عليهم وبالضالين نوع من الجدال بالتي هي احسن ، والذي امرنا به من لدن العليم الحكيم؟.
وهاته الآية العظيمة التي سنوردها بعد قليل تتحدث عن عداوة اليهود للمسلمين، ورغم ذلك لم تصفهم بأنهم مغضوب عليهم ، وتتحدث عن محبة النصارى للمسلمين ، ولم تقل انهم ” ضالين” ({لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَأوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ۝ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ۝ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ ۝
ومن هنا يتضح ما نرمي اليه من تمادي كتب التفاسير القديمة في تقديس الذات واحتقار الاخر، في انانية مريضة تكرس لمفهوم الاقصاء ، الذي انتج لنا في النهاية فقها داعشيا دمويا يقتل المخالف وينكل به تنكيلا عظيما.
اما عن معنى الصراط المستقيم فقد اتفقت التفاسير على أن المفهوم اللغوي للصراط المستقيم هو الطريق الذي لا اعوجاج فيه ، وهنا لا يتحدث الله عن العقيدة بتاتا ولا العبادات ، أي لا يتحدث عن الاسلام ، لان ما قبل اهدنا الصراط المستقيم ،نجد اياك نعبد واياك نستعين ، أي ان هؤلاء الذين يطلبون الهداية الى الصراط المستقيم ، هم مؤمنون بالله ، وعابدون له ، ومستعينون به ، وبعد هذا كله يطلبون الهداية الى الصراط المستقيم ، وما الاسلام الا ايمان بوحدانية الله وتعبد خالص له ، فما هو الصراط المستقيم الذي يطلب الاهتداء اليه هؤلاء المؤمنون ، لقد اوضحه الله في قوله صراط الذين انعمت عليهم ، أي ان هؤلاء الذي هم على الصراط المستقيم ، يعيشون في نعيم ورغد ، أي انهم منعمين ووردت انعمت عليهم بصيغة الماضي لا المستقبل ، أي أن هؤلاء يطلبون أن يعيشوا عيشة رغدة وفي نعيم دنيوي كالأمم السابقة التي انعم الله عليها ، والله طلب من عباده أن يسيروا في الارض ليروا عاقبة الذين من قبلهم ، سواء كانت ضلالا وغضبا كفرعون وقوم تمود وقوم لوط وغيرهم من الاقوام والامم والاشخاص .
والغريب الان أن أولئك الذين نصفهم بالكفرة، واولئك الذين نصفهم بالضالين والمغضوب عليهم ، هم الان سبب النعيم ، فما السيارة ولا الهاتف ولا الطب ولا الفلك ولا كل ما سبب ويسبب السعادة للبشرية والنعيم ، مصدره هؤلاء” المغضوب عليهم والضالين” ومع ذلك نأخذ منهم ونستفيد من تكنولوجيتهم التي تساعدنا على الراحة وتجعلنا نعيش في نعيم، ثم بعد ذلك نصفهم بدون حياء بأنهم من اهل النار لانهم ضالون ومغضوب عليهم …. واعجبي…
وانظر ايها القارئ الى حال المسلمين الان في انحاء المعمورة ارهاب وتناحر وتقتيل ، واختلاف وفساد ورشوة وديكتاتوريات ، وغباء ، وريع ، وترهل في جميع مناحي الحياة ، وارتكاس كبير للتعليم ، وحصيلة هزيلة وبطالة ، وتزوير كبير للانتخابات ، و…… ، ابعد هذا يحق لنا ان نقول اننا على الصراط المستقيم ، واننا الذين انعم الله عليهم ؟

رد واحد

  1. المقالة رائعة .لا اقول انها مقاربة عقلانية للنص المقدس على اعتبار ان العقل هو الاحاطة والقبض والتحكم من الخارج وبجفاء نابع من الجدية والحزم والصرامة لكنها بتواضع اكثر انها مدخل اولا وانموزج بحاجة لتوسع والتعمق اكثر لانها تنحو بإتجاه اكتشاف انسنة النص نفسه واظهار حقيقة الخطاب الموضوعي الانساني الذي يكتنزه النص بذاته ووبثراءه..وهي حقيقته .. بمعنى ان جاز القول بإمكانية التفريق بين العقلانية الجافةمن الخارج والانسنة اى تلك المقاربة الشفافة والحذرة الى الداخل النص لتظهير واكتشاف حقائقه الانسانية و الموضوعية لتي يروم الخطاب الديني الاسلامي الدعوة لها وانه خطاب انسي بإمتياز متعالي غني بالمفاهيم. والمقالة بهذه الشجاعة في الاشارة الى المسؤلية المعاصرة عن تحجر العقول وتسلطها على النص تحت ادعاءات التقديس ليس للنص بل بالحقيقة للعقول المفسرة بل الحاملة للنص وادعاء نهائيتها ..هذا وقد ظلم الكاتب نفسه انه لم يتسلح بتلك الاشارات المضيئة القادمة من عبق التاريخ تحملها الينا الحلوم الكبيرة و فيها ما كانت عليه من الاحترام العميق للنص الاكثر غنى والاعتراف والخشية عليه من العقول الاكثر فقرا وجهلا مصداقة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم رب حامل فقه غير فقيه الى من هو افقه منه او تلك الكلمة العميقة للامام احمد بن حنبل ..أن ثلاثة ليس لها اصل السير والمغازي والتفسير خوفا وخشية على النص من هذا الذي اصابه حقيقة بهذهالهيمنة والقبض عليه.. تلك النزعة الدغمائية في النظرة الى التفاسير للقرآن الكريم …

    أعجبني

التعليقات مغلقة.

%d مدونون معجبون بهذه: