فرنسا والبنيوية والطائفية ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

عبد الرحمن كاظم زيارة     ربما يستغرب احدنا عن صلة الفلسفة عامة والبنيوية خاصة بالسياسة والاعيبها ، وكيف ان فيلسوفا مثل برنار ليفي كوهين صار عرابا لما سمي بالربيع العربي . وكيف ان بعض المثقفين العرب خارج الوطن اصبحوا تلاميذ شطار لبرنار واضرابه يلوكون ما يقول ويجترون اقواله اجترارا مع ايقاف العقل .
من الثابت ان البنيوية قد ولدت في فرنسا ، وكان ميلادها مشوها في تركيبه : شيئ من الرياضيات ، وشئ من المعتقدات الساكسونية العنصرية ، وميل منحرف صوب تصور الفروق الجينية والفروق البيئية والفروق المجتمعية والقائمة تطول عنوانها الرئيس افتعال انظمة مجردة قابلة للتطبيق في واقع المجتمعات والسياسات ، دون ان نتحدث عن الادب فهذا شأن آخر ..
ومن الثابت ايضا وعلى نحو مواز ، ان النظام اللبناني ، المحاصصي ، هو اختراع فرنسي .

وربما اراد الامريكان ان يحتذوا حذو اشقائهم الفرنسين في توظيف الاطروحات الفلسفية في سياسات التدمير فاوكلوا لفيلسوف امريكي ياباني الاصل ( فوكوياما) وهو احد موظفي الخارجية الامريكية ، مهمة مشابهة لفاسفة فرنسا العاملين في السياسة ، فلم يحقق نجاحا كالذي حققه الفرنسيون ، وغاية طاقته اصداره مقال ( نهاية التاريخ) بعد سقوط الاتحاد السوفيني ، وطبل له باكثر بكثير مما يستحق ، فلقد افترض نهاية الجدل بحسب المفهوم الهيجلي وعدها مقدمة افضت الى نهاية التاريخ ، وكما لو انه قال ، (بما ان هيجل يقول ان الجدل التاريخي يصنع التاريخ ، وحيث ان الجدل السوفيتي الامريكي انتهى ، اذن انتهى التاريخ ) ! (كذا ) ، ولقد افضت الجولة الامريكية في مضمار توظيف الفلسفة في الصراع الى الفشل الذريع ، وهذا أمر في صفنا ، فانعطفت دوائر صنع القرار في امريكا تستقي من بركة الرؤية الفرنسية لتزرع انظمة محاصصة على غرار النموذج اللبناني المصنوع فرنسيا منذ آخر عهد الدولة العثمانية .وعلى هذا قدمت برنار ليفي الى الواجهة وصار يرى في جولات مع رؤساء حكومات غربيين وفي اماكن عدة من العالم وان اخباره تنقل بحفاوة كما تنقل اخبار الرؤساء والوزراء .. بل يتقدمهم احيانا في صدارة نشرات الاخبار ..
ربما يقال ان صناعة الانظمة المحاصصية لاتتطلب جهدا فكريا ، ولاتتطلب اجتراح البنيوية ونشرها ، ولاتتطلب جهدا يضطلع به الفلاسفة والمفكرون ، فهذا قول يبسط الصراع ، ويدير الظهر الى الجانب الايديولوجي والفلسفي للصراع ، وهو جانب اكثر فاعلية مما نتصور في حواضرنا باعتبارنا امة متلقية لافاعلة في الاغلب .
للبنيوية كأي منهج جانب مدمر ، وان خطرها يتمثل في تلك التطبيقات التي ادت الى خلق انظمة مغلقة عصية على التغيير بالطرق السلمية ، انظمة تقوم على مفهوم النظام الطائفي ، من منظور غير مبسط ، لاحظ ان لفظ نظام هنا ليس لفظا هينا وهو ليس بالمعنى المتداول ، او هو ليس شتيمة كما تستخدمه وسائل الاعلام العربية .. انه نظام مغلق ، بالمعنى الذي يقول مهما كانت التغيرات داخل هذا النظام فأنها تصب لصالحه وتمده بالديمومة والاستمرار .. بكلمات اخرى ان الثورة عليه أمر غير ممكن ، لأن الاجماع الوطني الجماهيري مفقود ـ قابل للبنينة في اي لحظة صدام ـ ، او لأن كل حركة ثورية يمكن تصنيفها طائفيا وإن لم تكن فوجب تطييفها ( ومثاله الاعتصامات السلمية في العراق التي حولت الى صدامات فظهور داعش ذروة التصنيف الطائفي ) ، او في الاقل ان الانتخابات وعلى فرض نزاهتها فأنها عملية لاعادة انتاج النظام الطائفي ، وكل جولة انتخابية تكرسه اكثر .
فهل تنعدم وسائل التغيير ..؟
كلا بالطبع …

%d مدونون معجبون بهذه: