في انتظار غودو العربي ـ جمال الدين خالد

جمال الدين خالد

جمال الدين خالد

للمؤرخ المصري الشيخ عبد الرحمن الجبرتي صاحب كتاب تاريخ عجائب الاثار في التراجم والاخبار , كلمة لطيفة التركيب عميقة الدلالة لخص فيها موقفه وفهمه لادعاء الامبرطور الفرنسي عندما غزا مصر واحتلها. وذلك في منشوره الاول للمصريين يقول فيه: اني ما قدمت اليكم إلا لكي اخلص حقكم من يد الظالمين.
فعلق الجبرتي عليها بكلمته الجامعة: هذه اول كذبة ابتدرها وفرية ابتكرها .
وللجبرتي اراء ومواقف كثيرة ايضا ابان الاحتلال الفرنسي لمصر بثها في تاريخه هذا , منها مواقف ورؤى قيمة تنم عن عقل علمي قادر على استيعاب وفهم الاحداث والتطورات العلمية المتجددة, و منها فهمه للآعيب التكنولوجيةالتي خلبت اللباب المصريين البسطاء انذاك قصد منها المحتل اظهار التفوق الحضاري والتكنولوجي الغربي وارهاب الشعب المصري انذاك .
ماذا تعني هذه المقدمه امام واقعنا العربي اليوم .
انها تعني اننا وفي هذا الزمن العربي الربيعي كما يقال لا زلنا نقف عند وامام نفس العتبة والموقف الحضاري التاريخي التي عاشها الجبرتي وجيله من العلماء والمثقفين .
وها هم العرب اليوم يعيشون الكذبة الغربية الكبرىنفسها , كذبة دعم الثورات العربية والدعوة الى الديمقراطية وهذا الكم الكبير من النفاق السياسي والدبملوماسي بالدعم والتآييد للربيع العربي . نعم لا تزال الاساليب نفسها والمحطة التاريخية تكرر ذاتها منذ اكثر من قرنين من الزمن مضى عبثا .
وكأن السنوات الطوال والتجاريب وتراكم الخبرات لم تنفعنا ان لم تكن قد ضاعت وان خلل ما اصاب وعيينا وثقب ذاكرتنا وتفلتت من هذه الذاكرة تراكم سنوات النضال و الكفاح وهذا الارث الكبير من الخبرات والاثمان الباهظة التي دفعتها شعوب المنطقة العربية ذهبت سدى ..
وكأن كلمة الجنرال اللنبي ها قد عدنا يا صلاح الدين في دمشق وانكشاف اتفاقات سايس بيكو لم تكشف نفاق الغرب ..و في مراسلات مكماهون \ حسين ..
وكأن دعايات ومنشورات التحرر ووعود الغرب بالاستقلال لم تفضحها وعد بالفور والسيطرة على قناة السويس ولا معركة ميسلون وقيام الدولة العبرية.
دائما العودة الى البدء :
وكأننا لا نزال اسرى ثلاث مصائب تحجر على الفكر العربي وتعيق هذا العقل من التفكير الحر في مستقبل مشرف لهذه الامة .
اولا : اننا بسذاجة او بتآمر من هنا وهناك نصدق دوما كذب الغرب وادعاءاته في الحرية والديمقراطية .
هييمنة وتغلب عقيدة الخوف من الغرب والتهويل بقدراته وامكانياته العسكرية والسياسية و الاقتصادية وتفوق ثقافته .
عدم الثقة بالذات والتسليم اننا نعيش على هامش التاريخ وكأن لا دور حضاري للمنطقة تستنهضه ورسالة انسانية عظيمة لا بد ان تحملها هذه الشعوب الى العالم . هذه الافكار ليست دوما بحاجة الى ذكرى اليمة او محطة تاريخية او احداث ظرفية كذكرى وعد بلفور ونبكة فلسطين ونكسة حزيران ومناسبة وفاة الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله , او غيرها من المناسبات التي اتخمت هذا التاريخ واثقلته . كل ذالك لكي تعاد طرحها من جديد . فالواقع العربي بشكل عام وكل يوم من تاريخه يعيش هذه الحقائق وهي حاضرة وقائمة امامه وما الاحداث والتطورات العربية الجارية اليوم والاسئلة حول الربيع العربي هذا بثوراته الا وتدخل في مضامين هذه الحقائق يؤكدها ويستحكم فيها هذه الضبابية ونعدام الرؤية عند النخب السياسيةوتخاذلها وهذه الحاله الانفعالية والفوضى التي استولدها هذا الربيع .
السؤال هل يمكن لهذه الذاكرة ان تتعافى وتتماسك وتخرج من وهم هذه المقولات الزائفة والقيود المفروضة على العقل العربي .ليعود الوعي بالتاريخ ومن اجل تأمين الحضور الفاعل لـه في وعي الامة على قاعدة تأميين سلامة تراكم للخبرات .
حيث اولى وظائف التنوير العربي اذا جاز الكلام عن هذا التنوير المأمول هو استعادة هذا الوعي بالاضافة الى التحرر من تلك الاوهام التأمين على سلامة تراكم الخبرات هذخ …
الشعوب العربية اليوم تفوت عليها فرصة النهوض هذه وانها ستظل مبتلاة بثقب الذاكرة وضلال المقولات من هنا وهناك التي يروجها المثبطين والمتغربين من منافقي هذه الامة لتعود اسيرة دوائر الزمن المغلقة وكأنها قدرسيزيف هو المحتم ولتصح فيها رؤية ماركس عن التاريخ الذي يكرر نفسه في الامم وتعيد انتاج مأساتها الانسانية على شكل دراما وملهاة مضحكة بأستمراراو تعيش اوهام انتظار غودو …. .
نعم لا بد من اعادة القرأة والوعي بالتاريخ بل الايمان بضرورة الخضورة التاريخي كأولى مهمات التنوير على مستوى النخب السياسة والفكرية , فالقائد العظيم يحضر في وجدانه تاريخ ستة الاف سنة من امته ويجسدها في نفسه ولكنه حضور على قاعدة الحضور التاريخاني المؤمن بترابط حلقاته والمتعتقدة بمسار التقدم فيه. اذا اردنا ان نمتلك تلك الرؤى والايمان بدور انساني وحضاري عظيم لهذه الامة وشعوبها الطيبة ..
هذه الافكار ضرورية اذا اردنا التحلل من الكثير من الاوهام التي اركست الامة وهذا الربيع العربي الغريب فيه ان دوائر التأمر الغربية وهي تخطط للاجهاض اية نهضه محتملة للمنطقة لم تجد افضل من مصطلح الربيع العربي هذا لتطلقه اعتراف واقرار ضمني بحقيقة وحد الامة العربية ووحدة مساراتها وقدرها الواحد رغم هذا التمزق والتزرر الحاصل في كيانها .
يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي : ان المؤرخ اذا ما وضع الثورة الجزائرية والشعب الجزائري على مائدة البحث والتحليل كما هو شأن كل شعب ,فسوف يتفاجأ حين يرى الشعب الجزائري يتمتع بقيم شعبية محورية حضارية لكنها تبدو في شكل مخيف عارية في حركتها من مفاصل اساسية اعني تلك التي تسميها النخب ذات الصفات الايديولوجية والاخلاقية والثقافية . .. كأنه يتحدث ويحلل الربيع العربي هذا ؟؟؟؟

%d مدونون معجبون بهذه: