في مجموعته القصصية( المرأة الجدار).. فهد عنتر الدوخي صور ومشاهد تستغيثُ بخارطة الزمن ـ كريم اينا

فهد عنتر الدوخي

فهد عنتر الدوخي

كريم  اينا

كريم اينا

صدر للقاص والناقد العراقي فهد عنتر الدوخي مجموعة قصصية تحوي على قصص قصيرة بعنوان: المرأة الجدار” يقع الكتاب في (80) صفحة من الحجم المتوسط ضمّت مجموعته القصصية على (7) قصص تصميم غلاف المجموعة عامر صادق،وحسين يار تنضيد محمد عبدالله سنة الطبع 2013 طبعت المجموعة في مطبعة” فضولي” في محافظة كركوك،لقد قرأتُ مجموعته القصصية ثلاث مرات حتى إستطعتُ أن أمسكُ بخيوط كلّ قصة على حدة. أبدأ أولاً بقّصة مسرح وزنزانة يعمُّ غالباً في ثيمة سرده إسلوب النص الشعري بإستخدام مفردات جزلة تؤثّرُ في نفس المتلقّي، كوصف القاص فهد الرجل بالغراب لأنّهُ يمضي بنعيقه في فضاء خرب بعيداً عن صورة المرأة وحظها العاثر بما يرسم لها قدرها الأخير. صورة جميلة يستذكرها القاص في ص9 حين يقول: ” وبهذا الهراء قد نبش أطنان الفراغ العالق في سريرتها”. وترك معالم شخصيته ساطعةً في سمائه وأراهُ قد إستند إلى الهمزة المنفردة فكتبها” في سماءه” علماً يسبق السماء حرف جر. شحن القاص طاقته هنا بعضاً من الأقوال الشعرية في سرده” أيا ليتَ الشباب يعودُ يوماً” كدلالة مدوّية تمزّق الرتابة الموجودة داخل المنزل كما وصف شخصية سراج بالنور الذي ينهي الظلمة ويضع حدّاً لأوزار الحرب فيجيىءُ

بصورة غريبة حدّ التشاؤم في ص15 حيث يقول:” ستشرقُ فيه شمسُ السلام وتحفّ بلادنا ظلال الأمان”. وكما نعلم الظلال هي رمزاً للظلام والشر فكيف ذلك وأيضاً يؤكّد ذلك الشاعر الفرنسي بودلير في زهرة الشر. لكن كيف لخيوط الشمس بأن تحفّ البلاد بظلال الأمان؟!. ربّما يقصد بالظلال هنا الأفياء الوارفة تحت سقف الأشجار التي يستظلّ ويهنأ بها العشاق والناس الذين يتحلّون براحة البال. ربّما لكلّ حصان كبوة ولكلّ إنسان هفوة والصحوة التي إستخدمها القاص هنا كانت لتصّور الحصان ذاك الكائن الجميل الذي يتحمّل المشقّة وحمل الأثقال وهو مطبق بالصمت دون أن يُلملمُ جراحاته ويتعطّرُ بإنشغالاته. وقد دعم جملة سرده بآية قرآنية بصوت القارىء محمود خليل الحصري دلالة على الموروث الديني ممّا يُزيدُ من تماسك نصوصه السردية. أمّا قصّة المرأة الجدار التي أخذت حيّزاً كبيراً من مجموعته ممّا يظهرُ التضاد واضحاً في تنظيرات المرأة وهذا ممّا حدا بالقاص أن يجعلها عنواناً لمجموعته ربّما بعد سنوات سيظلُ الأفق مفتوحاً لهُ وكأنّه يغرفُ من البحر مفردات سرده بنزعة قريبة إلى الرومانسية حيث مزج الوعي باللاوعي ولهذا برز الغموض في بعض نصوصها السردية، حاولتُ قراءة قصّة المرأة الجدار بتمعّن كي أمسك بإلتواءاتها المتشابكة والتي تكادُ تكونُ مقاربة لإسلوب قصّة الإرجوحة لمحمد خضير وأحياناً تخرجُ عنها عندما الكلمة لا تكون في مكانها وبذلك قد تحدثُ تغييراً كبيراً في بعض نصوصها التي لا زالت تتفرّس خلال السنوات الثلاث ملامح وجه الحقيقة. أمّا قصّة الإنفلونزا…. بعيداً نجدُ فيها تناقضاً كبيراً لأفكار السرد بين الشخصية وأسرار العالم رغم سذاجتها فهو ما زال يتمتّع بها يبعثُ الرعب والكآبة في سمائها ويضرمُ شهيق الموت في وجه إمرأة معتمرة وجه الله وبهذا قد يصوّر واقع الحياة كمهنة التسوّل وهي بيئة ليست غريبة عليه ليشتّت أفكاره ويترنّح في فلكها مسكين الرصيف الذي يحظى بثقل ملايين السابلة ونظرات الشخصيات كلمّا وطأت أقدامها من المتاجر والأسواق والحانات والمرائب والحافلات لذلك إستخدم مفردة( تعجّ) بدل تفوحُ وقد وفّق فيها كونها كلمة تليقُ بالروائح الكريهة بينما مفردة تفوحُ ترجع للأزهار النضرة. ركّز كاتب هذه القصّة على تراث مصر الشعبي ففي ص45 حيث يقول: ” لله يا محسنين، حسنة قليلة تمحو سيئات كثيرة….. السخي حبيب الله….. أعطنا ممّا أعطاك الله”. وغيّر كلمة بلاوي بسيئات كون القصّة ثيمتها باللغة الفصحى وإذا ما تداركتها العامية ممكن أن تفقد بريقها. ربّما لم يوفّق القاص في تسمية قصّته والتي ه بعنوان: الإنفلونزا…..بعيداً لأنّها لم تخصُّ أجزاءها المفصّلة إلاّ في النهاية كان بالأحرى لو إختار إسماً أكثر إنشداداً يدلّلُ على شخصية القصّة مثلاً:” كإضطراب رصيف التسوّل” كذلك ركّز القاص فهد على العلاقة الجدلية التي تربطُ بين الليل والنهار ومشاغل الأسواق والمتاجر التي ما زالت تبرقُ في النهار أمّا الحانات والحافلات ممكن أن تدلّل على الليل البهيم. تذكّرني هذه القصّة بفلم عربي بطولته وحش الشاشة العربية الفنان المصري المرحوم فريد شوقي بدور والد بوسي والفنان فاروق الفيشاوي بدور عشيقها. فيظهر فريد شوقي نفسهُ متسوّلاً أعمى يغضب من الحياة فيضرب بعصاهُ سقف الغرفة فتنهال النقود عليه “تحويشة العمر” من مهنة التسوّل في كلّ حدب وصوب ولحظتها يسرق فاروق الفيشاوي النقود ويهرب بعيداً. أمّا قصّة وجوه تظهر فيها نصوص شعرية جميلة عندما يقول: ” وكعادته يسبحُ في بحر موشوم بالوهم والنفس مستلقية على ثرى السكون محجوبة عن عالم مدجّج بالأمنيات” علماً أنّ التدجيج يكونُ بالسلاح ويحقّ للشاعر والقاص القول ما لا يحقّ لغيرهما. تعبّرُ قصّة وجوه عن واقع العراق المرير الذي مرّ بحصار آسر ومن ثمّ الحروب الدامية التي أفرزت لعابها بلون قاتم. وتأتي بعدها قصّة الفيلم الذي أحدث رجّة في دماغ المدينة لامست نغمة عراقية أصيلة.. الليلة حلوة.. حيث إستذكر القاص أيّام الدراسة فرصد خواطره كشريط سينمائي لا ينتهي البتّة يبدأ من مكان باب المعظم بحثاً عن لفّة فلافل بنكهة صفار العنبة ومكان أبو نؤاس والجندي المجهول وما سمعهُ من أغاني أمّ كلثوم” كوكب الشرق” ورؤيته للفلم الهندي الجميل والذي عنوانهُ: ” أياما ديسكو دانصر” ينقلنا القاص بأحداث قصّته هذه من مكان عرض الفلم لحد باص الأمانة الأحمر ذو الطابقين وإلى بارك السعدون مع شم رائحة كباب كويسنجق. بهذه المشاهد السريعة ممّا تثري قوة أخرى لقصته لتغيير المكان بين الفينة والأخرى.وتظهر للقاص فهد قصّة أخرى بعنوان: أفكار من الزمن الغابر إنّ أجمل اللحظات في هذه القصّة تكاد تكون منسوجة من حلم السارد الذي لولاهُ لما عاش أمل دنقل وسيد مكاوي وجيفارا وغيرهم. تتحدّث شخصياته بصوت دافىء لا تقل ضبابيةً عن خمور التزحلق فيكادُ ينفخُ في شخصياته روحاً مبهرة ليكتمل عنصر الحبكة لديه وهنا كاد يمسكُ بالطفولة عند حافة قلعة أو بقايا دير. لدى القاص فهد خصوصية وسمات محددة تميّزهُ عن القصّاصين الآخرين من جيله متجاوزاً التشكل الجغرافي والفيزيائي المحسوس مستعيناً بالعقائد والقيم العربية الأصيلة. ممكن لهذه القصّة أن تصبح مشهداً مسرحياً رومانسياً لما تحفّ به من صور ومشاهد تستغيثُ بخارطة الزمن. إضطلعت لغة القصة لديه برقيها وفق مستوياتها النفعية والفنية لكونه يحلم بوحدة سردية تشبكُ مواقفها يداً بيد مقارنة بأهل المدينة عن الريف. إذاً إستطاع في سرده لحلم متأخر بأن يتعرّف على البعد الغير المرئي لشخصية القصّة بدلالة نيّته المتوازية للمكان ومن خلال الإسترجاع الذهني الموروث. وهنا تظهر النظرة التقديسية للفضاء الصوتي سواء يشير إلى الرمزية( الإنعطاف الباطني) زائداً الإيحاء والتفكير لسرده بالصور. وهنا قد أجاد القاص فهد في حدسه التفكيري للإشارة إلى رموز تكادُ تكون معقلُ البشروربّما قد تنفتح في أجنحتها لتأخذ مداها الأرحب في فضاء العمر. والقاص هنا يحاول التخفيف من وطأة هذا المشهد بصناعة مزحة ثقيلة أودت بإعطاب المشهد الأخير برمّته. ولا زالت مخيّلتهُ تصبو نحو الأفق لترسي بأفكار جديدة ترضخُ تحت البحث والإستنتاج. فنراهُ يشرع آفاقهُ في تشخيص طبيعة الواقعة المستعادة من المحمول المعرفي للمستور والمضمر فيتأطّر فيه الوجود الذاتي للشخصيات. إنّ جملة ما يرتكز عليه قاصنا الجميل هو إشتغالاته التعبيرية التي تكون أكثر إثارة وأبلغ حزناً وبهذا أتيحت لهُ الفرصة لإستخدم القاص مفردات غريبة على القارىء بلغة أدبية متجدّدة قد تحدث إنقطاعاً مفرطاً لأفكارنا المتصاعدة. ربّما هذا النوع من القص هو جديد في عالم الحداثة وبه يتمّ الولوج إلى عالم المعقول واللامعقول فنرى خارطة المرأة الجدار لا تقلّ روعة عن أيّ نصّ سردي في هذه المجموعة الذي يعبّرُ عن معاناة الإنسان أو فضح الواقع السيىء الذي نعيشهُ حالياً وأعتقد أنّي لم أعط لهُ حقه الكامل في نقد مجموعته القصصية” المرأة الجدار” بعيداً عن الإخوانيات والعلاقات الشخصية. أتمنّى له دوام الموفقية والتألّق في مجال الأدب القصصي في العراق والعالم العربي.

photo.php

 

%d مدونون معجبون بهذه: