تقريب وتهذيب نقض المنطق لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ عبد الباسط بن يوسف الغريب

1234690_197130337135595_917131103_nبسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل الله فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

ما اتفق عليه السابقون من علماء سلف هذه الأمة من ذم المنطق والتحذير منه , توصل إليه كثير من الباحثين من أهل الإسلام وغيرهم , وخذ مثالا على ذلك بأحد الكتاب الغربين وهو” بيير دي لارامي ” فهو من أوائل من حمل على منطق أرسطو وكتب في ذلك كتابه المشهور ” كل ما قاله أرسطو فهو وهم ” وكتب كذلك رسالته في الأخطار الرستوطالية , وهذا نذكره لندلل أن ذم المنطق مما اتفق عليه العقلاء ,وأن كثيرا من قواعده ومقدماته يرفضها العقل والفطرة .

وممن تميز بنقد المنطق ونقضه من علماء هذه الأمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ؛ وقد شهد بهذا التميز كثير من الباحثين .

وقد ذكر الشيخ سلطان العميري في كتابه ” تميز ابن تيمية في نقد المنطق ” (22) الأسباب , والأوصاف التي أوجبت تميز ابن تيمية في نقده للمنطق , وقد أرجعها إلى أوجه ثمانية وهي :

الأول: أنه تفطن لأصول المنطق الفلسفية التي بُني عليها، فإن كل منطق مرتبط بفلسفة معينة يبنى على أصولها، ولهذا اختلفت أنواع المنطق تبعًا لاختلاف أصول الفلسفات التي يمكن أن تأثر فيه، وفي هذا يقول زكي نجيب: « ما من موضوع من موضوعات المنطق إلا وتختلف النظرة إليه باختلاف المذهب الفلسفي الأساسي الذي يتجه إليه الباحث” .

فابن تيمية تفطن لهذه القضية فبنى نقده على أن المنطق الأرسطي مبني على أصول مخالفة للشرع والعقل باطلة في نفسها، وفي هذا يقول: « تبين لي أن كثيرًا مما ذكروه في أصولهم في الإلهيات وفي المنطق هو من أصول الفساد في الإلهيات، مثل ما ذكروه من تركب الماهيات من الصفات التي سموها ذاتيات …

الثاني: أنه استوعب مواطن الخلل في المنطق بالنقد، وتوسع فيه وتتبع تفاصيله، وهذا التوسع لا يوجد عند غيره ممن سبقه، فإن من نقده منهم يكتفي بالإجمال أو التفاصيل في بعض المسائل، ولم يستوعب المنطق في النقد، وهذا بخلاف ابن تيمية ؛فإنه تتبع المنطق في تفاصيله فنقد المنطق الأرسطي في قسميه: التصور والتصديق، ونقده في الدلالات وتفسيرها، وفي الكليات، وفي طريقة الحد، وفي الغرض من الحد، وفي القضايا، وفي تركب القياس، وفي طريقة القياس، وفي شروطه ومواده، بل وتكلم على الترجمة وعلى حال أرسطو ونازعهم حتى في حقيقة المنطق، وأنه آلة تعصم مراعاته الذهن عن الخطأ، ومع هذا فابن تيمية لم ينقد كل المنطق، لأن المنطق ليس كله باطلًا، وهذا الكلام يوضحه ما سيأتي بعده.

الثالث: تنوع الجهات التي ينقد ابن تيمية منها المنطق، فإنه في نقده للمنطق حاول أن يستوعب الجهات التي يمكن نقد المنطق منها، فهو تارة ينقده لبطلانه، وتارة ينقده لعدم فائدته، وتارة ينقده لطول مقدماته، وتارة ينقده لاشتباه الحق فيه بالباطل، وتارة ينقده لعدم موافقته للغة العرب، وتارة ينقده لعدم موافقته للغاية من العلم في الشريعة، وتارة ينقده لعدم موافقته للفطر ولتعامل الناس في حياتهم , ولا تكاد توجد هذه الجهات مجموعة عند غير ابن تيمية

واجتماع هذه الجهات في نقد المنطق عند ابن تيمية أوجبت أمرين:

الأول: جعلته من أعدل الناس في نقده للمنطق فهو ينقد المنطق لا لأجل أنه منطق أو لأجل أنه علم دخيل، أو لأجل شخص أرسطو فحسب ..

والثاني: قوة في الحجة ووضوح في البيان وهذا بخلاف من نقد المنطق لكونه مدخلاً للفلسفة ومدخل الشر شر، أو لكون المنطق لم يعرفه الصحابة والتابعون والسلف الصالح، أو لأجل حدوث مصطلحاته، فابن تيمية يبين حجته في نقده ويوضح قوله لا لمجرد هذه الاعتبارات فقط.

الرابع: ذكره لآثار المنطق والتنبيه عليها، فإنه لما ذكر خطأ المناطقة في الماهيات، وأنها إنما تتركب من الذاتيات وكونها سابقة على وجودها، ذكر ما ترتب على هذا من أغلاطهم كشبهة التركيب في نفي الصفات، ومسألة الألفاظ التي تطلق على الخالق وعلى العبد هل هي مقولة بالتواطؤ أم بالاشتراك؟ وغيرها من المسائل، ولما ذكر خطأهم في الكليات من جهة قولهم بوجودها في الخارج، وكونهم لم يفرقوا بين الوجود الذهني والوجود الخارجي ذكر ما ترتب على قولهم هذا من أغلاط كمسألة الأحوال ومسألة حقيقة وجود الله، وكون الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وذكر أثره في بعض مسائل أصول الفقه، كمسألة الواجب المخير، ومسألة الأمر بالشيء المطلق هل هو أمر بكل جزئياته أم لا؟ وغيرها من المسائل، ولهذا فإنه لما ذكر القول الصحيح في وجود الكليات وأن وجودها وجود ذهني قال: « وهذا الأصل ينفع في عامة العلوم، فلهذا يتعدد ذكره في كلامنا بحسب الحاجة إليه فيحتاج أن يفهم في كل موضع يحتاج إليه فيه، كما تقدم، وبسبب الغلط فيه ضل طوائف من الناس، حتى في وجود الرب تعالى …… ومن علم هذا علم كثيرًا مما دخل في المنطق من الخطأ في كلامهم في الكليات والجزئيات … ، وما ذكروه من الفرق بين الذاتيات واللوازم للماهية، وما ادعوه من تركيب الأنواع من الذاتيات المشتركة المميزة التي يسمونها الجنس والفصل، وتسمية هذه الصفات أجزاء الماهية، ودعواهم أن هذه الصفات التي يسمونها أجزاء تسبق الموصوف في الوجود الذهني والخارجي جميعًا، وإثباتهم في الأعيان الموجودة في الخارج حقيقة عقلية مغايرة للشيء المعين الموجود، وأمثال ذلك من أغاليطهم التي تقود من اتبعها إلى الخطأ في الإلهيات .

الخامس: ذكره للبديل عن المنطق في الحد وفي القياس، وهو ما يسمى بالجانب الإنشائي عند ابن تيمية، فإن ابن تيمية لم يكن نقده للمنطق نقدًا مجردًا، بل كان نقدًا وبِنَاءً في نفس الوقت، فقد استطاع ابن تيمية أن ينثر في كتابه “الرد على المنطقيين” وغيره من كتبه قواعد وأصول تكوِّن بمجموعها نظرية علمية في المنطق من الحدود والأقيسة والاستدلال وطرقه وأقسامه، وقواعد في طبيعة المعرفة البشرية المطلوبة، وهذه الجهة في التميز أشاد بها علي سامي النشار، فإنه يعتبر من أول من تنبه لها، ولهذا قسم نقد ابن تيمية للمنطق إلى جانب هدمي وإلى جانب إنشائي .

السادس: أن ابن تيمية سبق غيره ممن جاء بعده سواء في تقعيد بعض الأفكار وإنشائها أو في تفعيل بعضها وتطويرها، ومن هذه الأفكار:

الأولى: قصر التعريف على ذكر الخواص، وهذه الفكرة لم يتفرد بها ابن تيمية، ولكنه تميز بتفصيلها وتطويرها، وإلا فإن المتكلمين قد قالوا بها أيضًا، وهم قد سبقوا أصحاب المنطق الحديث في قولهم بقصر الاستقراء على الخواص.

والثانية: تفعيله للمنهج التجريبي في المعرفة، فليس هناك في الحقيقة من تكلم فيها قبل العصور الحديثة بما تكلم به ابن تيمية في هذا المنهج.

والثالثة: إنكاره لفكرة التصور المفرد الخالي عن كل قيد، وقرر أن التصور المفرد لا يسمى علمًا، ولا يتعلق به الإدراك، وهو يرى أن كل تصور وراءه حكم مكون من محمول وموضوع، وبهذا سبق “فيكتور كوزان” ومدرسته من المناطقة السيكلوجيين الذين اكتشفوا الأحكام الممكنة وعملها في تكوين التصورات.

والرابعة: فكرة اللزوم في الدليل وتفعيله لها، فإن الحقيقة المعتبرة في كل دليل عند ابن تيمية هي اللزوم، فكل ما استلزم شيئًا ما فهو دليل عليه، وكل من عرف أن هذا لازمًا لهذا استدل بالملزوم على اللازم، وبهذا أبطل أن يكون القياس الأرسطي هو الصورة الوحيدة للبراهين، وهو بهذا قد سبق المناطقة المحدثين في نقدهم للقياس الأرسطي من هذه الجهة.

السابعة: ومما يدل على تميّز ابن تيمية أنه ركّز في نقده على بيان خصوصية المنطق الأرسطي، وأنه منهج خاص لا يصلح أن يكون منهجًا يعمم على كل الناس، وهذا يبطل فكرة أرسطو التي أرادها لمنطقه، وأنه لا طريق للعلم عند كل الناس إلا طريقه، وقد بين ابن تيمية خصوصية منطق أرسطو بثلاثة طرق:

الأول: أن المنطق الذي جاء به أرسطو هو في حقيقته اصطلاح خاص به بنى الحقائق على مقتضاها.

والثاني: أن المنطق الأرسطي يبنى على مقتضى اللغة اليونانية.

والثالث: أنهم قالوا بالمنطق ليخدم علومهم فقط.

أما بالنسبة للأمر الأول وهو أن المنطق هو في الحقيقة اصطلاح خاص بأرسطو بنى الحقائق العلمية على مقتضاها، فأرسطو ومتبعوه جعلوا الحقائق تابعة لاصطلاحهم، ففرقوا بين الحقائق العلمية الخارجية بمصطلحاتهم الخاصة بهم، وحقيقة هذا الفعل هو أن الحقائق العلمية تكون تابعة لمصطلحات الناس، والاصطلاحات تابعة للتصورات، فعلى هذا تكون الحقائق الخارجية تابعة لتصوراتنا عنها، ومن المعلوم بداهة أن الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا، بل تصوراتنا تابعة لها، ولهذا لما ذكر ابن تيمية بطلان تفريقهم بين الذاتي والعرضي الملازم وأنه في الحقيقة لا فرق إلا في مجرد الاصطلاح، قال: « وهذا وضع مخالف لصريح العقل، وهو أصل صناعة الحدود الحقيقية عندهم، فتكون صناعة باطلة؛ إذ الفرق بين الحقائق لا يكون بمجرد أمر وضعي بل بما هي عليه الحقائق نفسها .

وأما الأمر الثاني الذي يدل على خصوصية المنطق الأرسطي أنه كتب على مقتضى اللغة اليونانية: « ولا يقول أحد إن سائر العقلاء يحتاجون إلى هذه اللغة » , ولا إلى شيء من قواعدها خاصّة وأنه قد اعترف الفارابي وابن سينا بأن بعض قضايا المنطق لا تجوز في اللغة العربية، ومثل اعتراف الفارابي بأن من إشكاليات الترجمة عدم وجود ألفاظ في العربية ما عند اليونان .

والثالث من الأمور التي تبين خصوصية منطق أرسطو: أن أرسطو وضع منطقه لتقاس به العلوم التي يطلبونها وهي العلوم الكلية؛ لأنه ظن أنها منتهى العلوم وأكملها، وأما العلوم الشرعية فلم يضع المنطق لها، وفي هذا يقول ابن تيمية: « معلمهم وضع منطقهم ليزن به ما يقولونه من هذه الأمور التي يخوضون فيها …

فإما أن يوزن بهذه الصناعة ما ليس من علومهم وما هو فوق قدرهم، أو يوزن بها ما يوجب السعادة والنعيم والنجاة من العذاب الأليم، فهذا أمر ليس هو فيها .

الثامنة: ومما يميّز ابن تيمية في نقده للمنطق أنه استغل تناقض حال المناطقة مع منطقهم واعترافهم بصعوبته وعسره، فقد ركز على هذا في بيان عدم صلاح المنطق لِأنْ يكون منهجًا للعلم ومعيارًا يصحح به طريقة التفكير ( ).

وقد لخص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلامه في نقض المنطق فقال : فاعلم أنهم بنوا المنطق على الكلام فى الحد ونوعه والقياس البرهانى ونوعه قالوا لأن العلم إما تصور وإما تصديق ؛فالطريق الذى ينال به التصور هو الحد والطريق الذى ينال به التصديق هو القياس.

فنقول :الكلام فى أربع مقامات مقامين سالبين ومقامين موجبين .

فالأولان أحدهما: فى قولهم أن التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد .

و الثانى: أن التصديق المطلوب لا ينال إلا بالقياس .

والآخران فى أن الحد يفيد العلم بالتصورات وأن القياس أو البرهان الموصوف يفيد العلم بالتصديقات ( ).

وعلى ذلك قمت بمحاولة جمع وجوه النقد التي ذكرها على الحد والقياس البرهاني , وما يتعلق بها من مسائل من المجلد التاسع من مجموع الفتاوى , والذي خصصه الشيخ ابن القاسم رحمه الله في الكلام على المنطق , وكذلك من كتاب شيخ الإسلام ” الرد على المنطقيين ” وقد قسمته إلى ثلاثة أقسام :

1- الرد العام .

2- الكلام على الحد وإفادته التصور .

3- الكلام على القياس البرهاني وإفادته التصديق .

وقد ذكرت قبل ذلك ملخصا سهلا في خلاصة علم المنطق , تسهيلا لفهم بعض مصطلحات هذا الفن .

وهذا العلم وإن كان كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لا يحتاج إليه طالب العلم ابتداء ؛ لكن قد يحتاج إليه في رد شبهات من يستخدمه للتشكيك في عقيدة السلف وإلقاء الشبهات .

وقد ذكر رحمه الله حال طالب العلم مع هؤلاء فقال : وإما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيا وإثباتا ؛ فإن امتنع عن التكلم معهم فقد ينسبونه إلى العجز والانقطاع .

وإن تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقا وباطلا , وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها ( ).

وقال أيضا : وبعض الناس يكون كلما كان الطريق أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له لأن نفسه اعتادت النظر فى الأمور الدقيقة ؛فإذا كان الدليل قليل المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به, ومثل هذا قد تستعمل معه الطرق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته لا لكون العلم بالمطلوب متوقفا عليها مطلقا. ( )

مقدمة في علم المنطق( )

علم المنطق : هو علم يبحث عن القواعد العامة للتفكير الصحيح .

العلم : هو انطباع صورة الشيء في الذهن :

ينقسم العلم إلى قسمين هما : التصوّر والتصديق .

1- التصوّر :

هو إدراك الشيء .أو إدراك بسيط لمعنى واحد مفرد كأن يتصور الإنسان معنى ( شجرة ) (شمس) أو بعبارة أخرى : استثبات معنى شيء مفرد في الذهن .

2- التصديق :

هو الاعتقاد بالشيء . أو إدراك تتصور فيه شيئين أو معنيين بينهما علاقة ما ؛ كأن تتصور أن ( الشجرة خضراء ) أو أن ( الشمس مضيئة ) أو بعبارة أخرى : إدراك معقد فيه حكم شيء على شيء .

ينقسم كل من التصور والتصديق إلى قسمين هما : الضروري والنظري

1- الضروري : وهو الإدراك البديهي الذي لا يتطلب تفكيراً .

2- النظري : هو الإدراك غير البديهي والذي يتطلب تفكيراً .

أمثلة :

‌أ- التصور الضروري : كتصورنا معنى الشيء وتصورنا معنى الوجود .

‌ب- التصور النظري : كتصورنا حقيقة الكهرباء .

‌ج- التصديق الضروري : كتصديقنا بأن الواحد نصف الاثنين .

‌د- التصديق النظري : كتصديقنا بأن الأرض متحركة وتصديقنا بأن زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين .

الدلالة

هي ما يوجب إدراك شيء بسبب إدراك شيء ملازم له .

أقسامها :

تنقسم الدلالة إلى الأقسام التالية :

1- الدلالة العقلية اللفظية – مثل : دلالة سماع الصوت خارج الدار على وجود متكلم.

2- الدلالة العقلية غير اللفظية – مثل : دلالة رؤية الدخان على وجود نار .

3- الدلالة الطبيعية اللفظية – مثل : دلالة لفظ (آخ) على التألم .

4- الدلالة الطبيعية غير اللفظية – مثل : دلالة سرعة حركة النبض على وجود الحمى .

5- الدلالة الوضعية غير اللفظية – مثل : دلالة إشارات السير الكهربائية على الاتجاه .

6- الدلالة الوضعية اللفظية – مثل : دلالة الألفاظ على معانيها ، كدلالة لفظ قلم على معناه .

أقسام الدلالة الوضعية اللفظية :

تنقسم الدلالة الوضعية اللفظية إلى ثلاث أقسام هي :

1- الدلالة المطابقية : وهي دلالة اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له . كدلالة لفظ (الدار) على جميع مرافقها .

2- الدلالة التضمنية : وهي دلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وضع له . كدلالة لفظ (الصف) على الطلاب فقط .

3- الدلالة الالتزامية : هي دلالة اللفظ على معنى ملازم للمعنى الذي وضع له . كدلالة لفظ ( حاتم ) على الكرم .

فمثلا : حينما يقال ( خالد حاتم ) لا يراد بكلمة حاتم هنا ( حاتم الطائي ) وإنما يراد وصف خالد بالكرم الملازم لحاتم الطائي .

فكلمة حاتم هنا استعملت في المعنى للازم ( وهو الكرم ) .

أنواع اللفظ

ينقسم اللفظ باعتبار المعنى الموضوع له أو المستعمل فيه إلى مختص ، ومشترك ، ومنقول ، ومرتجل ، وحقيقة ، ومجاز .

1- المختص : وهو اللفظ الذي له معنى واحد ، مثل : حديد ، حيوان .

2- المشترك : وهو اللفظ الذي له عدة معاني ، مثل : عين ، فهي تطلق على ينبوع الماء والذهب والعين الباصرة .

3- المنقول : وهو اللفظ الذي وضع لمعنى ثم استعمل في معنى آخر لوجود مناسبة بين المعنيين ، وهجر استعماله في المعنى الأول الذي وضع له . مثل : صلاة ، مذياع .

4- المرتجل : وهو اللفظ الذي وضع لمعنى ثم استعمل في معنى آخر مع عدم المناسبة بينهما . مثل : حارث ، أسد ، ( من أسماء الأعلام ) .

5- الحقيقة : وهي اللفظ المستعمل في معناه الذي وضع له . مثل : لفظ ( أسد ) حينما يستعمل في الحيوان الخاص .

6- المجاز : وهو اللفظ المستعمل في غير معناه الذي وضع له لوجود علاقة بين المعنيين . مثل : لفظ ( أسد ) حينما يستعمل في الرجل الشجاع .

المفرد والمركب

وينقسم اللفظ باعتبار دلالته على معناه إلى مفرد ومركب

1- المفرد

وهو اللفظ الذي لا يدل جزؤه على جزء معناه . مثل : محمد .

أقسامه :

ينقسم المفرد إلى ما يلي :

أ‌- الاسم – مثل : قلم ، مدرسة ، محمد ، ( وهو الاسم في علم النحو ) .

ب‌- الكلمة – مثل : ذهب ، يأكل ، اكتب ، ( وهي الفعل في علم النحو ) .

ت‌- الأداة – مثل : هل ، لم ، في ، ( وهي الحرف في علم النحو ) .

2- المركب

وهو اللفظ الذي يدل جزؤه على جزء معناه مثل : محمد نبي .

ينقسم المركب إلى ما يأتي :

أ‌- التأم : وهو الجملة التامة . مثل : محمد رسول الله .

ب‌- الناقص : وهو الجملة الناقصة . مثل : إذا ذهبت إلى الجامعة .

أقسام التام :

وينقسم المركب التام إلى قسمين أيضا هما :

1- الخبر : وهو الجملة التامة التي تحتمل الصدق والكذب مثل : خالد ناجح .

2- الإنشاء : وهو الجملة التامة التي لا تحتمل الصدق والكذب . مثل : ليت خالداً ناجح.

أنواع المعنى

ينقسم المعنى باعتبار وجوده إلى قسمين هما : المفهوم والمصداق .

1- المفهوم : وهو المعنى الموجود في الذهن .

2- المصداق : وهو المعنى الموجود في الخارج .

العلاقة بين المفهوم والمصداق

إن العلاقة بين المفهوم والمصداق هي علاقة انطباق المفهوم على مصداقه ، فمثلاً : ( الإنسان : حيوان ناطق ) مفهوم .

و ( محمد ، خالد ، زكي ، فاطمة ، سعاد ) – الذين ينطبق على كل واحد منهم أنه حيوان ناطق – مصاديقه .

أنواع المفهوم

وينقسم المفهوم إلى قسمين هما : الجزئي والكلي .

1- الجزئي

تعريفه : هو المفهوم الذي يمتنع انطباقه على أكثر من مصداق واحد – مثل : جعفر ، موسى، بغداد .

أقسامه :

ينقسم الجزئي إلى قسمين أيضا هما : الحقيقي والإضافي :

أ‌.الجزئي الحقيقي : ” هو الجزئي المتقدم الذي ينطبق عليه التعريف المذكور في أعلاه ”

ب‌.الجزئي الإضافي : وهو المفهوم المندرج تحت مفهوم أوسع منه – مثل : قحطان ، إنسان .

2- الكلي

تعريفه : هو المفهوم الذي لا يمتنع انطباقه على أكثر من مصداق واحد – مثل : إنسان ، كتاب ، مدرسة .

تقسيمه :

ينقسم الكلي إلى قسمين أيضا هما : المتواطئ والمشكك :

1- المتواطئ : هو الكلي الذي ينطبق عليه مصاديقه بالتساوي مثل : الإنسان ،فإن كل أفراده تشترك في معناه (الإنسانية )

2- المشكك : وهو الكلي الذي ينطبق على مصاديقه بالتفاوت مثل : الوجود ، البياض ؛ فالبياض مثلا هناك الأشد بياضا , فالقطن مثلا أشد بياضا من العاج , وإن كان كل منهما يقال له أبيض .

النسب الأربع

ويراد بها النسبة بين الكليين في مجال انطباق كل واحد منهما على مصاديق الآخر

مثلا النسبة بين الطائر والحيوان ، هي : أن الحيوان ينطبق على كل مصاديق الطائر ، والطائر ، ينطبق على بعض مصاديق الحيوان ( وهي مصاديق الطائر نفسه ) .

والنسب بين الكليين أربع هي :

1- التساوي : وتقع هذه النسبة بين كل كليين أو الذين ينطبق كل واحد منهما على جميع مصاديق الآخر . مثل : الإنسان والناطق .

فإن مفهوم الإنسان ينطبق على كل مصاديق الناطق . وكذلك مفهوم الناطق ينطبق على كل مصاديق الإنسان فيقال : كل إنسان ناطق ، وكل ناطق إنسان .

2- التباين : وتقع هذه النسبة بني الكليين اللذين لا ينطبق كل واحد منهما على شيء من مصاديق الآخر . مثل : الحيوان والجماد .

فإن مفهوم الحيوان لا ينطبق على شيء من مصاديق الجماد وكذلك مفهوم الجماد لا ينطبق على شيء من مصاديق الحيوان فيقال : لا شيء من الحيوان بجماد ، ولا شيء من الجماد بحيوان .

3- العموم والخصوص مطلقا : وتقع هذه النسبة بين الكليين اللذين ينطبق أحدهما على جميع مصاديق الآخر ، وينطبق الآخر على بعض مصاديقه . مثل : الحيوان والطائر .

فإن مفهوم الحيوان ينطبق على كل مصاديق الطائر ، ومفهوم الطائر لا ينطبق إلا على بعض مصاديق الحيوان ( وهي مصاديق الطائر نفسه ) فيقال : كل طائر حيوان ، وبعض الحيوان طيور .

4- العموم والخصوص من وجه ( أي من جانب ) : وتقع هذه النسبة بين الكليين اللذين ينطبق كل واحد منها على بعض مصاديق الآخر ويفترق كل منهما في الانطباق على مصاديق أخرى .

فإن مفهوم الحيوان ينطبق على بعض مصاديق الأبيض ( وهي الحيوانات البيضاء ) ، ويفترق عن مفهوم الأبيض في انطباقه على الحيوانات غير البيضاء .

ومفهوم الأبيض ينطبق على بعض مصاديق الحيوان ( وهي الحيوانات البيضاء ) ، ويفترق عن مفهوم الحيوان في انطباقه على الأشياء البيضاء غير الحيوان ، فنقطة الالتقاء بين مفهومي الأبيض والحيوان هي : الحيوانات البيضاء .

الكليات الخمسة

تنقسم الكليات الخمسة إلى قسمين هما : الذاتي والعرضي :

1- الذاتي :

تعريفه :

الذاتي هو الكلي الذي يعد حقيقة مستقلة أو جزء حقيقة .

مثل ( الإنسان ) الذي يعد حقيقة مستقلة ، و ( الحيوان ) الذي يعد جزء حقيقة الإنسان المؤلفة من ( الحيوان والناطق ) . و ( الناطق ) الذي يعد جزء حقيقة الإنسان أيضا .

تقسيمه :

ينقسم الذاتي إلى ما يلي :

‌أ- النوع : وهو الكلي المنطبق على جزئيات ذات حقيقة واحدة مثل ” الإنسان ” المنطبق على : خالد وعلي وأحمد وما ماثلها من الجزئيات المتفقة في حقيقة الإنسانية .

‌ب- الجنس : وهو الكلي المنطبق على أنواع مختلفة مثل : ” الحيوان ” المنطبق على : الإنسان والطير والسمك .

‌ج- الفصل : وهو الكلي المميز للنوع عن الأنواع المشاركة له في الجنس مثل “الناطق” المميز لنوع ( الإنسان ) عن الأنواع المشاركة له في جنس ” الحيوان ” كنوع الأسد ، ونوع الطير ، ونوع الفيل ، ونوع السمك .

2- العرضي

تعريفه :

هو الكلي الذي يعد وصفا للحقيقة مثل : ( الضاحك ) الذي يعد وصفا للإنسان ومثل: ( الماشي ) الذي يعد وصفا للإنسان والفرس .

تقسيمه :

ينقسم إلى ما يلي :

1- الخاصة : وهي الكلي المختص وصفا لنوع واحد مثل ( الضاحك ) المختص صفة للإنسان .

2- العرض العام : وهو الكلي العام وصفا لأنواع مختلفة مثل ( الماشي ) العام صفة للإنسان والفرس والأسد والفيل .

تقسيم الجنس

ينقسم الجنس إلى ما يلي :

1- الجنس القريب : وهو أقرب جنس إلى نوعه : مثل ” الحيوان ” بالإضافة إلى الإنسان .

2- الجنس البعيد : وهو ما يقع بعد الجنس القريب مثل : ” الجسم الحي ” بالإضافة إلى الإنسان . فإنه يقع بعد الحيوان ” إنسان – حيوان – جسم حي ”

تقسيم الفصل

وينقسم الفصل إلى ما يلي :

1- الفصل القريب : وهو أقرب فصل إلى نوعه مثل : ” الناطق ” بالإضافة إلى الإنسان .

2- الفصل البعيد : وهو ما يقع بعد الفصل القريب مثل :” الحساس المتحرك بالإرادة” – الذي هو فصل لنوع الحيوان – بالإضافة إلى الإنسان .

التعريف

تعريفه : هو بيان حقيقة الشيء أو إيضاح معناه .

أقسامه :

ينقسم التعريف إلى الآتي :

1- الحد التام : وهو التعريف بالجنس والفصل القريبين مثل : الإنسان : حيوان ناطق.

2- الحد الناقص : وهو التعريف بالجنس البعيد والفصل القريب أو بالفصل وحده مثل: الإنسان : جسم حي ناطق ، أو الإنسان : ناطق .

3- الرسم التام : وهو التعريف بالجنس والخاصة مثل : الإنسان : حيوان ضاحك .

ومن الرسم التام : التعريف بالمثال

والتعريف بالمثال : هو التعريف بذكر مصداق من مصاديق الشيء المعرف . كقولنا الإنسان : مثل محمد وخالد وعبد الله .

4- الرسم الناقص وهو التعريف بالخاصة وحدها . مثل : الإنسان : ضاحك .

ومن الرسم الناقص : التعريف بالتشبيه :

والتعريف بالتشبيه : هو التعريف بذكر ما يشبه الشيء المعرف مثل : الكليان المتباينان كالخطين المتوازيين .

ومن الرسم الناقص أيضا : التعريف بالقسمة

والتعريف بالقسمة : هو التعريف بذكر أقسام الشيء المُعرف مثل : الكلمة ، اسم وفعل وحرف .

شروط التعريف

يشترط في التعريف ما يلي :

1- أن يكون التعريف مساويا للشيء المعرف في الانطباق على مصاديقه .

فمثلاً حينما نعرف الإنسان بأنه ( حيوان ناطق ) يشترط في تعريفه هذا أن يصبح انطباقه على كل مصاديق الإنسان ، وعدم انطباقه على غيرها ، أو على بعضها فقط .

وعلى ضوئه : لا يجوز التعريف بما يأتي :

‌أ- التعريف بما هو أعم من الشيء المعرف مثل : ( الإنسان : حيوان يمشي على رجلين ) . لأن هذا التعريف ينطبق على الإنسان وعلى غيره من الحيوانات التي تمشي على رجلين .

‌ب- التعريف بما هو أخص من الشيء المعرف مثل : ( الإنسان : حيوان متعلم ) .

لأن هذا التعريف لا ينطبق على جميع مصاديق الإنسان ، وإنما على بعضها فقط وهم الناس المتعلمون .

ث‌- التعريف بما هو مباين للشيء المعرف مثل : ( الإنسان : جماد ) .

لأن المتباينين – كما تقدم في موضوع النسب الأربع – لا ينطبق كل واحد منهما على شيء من مصاديق الأخر .

2- أن يكون التعريف بما هو أوضح وأجلى من الشيء المعرف لدى المخاطب . وعلى ضوئه : لا يجوز التعريف بما يأتي :

أ‌- التعريف بما يساوي الشيء المعرف بالوضوح . مثل : تعريف الأب بأنه والد الابن ، وتعريف الابن بأنه ولد الأب .

لأن الابن والأب متساويان في الوضوح ، وليس احدهما أوضح من الآخر حتى يعرف به .

ب‌- التعريف بما هو أخفى من الشيء المعرف ، مثل : ( النور : قوة تشبه الوجود ) .

لأن الشيء المعروف – هنا – وهو النور – أوضح من التعريف لدى المخاطب ، فلا يتحقق المطلوب من التعريف وهو بيان الحقيقة أو إيضاح المعنى .

3- أن يكون التعريف بألفاظ تغاير الشيء المعرف في مفهومه : مثل ( الإنسان : حيوان ناطق ) .

فإن مفهومي الحيوان والناطق مغايران لمفهوم الإنسان وفي ضوئه . لا يجوز التعريف بألفاظ هي نفس الشيء المعرف في المفهوم مثل : ( الإنسان : بشر ) . فإن مفهوم ( الإنسان ) ومفهوم ( بشر ) شيء واحد .

4- أن يكون التعريف بما لا يتوقف معرفته على معرفة نفس الشيء المعرف ، مثل : ( الإنسان : حيوان ناطق ) . فإن معرفة ( الحيوان ) ومعرفة ( الناطق ) لا تتوقفان على معرفة الإنسان . وفي ضوئه : لا يجوز التعريف بما تتوقف معرفته على معرفة نفس الشيء المعرف : مثل : ( الشمس : كوكب يرى في النهار ) .

في حين أن معرفتنا للنهار تتوقف على معرفتنا للشمس لأن النهار هو زمان رؤية الشمس .

4- أن يكون التعريف بألفاظ واضحة المعاني غير مبهمة أو غامضة .

التقسيم والتصنيف

التقسيم

تعريفه

التقسيم ( القسمة ) : هو تجزئة الشيء إلى أنواعه أو تحليله إلى عناصره .

أنواعه :

تتنوع القسمة إلى نوعين هما : القسمة الطبيعية والقسمة المنطقية .

1- القسمة الطبيعية : هي تحليل الشيء إلى أجزائه التي يتألف . مثل : تقسيم الماء إلى عنصري الأوكسجين والهيدروجين . وقسمة الزجاج إلى عنصري الرمل وثاني أوكسيد السلكون وهكذا …

2- القسمة المنطقية : هي تحليل الشيء إلى أنواعه التي ينطبق عليها . مثل : تقسيم الكلمة إلى الاسم والفعل والحرف وقسمة الزاوية إلى الحادة والقائمة والمنفرجة .

شروط القسمة المنطقية

يشترط في القسمة المنطقية ما يلي :

1- فرض أساس واحد للتقسيم .

فلا تسح قسمة الشيء الواحد على أكثر من أساس في آن واحد .

2- مساواة مصاديق الاقسام إلى مصاديق المقسم .

ويراد به أن كل مصداق ينطبق عليه القسم لا بد وأن ينطبق عليه المقسم .

3- عدم تداخل الأنواع .

فمثلا لا يصح تقسيم الحيوان ذي العمود الفقري إلى ما له رئة وما له ثدي ، لأن الثدييات من ذوات الرئة .

4- اتصال حلقات السلسلة .

القضايا

تعريفها :

القضية : هي الخبر .

تقسيمها :

تنقسم القضية إلى قسمين هما : الحملية والشرطية .

1- الحملية

تعريفها :

الحملية : هي ما حكم فيها بثبوت شيء لشيء أو نفي شيء عن شيء .

مثل : خالد حاضر ، طالب ليس بغائب .

تتألف القضية الحملية من ثلاثة أركان هي :

1- المحكوم عليه ، ويسمى ( الموضوع ) .

2- المحكوم به ، ويسمى ( المحمول ) .

3- الحكم : ويسمى ( النسبة ) .

ففي المثالين المتقدمين :

الموضوع : خالد ، طالب .

المحمول : حاضر ، ليس بغائب .

النسبة : في المثال الأول : ثبوت الحضور لخالد , في المثال الثاني : نفي الغياب عن الطالب .

2- الشرطية

تعريفها :

الشرطية : هي ما حكم فيها بوجود نسبة بين قضية وأخرى أو عدم وجود نسبة بينهما .

مثل : إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود .

ليس كلما دق الجرس فقد حان وقت الدرس .

تأليفها :

تتألف القضية الشرطية من ثلاثة أركان هي :

1- المقدم : وهو في المثال الأول : أشرقت الشمس ، وفي المثال الثاني : دق الجرس .

2- التالي : وهو في المثال الأول : النهار موجود ، وفي المثال الثاني : قد حان وقت الدرس .

3- الرابطة : وهي أدوات الربط : كإذا والفاء في المثال الأول ، وكلما والفاء في المثال الثاني .

تقسيم القضية :

وتنقسم القضية – حملية كانت أو شرطية – إلى قسمين هما الموجبة والسالبة .

1- الموجبة : هي القضية المثبتة . مثل : المدرسة الكبيرة .

إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود .

2- السالبة : هي القضية المنفية . مثل : خالد ليس بغائب .

ليس كلما دق الجرس فقد حان وقت الدرس .

أقسام الحملية

وتنقسم القضية الحملية – موجبة كانت أو سالبة – باعتبار موضوعها إلى :

شخصية وطبيعية ومهملة ومحصورة

1- الشخصية : وهي ما كان موضوعها جزئيا ، مثل : البصرة ميناء العراق ، محمود ليس بمجتهد .

2- الطبيعية : وهي ما كان موضوعها كليا ، ووجهنا الحكم فيها عليه بصفته كليا ، مثل : الإنسان نوع ، الضاحك ليس بجنس .

3- المهملة : وهي ما كان موضوعها كليا ووجهنا الحكم فيها على مصاديقه مع إهمال بيان كمية المصاديق المحكوم عليها مثل : الإنسان في خسر ، الطالب المجد لا يرسب .

4- المحصورة : وهي ما كان موضوعها كليا ووجهنا الحكم فيها على مصاديقه مع حصر كمية المصاديق المحكوم عليها كلا أو بعضا . مثل : كل نبي مبعوث من قبل الله ، بعض الطلاب فقراء .

والقضية المحصورة هي المعتبرة في المنطق , فالمنطق يهتم فقط بدراسة القضية المحصورة بأقسامها .

تقسيم المحصورة :

وتنقسم القضية المحصورة إلى قسمين هما الكلية والجزئية :

1- الكلية : وهي ما حكم فيها على جميع المصاديق ، مثل : كل نفس ذائقة الموت . لا شيء من الكسل بنافع .

2- الجزئية : وهي ما حكم فيها على بعض المصاديق ، مثل : بعض المدارس دينية . بعض الطلاب ليسوا بمجتهدين .

وتنقسم الحملية الموجبة فقط على اعتبار مواقع وجود موضوعها إلى ثلاثة أقسام هي :

1- الذهنية : وهي ما كان موقع موضوعها الذهن مثل : شريك الخالق مستحيل . فإن مفهوم شريك الخالق لا موقع له إلا الذهن ليس له مصداق في الواقع الخارجي.

2- الخارجية : وهي ما كان موضوعها الخارج ، ومعناه : أن الحكم فيها يوجه إلى مصاديق الموضوع الموجودة في الخارج مثل : كل طالب يحضر درسه غدا ، فإن المقصود بكل طالب – هنا – الطلاب الموجودون حاليا .

3- الحقيقية : وهي ما كان موقع موضوعها الخارج الحاضر والمستقبل . ومعناه : ان الحكم فيها يوجه إلى مصاديق الموضوع الموجودة في الخارج والتي ستوجد في المستقبل ، مثل : كل من قال : ( لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مسلم ) فإن المقصود بذلك كل من قال كلمة الشهادة من الناس الموجودين في الخارج الحاضر والذين سيوجدون في المستقبل .

أقسام الشرطية :

تنقسم القضية الشرطية إلى متصلة ومنفصلة :

1- المتصلة :

تعريفها :

المتصلة : هي ما حكم فيها بالاتصال بين قضيتين أو بنفي الاتصال بينهما .

مثالها :

إذا أشرقت الشمس فالنهار موجود .

ليس كلما دق الجرس فقد حان وقت الدرس .

تقسيمها :

تنقسم المتصلة إلى ما يلي :

أ‌- اللزومية : وهي التي بين مقدمها وتاليها اتصال حقيقي مثل : إذا سخن الماء فإنه يتمدد .

ب‌- الاتفاقية : وهي التي ليس بين مقدمها وتاليها اتصال حقيقي مثل : كلما دق الجرس تأخر زكي قليلا عن الدخول إلى الصف (إذا اتفق ذلك دائما)

2- المنفصلة :

تعريفها :

المنفصلة : هي ما حكم فيها بالانفصال بين قضيتين أو بنفي الانفصال بينهما .

مثالها :

العدد أما أن يكون فردا أو زوجا ، ليس الإنسان أما أن يكون كاتبا أو شاعرا .

تقسيمها :

تنقسم المنفصلة إلى ما يلي :

أ‌- العنادية : وهي التي بين مقدمها وتاليها تناف وعناد حقيقي مثل : العدد الصحيح إما أن يكون زوجا أو مفردا .

ب‌- الاتفاقية : وهي التي بين مقدمها وتاليها تناف اتفاقي غير حقيقي مثل : إما أن يكون المدرس في الصف الأول عليا أو أحمد ( إذا اتفق أن غيرهما من المدرسين لا يأتون إلى الصف الأول ) .

أقسام الشرطية المنفصلة

(أ‌) مانعة الجمع وهي التي يحكم فيها بالتنافي بين طرفيها صدقا ,أي في حالة صدق أحد الطرفين فلا بد أن ينتفي الآخر , فهما لا يجتمعان أبدا .

مثاله : إما أن يكون هذا الشيء أبيض أو أسود , فهذه قضية شرطية منفصلة وهي (مانعة جمع ) لأن طرفيها لا يجتمعان معا في شيء واحد أبدا بينما يمكن أن يخلوا معنا عن الشيء فيكون أصفر أو أخضر مثلا .

(ب‌) مانعة الخلو , وهي التي يحكم فيها بالتنافي بين طرفيها كذبا فقط , أي في حالة كذب أحد الطرفين (أي : ارتفاعه ) فلا بد أن يثبت الآخر .بعبارة أخرى لا يمكن أن يرتفعا معا وإن أمكن أن يجتمعا.

مثاله :هذا الشيء إما أن يكون غير أبيض أو غير أسود . فهذان الطرفان يمكن أن يجتمعا فيكون الشيء أحمر مثلا لأنه يقال فيه : إنه غير أبيض وغير أسود , لكن لا يمكن لهذين الطرفين أن يرتفعا معا (أي : يكذبا معا) لأن معنى ارتفاعهما معا ارتفاع جميع الألوان عن الشيء فلا يكون ذا لون وهذا أمر غير ممكن .

(ج) مانعة جمع وخلو , وتسمى المنفصلة الحقيقية لأن طرفيها لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا . وبعبارة أخرى : ما حكم فيها بالتنافي بين طرفيها صدقا وكذبا .

مثاله :العدد إما زوج وإما فرد , فالطرفان هنا لا يجتمعان معا (أي :لا يصدقان ) ولا يخلوان معا (أي : لا يكذبان ) فلا يتصور العقل عددا هو زوج وفرد معا , ولا يتصور العقل عددا هو لا زوج ولا فرد .

الاستدلال

تعريفه

الاستدلال : إقامة الدليل لإثبات المطلوب .

تقسيمه :

ينقسم الاستدلال إلى قسمين هما :

1- الاستدلال غير المباشر : وله ثلاث طرائق هي : التناقض ، العكس المستوي ، عكس النقيض .

2- الاستدلال المباشر : وله ثلاث طرائق هي : القياس ، الاستقراء ، التمثيل .

الاستدلال غير المباشر

تعريفه : الاستدلال غير المباشر : هو إقامة الدليل على لازمه المطلوب لإثباته :

يستعمل الاستدلال غير المباشر في القضايا التي يصعب أو يمتنع الاستدلال المباشر عليها .

التلازم بين القضيتين

إن أنواع التلازم بين القضيتين التي يقوم الاستدلال غير المباشر على أساس منها ، وهي ما يلي :

1- لزوم صدق القضية الثانية ( المطلوب ) لكذب القضية الأولى ( المبرهن عليها ) .

2- لزوم كذب القضية الثانية ( المطلوب ) لصدق القضية الأولى ( المبرهن عليها ) .

3- لزوم صدق القضية الثانية ( المطلوب ) لكذب القضية الأولى ( المبرهن عليها ) .

4- لزوم كذب القضية الثانية ( المطلوب ) لصدق القضية الأولى ( المبرهن عليها ) .

طرائق الاستدلال غير المباشر

للاستدلال غير المباشر – كما تقدم – ثلاث طرائق هي :

التناقض ، العكس المستوي ، عكس النقيض :

التناقض

التناقض : هو تلازم قضيتين يوجب صدق أحداهما وكذب الأخرى .

مجال استعماله :

يستعمل التناقض في القضايا من النوعين الأول والثاني من أنواع التلازم بين القضيتين وهما :

أ‌- لزوم صدق القضية الثانية ( المطلوب ) لكذب القضية الأولى ( المبرهن عليها ) .

ب‌- لزوم كذب القضية الثانية ( المطلوب ) لصدق القضية الأولى ( المبرهن عليها ) .

شروطه :

يشترط في التناقض أن يكون بين القضيتين اتحاد في أمور واختلاف في أخرى وهي ما يلي :

أ- شروط الاتحاد ، وتسمى ( الوحدات الثمان )

1- الاتحاد في الموضوع . فلو اختلفت القضيتان في الموضوع لم تتناقضا مثل : علي تلميذ – أحمد ليس بتلميذ .

2- الاتحاد في المحمول .

3- الاتحاد في الزمان .

4- الاتحاد في المكان .

5- الاتحاد في القول والفعل .

6- الاتحاد في الكل والجزء .

7- الاتحاد في الشرط .

8- الاتحاد في الإضافة .

ب- شروط الاختلاف

1- الاختلاف بالكم ( الكلية والجزئية ) .

2- الاختلاف في الكيف ( الإيجاب والسلب ) .

نتائج الاختلاف :

وفي ضوئه تكون نتائج الاختلاف كالآتي :

الموجبة الكلية نقيض السالبة الجزئية

الموجبة الجزئية نقيض السالبة الكلية

العكس المستوي

تعريفه :

العكس المستوي : هو تبديل طرفي القضية مع بقاء الكيف والصدق .

شرح التعريف :

المراد بالتبديل – هنا – هو : تحويل موضوع القضية ( المحكوم بصدقها ) إلى محمول ، وتحويل محمولها إلى موضوع أو تحويل المقدم تاليا والتالي مقدما مع ا لمحافظة على بقاء الصدق وبقاء الكيف ( الإيجاب والسلب ) .

وتسمى القضية الأولى بـ ( الأصل )

وتسمى القضية الثانية بـ ( العكس المستوي )

مجال استعماله :

يستعمل العكس المستوي في القضايا من النوع الثالث من أنواع التلازم بين القضيتين وهو :

لزوم صدق القضية الثانية ( المطلوب ) لصدق القضية الأولى ( المبرهن عليها ) .

شروطه :

يشترط في العكس المستوي ما يلي :

1- تبديل الطر فين .

2- بقاء الكيف .

3- بقاء الصدق .

نتائجه :

ومع توفر الشروط المتقدمة تكون نتائج العكس المستوي هي ما يلي :

1- الموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية

كل ماء سائل يصدق بعض السائل ماء

كل إنسان ناطق يصدق بعض الناطق إنسان

2- الموجبة الجزئية تنعكس موجبة جزئية

بعض السائل ماء يصدق بعض الماء سائل

بعض الماء سائل يصدق بعض السائل ماء

بعض الطير أبيض يصدق بعض الأبيض طير

بعض الإنسان ناطق يصدق بعض الناطق إنسان

3- السالبة الكلية تنعكس سالبة كلية

لا شيء من الحيوان بجماد يصدق لا شيء من الجماد بحيوان .

4- السالبة الجزئية : لا عكس لها ، وذلك لتخلف إنتاج الاستدلال في بعض صورها وهي : فيما إذا كان موضوع القضية السالبة الجزئية أعم من محمولها ( بعض الحيوان ليس بإنسان ) فإنه لا يصح أن يقال ( لا شيء من الإنسان بحيوان ) أو ( بعض الإنسان ليس بحيوان ) ، لأنهما كاذبتان ، وتقدم أن من شروط العكس المستوي بقاء الصدق .

عكس النقيض

تعريفه :

عكس النقيض : هو تحويل القضية إلى قضية أخرى موضوعها نقيض محمول القضية الأولى ، ومحمولها نقيض موضوع القضية الأولى ، مع بقاء الكيف والصدق .

مثاله :

كل كاتب إنسان . تنعكس : كل إنسان هو لا كاتب .

مجال استعماله :

يستعمل عكس النقيض في نفس المجال الذي يستعمل فيه العكس المستوي وهو النوع الثالث من أنواع التلازم وهو :

لزوم صدق القضية الثانية ( المطلوب ) لصدق القضية الأولى ( المبرهن عليها ) .

شروطه :

يشترط في عكس النقيض ما يلي :

1- تبديل طرفي القضية مع قلب الطرف إلى نقيضه ، أي تحويل نقيض محمول القضية الأولى موضوعا للقضية الثانية ونقيض موضوع القضية الأولى محمولا للقضية الثانية .

2- بقاء الكيف : أي القضية الموجبة تبقى موجبة بعد التبديل ، والسالبة تبقى سالبة كذلك .

3- بقاء الصدق : أي يراعى أن لا يكون تبديل الطرفين موجبا لكذب القضية الثانية.

نتائجه :

مع توفر الشروط المذكورة تكون نتائج عكس النقيض كما يلي :

1- السالبة الكلية تنعكس سالبة جزئية

لا شيء من الإنسان بجماد يصدق بعض اللاجماد ليس بلا إنسان .

2- السالبة الجزئية تنعكس سالبة جزئية

بعض المعادن ليس بحديد يصدق بعض اللا حديد ليس بلا معدن

3- الموجبة الكلية تنعكس موجبة كلية

كل كاتب إنسان يصدق كل لا إنسان لا كاتب

4- الموجبة الجزئية : لا تنعكس وذلك لتخلف إنتاج الاستدلال فيها ، فمثلا : قضية ( بعض اللا حديد معدن ) لا تنعكس إلى ( بعض اللا معدن حديد ) ولا إلى ( كل لا معدن حديد ) لأنهما كاذبتان ، وتقدم أن من شروط عكس النقيض بقاء الصدق .

الاستدلال المباشر

تعريفه :

الاستدلال المباشر : هو إقامة الدليل على المطلوب لإثباته .

طرائقه :

للاستدلال المباشر ثلاث طرائق وهي :

القياس ، الاستقراء ، التمثيل

القياس

تعريفه :

القياس : هو تطبيق القاعدة الكلية على جزئياتها لمعرفة حكم الجزئيات .

مصطلحاته :

للقياس مصطلحات خاصة به ، وهي :

1- ( صورة القياس ) وهي شكل تأليفه وتركيبه ، والقياس يتألف من مقدمتين – كما سيأتي – مثل : الحديد معدن – كل معدن عنصر بسيط .

فالمجموع بهذا الوضع الخاص من الترتيب – والذي سيتضح فيما بعد – يسمى صورة القياس .

2- ( المقدمة ) – وتسمى ( مادة القياس ) أيضا – : وهي كل قضية يتألف منها صورة القياس .

فقضية ( الحديد معدن ) في المثال المتقدم مقدمة وكذلك قضية ( كل معدن عنصر بسيط ) مقدمة . وتنقسم المقدمة إلى قسمين هما : الصغرى والكبرى .

3- ( الصغرى ) وهي المقدمة التي تشمل على الجزئي الذي يطلب معرفة حكمه عن طريق الاستدلال بالقياس وتقع المقدمة الأولى للقياس ، كالمقدمة ( الحديد معدن ) في المثال .

4- ( الكبرى ) وهي المقدمة التي تؤلف القاعدة الكلية التي يعمد إلى تطبيقها على الجزئي لمعرفة حكمه عن طريق الاستدلال بالقياس وتقع المقدمة الثانية للقياس كالمقدمة ( وكل معدن عنصر بسيط ) في المثال .

5- ( الحدود ) وهي مفردات المقدمتين : – الموضوع والمحمول أو المقدم والتالي . مثل: ( الحديد – معدن – معدن – عنصر بسيط ) في المثال .

6- ( النتيجة ) : وهي القضية التي ينتهي إليها بعد تطبيق الكبرى على الصغرى . مثل: ( الحديد عنصر بسيط ) في المثال .

7- ( المطلوب ) : وهي النتيجة قبل مزاولة تطبيق الكبرى على الصغرى .

أقسامه :

ينقسم القياس إلى قسمين هما : الاستثنائي والاقتراني

1- القياس الاستثنائي : وهو ما صرح في مقدمتيه بالنتيجة أو بنقيضها ( مثاله ) :

أ- إن كان هاشم عالما فواجب احترامه – لكنه عالم فهاشم واجب احترامه .

ب- ولو كان زيد عادلا فهو لا يعصي الله – ولكنه قد عصى الله ، ما كان زيد عادلا .

2- القياس الاقتراني : وهو ما لم يصرح في مقدمته بالنتيجة ولا بنقيضها . ( مثاله ) العالم متغير – وكل متغير حادث فالعالم حادث .

أقسام الاقتراني :

وينقسم القياس الاقتراني إلى قسمين أيضا هما : الحملي والشرطي .

1- الاقتراني الحملي : وهو مؤلف من قضايا حملية فقط : ( مثاله ) : الحمامة طائر – وكل طائر حيوان فالحمامة حيوان .

2- الاقتران الشرطي : وهو المؤلف من قضايا شرطية فقط أو قضايا حملية وشرطية (مثاله) :

أ‌- الاسم كلمة – والكلمة إما مبنية أو معربة . فالاسم إما مبني أو معرب .

ب‌- كلما كان الماء جاريا كان معتصما – وكلما كان معتصما كان لا ينجس بملاقاة النجاسة .

كلما كان الماء جاريا , كان لا ينجس بملاقاة النجاسة .

الاقتراني الحملي

حدوده :

تنقسم حدود الاقتراني الحملي إلى ثلاثة أقسام هي :

1- الأوسط : وهو الحد المتكرر في المقدمتين .

2- الأصغر : وهو الحد المذكور في الصغرى فقط .

3- الأكبر : وهو الحد المذكور في الكبرى فقط .

القواعد العامة

1- تكرر الحد الاوسط .

2- ألا يتألف من سالبتين .

3- يتألف من جزئيتين .

4- ألا يتألف من صغرى سالبة وكبرى جزئية .

5- أن تكون تابعة لأضعف المقدمتين .

الأشكال الأربعة

ينقسم الاقتراني باعتبار كيفية وضع الحد الأوسط في مقدمتيه إلى أربعة أقسام تسمى بـ (الأشكال الأربعة ) وهي :

الشكل الأول

تعريفه :

الشكل الأول : هو ما كان الأوسط فيه محمولا في الصغرى موضوعاً في الكبرى .

شروطه :

لأجل أن يكون الشكل الأول منتجاً يشترط فيه الإضافة إلى الشروط العامة المتقدمة ما يلي :

1- أن تكون صغراء موجبة .

2- أن تكون كبراه كلية .

أقسامه :

إذا توفر الشكل الأول على شروط الإنتاج العامة والخاصة به تكون أقسامه المنتجة أربعة وهي :

( الأول ) وتتألف صغراه من موجبة كلية ، وكبراه من موجبة كلية أيضا ، وينتج موجبة كلية .

( مثاله ) كل خمر مسكر – وكل مسكر حرام . كل خمر حرام

( الثاني ) وتتألف صغراه من موجبة كلية وكبراه من سالبة كلية ، وينتج سالبة كلية .

(مثاله) كل خمر مسكر – ولا شيء من المسكر بنافع ، لا شيء من الخمر بنافع .

( الثالث ) وتتألف صغراه من موجبة جزئية وكبراه من موجبة كلية ، وينتج موجبة جزئية .

(مثاله) بعض المعدن جديد – وكل حديد يتمدد بالحرارة – بعض المعدن يتمدد بالحرارة .

( الرابع ) وتتألف صغراه من موجبة جزئية وكبراه من سالبة كلية وينتج سالبة جزئية .

( مثاله) بعض الطيور له أذنان – ولا شيء مما له أذنان يبيض ، بعض الطيور لا يبيض .

قيمة الشكل الأول

الشكل الأول هو أكمل الأشكال وأتمها وذلك للأسباب الآتية :

1- إنه الشكل الوحيد الذي ينتج القضايا الحملية الأربع .

2- إنه الشكل الوحيد الذي ينتج الكلية الموجبة ومن ثم فهو يستخدم في البرهنة والإثبات .

3- إن الحدود في النتيجة مرتبة حسب وضعها في المقدمتين , ففي المقدمتين يأتي الأصغر أولا ثم يأتي بعده الأكبر , وكذلك الأمر بالنسبة للنتيجة يأتي الأصغر أولا ثم الأكبر بعد ذلك , لذلك كانت حركة العقل في هذا الشكل حركة طبيعية , أي تلاحظ الأصغر أولا ثم تثبت له الأكبر عن طريق الأوسط في المقدمات , وتأتي النتيجة فتثبت الأكبر للأصغر بعد اختفاء الأوسط , ومن هنا كان الشكل على مقتضى الطبع وبين الإنتاج بنفسه , لا يحتاج إلى دليل وحجة , بخلاف الباقي , ولذا جعلوه أول الأشكال , وبه يستدل على باقيها .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : وهم معترفون بأن الشكل الأول من الحمليات يغنى عن جميع صور القياس وتصويره فطرى لا يحتاج إلى تعلمه منهم مع أن الاستدلال لا يحتاج إلى تصوره على الوجه الذي يزعمونه . مجموع الفتاوى (9|159)

الشكل الثاني

تعريفه :

الشكل الثاني : هو ما كان الأوسط فيه محمولا في المقدمتين معا

شروطه :

لأجل أن يكون الشكل الثاني منتجا يشترط فيه بالإضافة إلى الشروط العامة ما يلي :

1- أن تختلف مقدمتاه بالكيف أي أن تكون أحداهما موجبة والأخرى سالبة .

2- أن تكون كبراه كلية .

أقسامه :

إذا توفر الشكل الثاني على شروط الإنتاج العامة والخاصة به تكون أقسامه المنتجة هي ما يلي :

( الأول ) وتتألف صغراه من موجبة كلية ، وكبراه من سالبة كلية ، وينتج سالبة كلية .

( مثاله ) كل ورد زهر – لا شيء من الجماد بزهر – لا شيء من الورد بجماد

( الثاني ) وتتألف صغراه من سالبة كلية وكبراه من موجبة كلية ، وينتج سالبة كلية .

(مثاله) لا طالب من الكسالى بناجح – وكل مجد ناجح ، لا طالب من الكسالي بمجد .

( الثالث ) وتتألف صغراه من موجبة جزئية وكبراه من سالبة كلية ، وينتج سالبة جزئية .

(مثاله) بعض المعدن ذهب – ولا شيء من الفضة بذهب ، بعض المعدن ليس بفضة .

( الرابع ) وتتألف صغراه من سالبة جزئية وكبراه من موجبة كلية وينتج سالبة جزئية

( مثاله) بعض الحيوان ليس إنسانا – كل مفكر إنسان – بعض الحيوان ليس مفكر .

الشكل الثالث

تعريفه :

الشكل الثالث : هو ما كان الأوسط فيه موضوعا في المقدمتين معا

شروطه :

لأجل أن يكون الشكل الثاني منتجا يشترط فيه بالإضافة إلى الشروط العامة ما يلي :

1- أن تكون صغراه موجبة .

2- أن تكون إحدى مقدمتيه كلية .

أقسامه :

إذا توفر الشكل الثالث على شروط الإنتاج العامة والخاصة به تكون أقسامه المنتجة هي ما يلي :

( الأول ) وتتألف صغراه من موجبة كلية ، وكبراه من موجبة كلية أيضا ، وينتج موجبة جزئية .

( مثاله ) كل ذهب معدن – وكل ذهب غالي الثمن ، بعض المعدن غالي الثمن .

( الثاني ) وتتألف صغراه من موجبة كلية وكبراه من سالبة كلية ، وينتج سالبة جزئية .

(مثاله) كل برتقالة فاكهة – لا شيء من الرتقال بعنب – بعض الفاكهة ليس عنبا .

( الثالث ) وتتألف صغراه من موجبة جزئية وكبراه من موجبة كلية ، وينتج موجبة جزئية .

(مثاله) بعض الطائر أبيض – وكل طائر حيوان ، بعض الأبيض حيوان .

( الرابع ) وتتألف صغراه من موجبة كلية وكبراه من موجبة جزئية وينتج موجبة جزئية .

( مثاله) كل طائر حيوان – بعض الطائر أبيض – بعض الحيوان أبيض .

(الخامس) تتألف صغراه من موجبة كلية وكبراه من سالبة جزئية وينتج سالبة جزئية

(مثاله) كل حيوان حساس – بعض الحيوان ليس إنسانا – بعض الحساس ليس إنسانا .

(السادس) تتألف صغراه من موجبة جزئية وكبراه من سالبة كلية وينتج سالبة جزئية .

(مثاله) بعض الذهب معدن – لاشيء من الذهب بحديد – بعض المعدن ليس بحديد .

الشكل الرابع

تعريفه :

الشكل الرابع : هو ما كان الأوسط فيه موضوعا في الصغرى ومحمولا في الكبرى .

شروطه :

لأجل أن يكون الشكل الرابع منتجا يشترط فيه بالإضافة إلى الشروط العامة ما يلي :

1- أن لا تكون إحدى مقدمتيه سالبة جزئية .

2- أن تكون صغراه كلية إذا كانت مقدمتاه موجبتين .

أقسامه :

إذا توفر الشكل الرابع على شروط الإنتاج العامة والخاصة به تكون أقسامه المنتجة هي ما يلي :

( الأول ) وتتألف صغراه من موجبة كلية ، وكبراه من موجبة كلية ، وينتج موجبة جزئية .

( مثاله ) كل إنسان حيوان – وكل ناطق إنسان ، بعض الحيوان ناطق .

( الثاني ) وتتألف صغراه من موجبة كلية وكبراه من موجبة جزئية ، وينتج موجبة جزئية .

(مثاله) كل إنسان حيوان – وبعض الولود إنسان ، بعض الحيوان ولود .

( الثالث ) وتتألف صغراه من سالبة كلية وكبراه من موجبة كلية ، وينتج سالبة كلية .

(مثاله) لا شيء من الإنسان بجماد – وكل ناطق إنسان ، لا شيء من الجماد بناطق .

( الرابع ) وتتألف صغراه من موجبة كلية وكبراه من سالبة كلية وينتج سالبة جزئية .

(مثاله) كل سائل يتبخر – ولا شيء من الحديد بسائل بعض ما يتبخر ليس بحديد .

(الخامس) تتألف صغراه من موجبة جزئية وكبراه من سالبة كلية وينتج سالبة جزئية .

(مثاله) بعض المعدن ذهب – لاشيء من الحيوان بمعدن – بعض الذهب ليس بحيوان .

والخلاصة : ينتج الشكل الأول جميع القضايا المحصورة ومن ثم أطلق عليه الشكل الأول ذلك أن نتاجه بين بنفسه , وقياساته كاملة وتتبين به جميع الأشكال ولأنه ينتج جميع المطالب الأربعة وينتج الكلي الموجب الذي هو أفضل المطالب .

وينتج الشكل الثاني القضية السالبة فقط سواء كانت سالبة كلية أو سالبة جزئية .

وينتج الشكل الثالث القضية الجزئية فقط سواء كانت جزئية موجبة أو جزئية سالبة .

أما الشكل الرابع فإنه لاينتج ما عدا الكلية الموجبة وهذا الشكل غير مقبول عند معظم الفلاسفة المسلمين لأن حركة الفكر فيه تجري بشكل معكوس فالنتيجة في هذا الشكل تحكم بموضوع الكبرى على محمول الصغرى وهذا خلاف ما يقتضيه الطبع .

الاستقراء

الاستقراء : هو تتبع الجزئيات للحصول على حكم كلي ( قاعدة عامة ) .

أقسامه :

ينقسم الاستقراء إلى قسمين هما : الاستقراء التام ، والاستقراء الناقص .

1- الاستقراء التام : هو تتبع جميع جزئيات الكلي المطلوب معرفة حكمه .

2- الاستقراء الناقص : وهو تتبع بعض جزئيات الكلي المطلوب معرفة حكمه .

أقسام الاستقراء الناقص :

وينقسم الاستقراء الناقص إلى قسمين أيضا هما : الاستقراء المعلل والاستقراء غير المعلل .

1- الاستقراء المعلل : هو ما يعمم فيه الحكم على أساس من الإيمان بوجود علة الحكم في كل جزئياته .

2- الاستقراء غير المعلل : وهو الذي يعتمد في تعميم أحكامه على التعليل .

كيفية الاستدلال بالاستقراء

للاستقرار مراحل يمر بها المستقرئ عند قيامه بعملية الاستدلال الاستقرائي تسمى بـ (مراحل الاستقراء ) وتتلخص فيما يلي :

1- مرحلة الملاحظة والتجربة .

2- مرحلة الفرض .

3- مرحلة القانون .

أولاً : مرحلة الملاحظة والتجربة

وهي مرحلة توجيه المستقرئ فكرة نحو المطلوب لمعرفة حقيقته أو تبيان معناه .

والملاحظة : هي مشاهدة المطلوب في الطبيعة على ما هو عليه .

والتجربة : هي مشاهدة المطلوب في ظروف يهيئها المستقرئ حسبما يريد .

التمثيل

تعريفه :

التمثيل : هو إثبات حكم لجزئي لثبوته في جزئي آخر مشابه له .

مثاله :

كإثبات حكم حرمة الخمر للنبيذ لأنه يشبه الخمر في الإسكار .

أركانه :

للتمثيل أركان لا يتم الاستدلال به إلا عند توفرها وهي :

1- الأصل : وهو الجزئي المعلوم ثبوت الحكم له كالخمر في المثال المذكور .

2- الفرع : وهو الجزئي المطلوب إثبات الحكم له كالنبيذ في المثال المذكور .

3- الجامع : وهو جهة المشابهة بين الأصل والفرع كالإسكار في المثال المذكور .

4- الحكم : وهو الحكم المعلوم ثبوته للأصل والذي يحاول إثباته للفرع كالحرمة في المثال المذكور .

الخلاصة

والخطوات التي تتبع في الاستدلال بالتمثيل هي ما يلي :

1- تعيين المطلوب .

2- تعيين الأصل .

3- محاولة حصر سبب الحكم في نقطة مشتركة بين الأصل والفرع تصلح لأن تكون سببا للحكم .

4- النتيجة .

تقريب وتهذيب نقض المنطق لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

الرد العام

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : بل الواقع قديما وحديثا أنك لاتجد من يلزم نفسه أن ينظر في علومه بل ويناظر به ؛إلا وهو فاسد النظر والمناظرة ؛ كثير العجز عن تحقيق علمه وبيانه …

ومن المعلوم أن القول بوجوبه قول غلاته وجهال أصحابه , ونفس الحذاق منهم لا يلتزمون قوانينه فى كل علومهم بل يعرضون عنها إما لطولها, وإما لعدم فائدتها وإمالفسادها, وإما لعدم تميزها وما فيها من الإجمال والاشتباه ؛ فإن فيه مواضع كثيرة هي لحم جمل غث على رأس جبل وعر؛ لاسهل فيرتقى ولاسمين فينتقل .

مجموع الفتاوى(9|6)

وقال : ولهذا مازال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمون أهله وينهون عنه وعن أهله حتى رأيت للمتأخرين فتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم فيها كلام عظيم فى تحريمه وعقوبة أهله حتى إن من الحكايات المشهورة التى بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبى الحسن الآمدي وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا .

مجموع الفتاوى (9|7)

وقال :وأيضا هم متفقون على أنه لايفيد إلا أمورا كلية مقدرة فى الذهن لا يفيد العلم بشيء موجود محقق في الخارج إلا بتوسط شيء آخر غيره , والأمور الكلية الذهنية ليست هي الحقائق الخارجية ولا هي أيضا علما بالحقائق الخارجية إذ لكل موجود حقيقة يتميزبها عن غيره هو بها هو وتلك ليست كلية ؛فالعلم بالأمر المشترك لايكون علما بها فلا يكون فى القياس المنطقى علم تحقيق شيء من الأشياء وهو المطلوب .

مجموع الفتاوى (9|18)

وقال : وأيضا لاتجد أحدا من أهل الأرض حقق علما من العلوم وصار إماما فيه مستعينا بصناعة المنطق لا من العلوم الدينية ولا غيرها؛ فالأطباء والحساب والكتاب ونحوهم يحققون ما يحققون من علومهم وصناعاتهم بغير صناعة المنطق.

وقد صنف في الإسلام علوم النحو واللغة والعروض والفقه وأصوله والكلام غير ذلك وليس فى أئمة هذة الفنون من كان يلتفت إلى المنطق بل عامتهم كانوا قبل أن يعرب هذا المنطق اليونانى …

وإن كان فيهم من قد يحقق شيئا من العلم ؛فذلك لصحة المادة والأدلة التى ينظر فيها وصحة ذهنه وإدراكه لا لأجل المنطق بل إدخال صناعة المنطق فى العلوم الصحيحة يطول العبارة ويبعد الإشارة ويجعل القريب من العلم بعيدا واليسير منه عسيرا , ولهذا تجد من أدخله فى الخلاف والكلام وأصول الفقه وغير ذلك لم يفد إلا كثرة الكلام والتشقيق مع قلة العلم والتحقيق , فعلم أنه من أعظم حشو الكلام وأبعد الأشياء عن طريقة ذوى الأحلام .

مجموع الفتاوى (9|24)

وقال : وعامة الحدود المنطقية هي من هذا الباب حشو لكلام كثير يبينون به الأشياء وهي قبل بيانهم أبين منها بعد بيانهم ؛فهي مع كثرة ما فيها من تضييع الزمان وإتعاب الفكر واللسان لا توجب إلا العمى والضلال ,وتفتح باب المرء والجدال إذ كل منهم يورد على حد الآخر من الأسئلة ما يفسد به ويزعم سلامة حده منه , وعند التحقيق تجدهم متكافئين أو متقاربين ليس لأحدهم على الآخر رجحان مبين ؛فإما أن يقبل الجميع أو يرد الجميع أو يقبل من وجه ويرد من وجه .

مجموع الفتاوى (9|66)

وقال : فأني كنت دائما أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي ولا ينتفع به البليد .

مجموع الفتاوى (9|82)

وقال :وكان مبدأ وضع المنطق من الهندسة وسموه حدودا , لحدود تلك الأشكال لينتقلوا من الشكل المحسوس إلى الشكل المعقول وهذا لضعف عقولهم وتعذر المعرفة عليهم إلا بالطريق البعيدة , والله تعالى يسر للمسلمين من العلم والبيان والعمل الصالح والإيمان ما برزوا به على كل نوع من أنواع جنس الانسان والحمد لله رب العالمين .

مجموع الفتاوى (9|130)

وقال : ولهذا كان العقلاء العارفون يصفون منطقهم بأنه أمر اصطلاحى وضعه رجل من اليونان لا يحتاج إليه العقلاء ,ولا طلب العقلاء للعلم موقوفا عليه كما ليس موقوفا على التعبير بلغاتهم مثل فيلاسوفيا وسوفسطيقا وأنولوطقيا وأثولوجيا وقاطيغورياس ونحو ذلك من لغاتهم التى يعبرون بها عن معانيهم؛ فلا يقول أحد أن سائر العقلاء محتاجون إلى هذه اللغة لا سيما من كرمه الله بأشرف اللغات الجامعه لأكمل مراتب البيان المبينة لما تتصوره الأذهان بأوجز لفظ وأكمل تعريف ,وهذا مما احتج به أبو سعيد السيرافى فى مناظرته المشهورة لمتى الفيلسوف لما أخذ متى يمدح المنطق ويزعم احتياج العقلاء إليه ورد عليه أبو سعيد بعدم الحاجة إليه ,وأن الحاجة إنما تدعو إلى تعلم العربية لأن المعانى فطرية عقليه لا تحتاج إلى اصطلاح خاص ؛ بخلاف اللغة المتقدمة التى يحتاج إليها فى معرفة ما يجب معرفته من المعانى فإنه لا بد فيها من التعلم .

ولهذا كان تعلم العربية التى يتوقف فهم القرآن والحديث عليها فرضا على الكفاية بخلاف المنطق ,ومن قال من المتأخرين أن تعلم المنطق فرض على الكفاية أو أنه من شروط الاجتهاد فإنه يدل على جهله بالشرع وجهله بفائدة المنطق وفساد هذا القول معلوم بالاضطرار من دين الإسلام ؛ فإن أفضل هذه الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين عرفوا ما يجب عليهم ويكمل علمهم وإيمانهم قبل أن يعرف المنطق اليونانى فكيف يقال أنه لا يوثق بالعلم إن لم يوزن به أو يقال إن فطر بنى آدم فى الغالب لم تستقم إلا به.

مجموع الفتاوى (9|172)

وقال : وإن قالوا إن العلم التصديقى أو التصورى أيضا لا ينال بدونه فهم ادعوا أن طرق العلم على عقلاء بنى آدم مسدودة إلا من الطريقتين اللتين ذكروهما من الحد وما ذكروه من القياس , وادعوا أن ماذكروه من الطريقتين توصلان إلى العلوم التي ينالها بنو آدم بعقولهم ؛ بمعنى أن ما يوصل لا بد أن يكون على الطريق الذي ذكروه لا على غيره , فما ذكروه آله قانونية بها توزن الطرق العلمية ويميز بها بين الطريق الصحيحة والفاسدة فمراعاة هذا القانون تعصم الذهن أن يزل فى الفكر الذى ينال به تصور أو تصديق .

هذا ملخص ما قالوه!

وكل هذه الدعاوى كذب فى النفى والإثبات فلا ما نفوه من طرق غيرهم كلها باطل ولا ما أثبتوه من طرقهم كلها حق على الوجه الذى ادعوا فيه ,وإن كان في طرقهم ما هو حق كما إن فى طرق غيرهم ما هو باطل فما من أحد منهم ولا من غيرهم يصنف كلاما إلا ولابد أن يتضمن ما هو حق.

فمع اليهود والنصارى من الحق بالنسبة إلى مجموع ما معهم أكثر مما مع هؤلاء من الحق بل ,ومع المشركين عباد الاصنام من العرب ونحوهم من الحق أكثر مما مع هؤلاؤء بالنسبة إلى ما معهم فى مجموع فلسفتهم النظرية والعملية للأخلاق والمنازل والمدائن .

مجموع الفتاوى (9|175)

وقال : وما زال نظار المسلمين يعيبون طريق أهل المنطق ويبينون ما فيها من العى واللكنة وقصور العقل وعجز النطق , ويبينون أنها إلى إفساد المنطق العقلى واللسانى أقرب منها إلى تقويم ذلك ولا يرضون أن يسلكوها فى نظرهم ومناظرتهم لا مع من يوالونه ولا مع من يعادونه .

وإنما كثر استعمالها من زمن أبى حامد فإنه أدخل مقدمة من المنطق اليونانى فى أول كتابة المستصفى وزعم أنه لا يثق بعلمه إلا من عرف هذا المنطق ,وصنف فيه معيار العلم و ومحك النظر وصنف كتابا سماه القسطاس المستقيم ذكر فيه خمس موازين : الثلاث الحمليات والشرطي المتصل والشرطى المنفصل وغير عباراتها إلى أمثلة أخذها من كلام المسلمين ,وذكر أنه خاطب بذلك بعض أهل التعليم وصنف كتابا فى تهافتهم ,وبين كفرهم بسبب مسألة قدم العالم وإنكار العلم العلم بالجزئيات ,وإنكار المعاد ,وبين فى آخر كتبه أن طريقهم فاسدة لا توصل الى يقين وذمها أكثر مما ذم طريقة المتكلمين وكان أولا يذكر فى كتبه كثيرا من كلامهم إما بعبارتهم ,وإما بعبارة أخرى ثم فى آخر أمره بالغ فى ذمهم وبين أن طريقهم متضمنة من الجهل والكفر ما يوجب ذمها وفسادها أعظم من طريق المتكلمين ومات وهو مشتغل بالبخاري ومسلم .

والمنطق الذى كان يقول فيه ما يقول ما حصل له مقصوده ,ولا أزال عنه ما كان فيه من الشك والحيرة ولم يغن عنه المنطق شيئا .

ولكن بسبب ما وقع منه فى أثناء عمره وغير ذلك صار كثير من النظار يدخلون المنطق اليونانى فى علومهم حتى صار من يسلك طريق هؤلاء من المتأخرين يظن أنه لا طريق إلا هذا ,وأن ما ادعوه من الحد والبرهان هو أمر صحيح مسلم عند العقلاء ,ولا يعلم أنه ما زال العقلاء والفضلاء من المسلمين وغيرهم يعيبون ذلك ويطعنون فيه ,وقد صنف نظار المسلمين فى ذلك مصنفات متعددة وجمهور المسلمين يعيبونه عيبا مجملا لما يرونه من آثاره ولوازمه الدالة على ما فى أهله مما يناقض العلم والإيمان ويفضى بهم الحال إلى أنواع من الجهل والكفر والضلال .

مجموع الفتاوى (9|185)

وقال : وكان يعقوب بن إسحق الكندى فيلسوف الإسلام فى وقته؛ أعني الفيلسوف الذى فى الإسلام وإلا فليس الفلاسفة من المسلمين كما قالوا لبعض أعيان القضاة الذين كانوا فى زماننا ابن سينا من فلاسفة الإسلام فقال: ليس للإسلام فلاسفة .

مجموع الفتاوى (9|186)

وقال : والكلام فى المنطق إنما وقع لما زعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل فى فكره ؛فاحتجنا أن ننظر فى هذه الآلة هل هى كما قالوا أو ليس الأمر كذلك ومن شيوخهم من إذا بين له من فساد أقوالهم ما يتبين به ضلالهم وعجز عن دفع ذلك يقول هذه علوم قد صقلتها الأذهان أكثر من الف سنة وقبلها الفضلاء فيقال له عن هذا أجوبة :

أحدها: أنه ليس الأمر كذلك فما زال العقلاء الذين هم أفضل من هؤلاء ينكرون عليهم ويبينون خطأهم وضلالهم فأما القدماء فالنزاع بينهم كثير معروف وفى كتب أخبارهم ومقالاتهم من ذلك ما ليس هذا موضع ذكره .

فأما أيام الاسلام فإن كلام نظار المسلمين فى بيان فساد ما أفسدوه من أصولهم المنطقية والإلهية بل والطبيعية والرياضية كثير .

قد صنف فيه كل طائفة من طوائف نظار المسلمين حتى الرافضة ,وأما شهادة سائر طوائف أهل الإيمان والعلماء بضلاهم وكفرهم ؛فهذا البيان عام لا يدفعه إلا معاند والمؤمنون شهداء الله فى الآرض فإذا كان أعيان الأذكياء الفضلاء من الطوائف وسائر أهل العلم والإيمان معلنين بتخطئتهم وتضليلهم إما جملة وإما تفضيلا امتنع أن يكون العقلاء قاطبة تلقوا كلامهم بالقبول .

الوجه الثانى: أن هذا ليس بحجة؛ فإن الفلسفة التى كانت قبل أرسطو وتلقاها من قبل بالقبول ؛طعن أرسطو فى كثير منها وبين خطأهم ,وابن سينا وأتباعه خالفوا القدماء في طائفة من أقاويلهم وبينوا خطأهم ورد الفلاسفة بعضهم على بعض أكثر من رد كل طائفة بعضهم على بعض , وأبو البركات وأمثاله قد ردوا على أرسطو ما شاء الله لأنهم يقولون إنما قصدنا الحق ليس قصدنا التعصب لقائل معين ولا لقول معين .

و الثالث: أن دين عباد الأصنام أقدم من فلسفتهم ,وقد دخل فيه من الطوائف أعظم ممن دخل فى فلسفتهم ,وكذلك دين اليهود المبدل أقدم من فلسفة أرسطو ودين النصارى المبدل قريب من زمن أرسطو ؛فإن أرسطو كان قبل المسيح بنحو ثلاثمائة ؛فإنه كان من زمن الإسكندر بن فيلبس الذى يؤرخ به تاريخ الروم الذى يستعمله اليهود والنصارى .

الرابع : أن يقال فهب أن الأمر كذلك فهذه العلوم عقلية محضة ليس فيها تقليد لقائل ,وإنما تعلم بمجرد العقل فلا يجوز أن تصحح بالنقل بل ولا يتكلم فيها إلا بالمعقول المجرد ؛فإذا دل المعقول الصريح على بطلان الباطل منها لم يجز رده فإن أهلها لم يدعوا أنها مأخوذه عن شيء يجب تصديقه بل عن عقل محض فيجب التحاكم فيها الى موجب العقل الصريح .

مجموع الفتاوى (9|196)

وقال : وكثير من الطرق لا يحتاج إليه أكثر الناس ,وإنما يحتاج إليه من لم يعرف غيره أو من أعرض عن غيره ,وبعض الناس يكون كلما كان الطريق أدق وأخفى وأكثر مقدمات وأطول كان أنفع له لأن نفسه اعتادت النظر فى الأمور الدقيقة ؛فإذا كان الدليل قليل المقدمات أو كانت جلية لم تفرح نفسه به, ومثل هذا قد تستعمل معه الطرق الكلامية المنطقية وغيرها لمناسبتها لعادته لا لكون العلم بالمطلوب متوقفا عليها مطلقا ؛فإن من الناس من إذا عرف ما يعرفه جمهور الناس وعمومهم أو ما يمكن غير الأذكياء معرفته لم يكن عند نفسه قد امتاز عنهم بعلم فيحب معرفة الأمور الخفية الدقيقة الكثيرة المقدمات ,ولهذا يرغب كثير من علماء السنة فى النظر فى العلوم الصادقة الدقيقة كالجبر والمقابلة وعويص الفرائض والوصايا والدور وهو علم صحيح فى نفسه .

مجموع الفتاوى (9|213)

وقال : واذا اتسعت العقول وتصوراتها اتسعت عباراتها وإذا ضاقت العقول والعبارات والتصورات بقى صاحبها كأنه محبوس العقل واللسان كما يصيب أهل المنطق اليونانى تجدهم من أضيق الناس علما وبيانا وأعجزهم تصورا وتعبيرا ولهذا من كان ذكيا إذا تصرف فى العلوم وسلك مسلك أهل المنطق: طول وضيق وتكلف وتعسف وغايته بيان البين وإيضاح الواضح من العي وقد يوقعه ذلك فى أنواع من السفسطة التى عافى منها من لم يسلك طريقهم .

مجموع الفتاوى (9|158)

وقال : ثم إن الفلالسفة أصحاب هذا المنطق البرهانى الذى وضعه أرسطو وما يتبعه من الطبيعى والإلهى ليسوا أمة واحدة بل أصناف متفرقون, وبينهم من التفرق والاختلاف مالا يحصيه إلا الله, أعظم مما بين الملة الواحدة كاليهود والنصارى أضعافا مضاعفة فإن القوم كلما بعدوا عن أتباع الرسل والكتب كان أعظم فى تفرقهم واختلافهم… .

مجموع الفتاوى (9|229)

وقال : ولا يجوز لعاقل أن يظن أن الميزان العقلى الذي أنزله الله هو منطق اليونان لوجوه:

أحدهما: أن الله أنزل الموازين مع كتبه قبل أن يخلق اليونان من عهد نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم وهذا المنطق اليوناني وضعه أرسطو قبل المسيح بثلاثمائة سنة فكيف كانت الأمم المتقدمة تزن به .

الثانى : أن أمتنا أهل الإسلام ما زالوا يزنون بالموازين العقلية ,ولم يسمع سلفا بذكر هذا المنطق اليونانى ,وإنما ظهر في الإسلام لما عربت الكتب الرومية فى عهد دولة المأمون أو قريبا منها .

الثالث : أنه ما زال نظار المسلمين بعد أن عرب وعرفوه يعيبونه ويذمونه ولا يلتفتون إليه ولا إلى أهله فى موازينهم العقلية والشرعية ,ولا يقول القائل ليس فيه مما انفردوا به إلا اصطلاحات لفظية وإلا فالمعانى العقلية مشتركة بين الأمم فإنه ليس الأمر كذلك بل فيه معانى كثيرة فاسدة .

ثم هذا جعلوه ميزان الموازين العقلية التى هى الأقيسة العقلية ,وزعموا أنه آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن أن يزل في فكره وليس الأمر كذلك فإنه لو احتاج الميزان إلى ميزان لزم التسلسل .

و أيضا فالفطرة إن كانت صحيحة وزنت بالميزان العقلي ,وإن كانت بليدة أو فاسدة لم يزدها المنطق إلا بلادة وفسادا ,ولهذا يوجد عامة من يزن به علومه لابد أن يتخبط ولا يأتى بالأدلة العقلية على الوجه المحمود ومتى أتى بها على الوجه المحمود أعرض عن اعتبارها بالمنطق لما فيه من العجز والتطويل وتبعيد الطريق وجعل الواضحات خفيات وكثرة الغلط والتغليط فإنهم إذا عدلوا عن المعرفة الفطرية العقلية للمعينات إلى أقيسة كلية وضعوا ألفاظها وصارت مجملة تتناول حقا وباطلا حصل بها من الضلال ما هو ضد المقصود من الموازين وصارت هذه الموازين عائلة لا عادلة وكانوا فيها من المطففين {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} وأين البخس فى الأموال من البخس في العقول والأديان مع أن أكثرهم لا يقصدون البخس بل هم بمنزلة من ورث موازين من أبيه يزن بها تارة له وتارة عليه ولا يعرف أهي عادلة أم عائلة .

مجموع الفتاوى (9|243)

وقال :والمقصود هنا أن ابن سينا أخبر عن نفسه أن أهل بيته وأباه وأخاه كانوا من هؤلاء الملاحدة ,وأنه إنما اشتغل بالفلسفة بسبب ذلك ؛فإنه كان يسمعهم يذكرون العقل والنفس .

وهؤلاء المسلمون الذين ينتسب اليهم هم مع الإلحاد الظاهر والكفر الباطن أعلم بالله من سلفه الفلاسفة كأرسطو واتباعه فإن أولئك ليس عندهم من العلم بالله إلا ما عند عباد مشركى العرب ما هو خير منه …

وابن سينا لما عرف شيئا من دين المسلمين ,وكان قد تلقى ما تلقاه عن الملاحدة وعمن هو خير منهم من المعتزلة والرافضة أراد أن يجمع بين ما عرفه بعقله من هؤلاء وبين ما أخذه من سلفه ومما أحدثه مثل كلامه فى النبوات وأسرار الآيات والمنامات بل وكلامه فى بعض الطبيعيات وكلامه فى واجب الوجود ونحو ذلك وإلا فأرسطو وأتباعه ليس فى كلامهم ذكر واجب الوجود ولا شىء من الأحكام التى لواجب الوجود وإنما يذكرون العلة الأولى ويثبتونه من حيث هو علة غائية للحركة الفلكية يتحرك الفلك للتشبه به .

فابن سينا أصلح تلك الفلسفة الفاسدة بعض إصلاح حتى راجت على من يعرف دين الإسلام من الطلبة النظار ,وصار يظهر لهم بعض ما فيها من التناقض فيتكلم كل منهم بحسب ما عنده ولكن سلموا لهم أصولا فاسدة فى المنطق والطبيعيات والإلهيات ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سببا إلى ضلالهم فى مطالب عالية إيمانية ومقاصد سامية قرآنية خرجوا بها عن حقيقة العلم والإيمان وصاروا بها فى كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون بل يسفسطون فى العقليات ويقرمطون فى السمعيات .

مجموع الفتاوى (9|136)

وقال : وهو أن نقول هب أن صورة القياس المنطقي ومادته تفيد علوما كلية لكن من أين يعلم أن العلم الكلي لا ينال حتى يقول هؤلاء المتكلفون القافون ما ليس لهم به علم هم ومن قلدهم من أهل الملل وعلمائهم إن ما ليس ببديهي من التصورات والتصديقات لا يعلم إلا بالحد والقياس وعدم العلم ليس علما بالعدم ؛فالقائل لذلك لم يمتحن أحوال نفسه ولو امتحن أحوال نفسه لوجد له علوما كلية بدون القياس المنطقي وتصورات كثيرة بدون الحد وإن علم ذلك من نفسه أو بني جنسه فمن أين له أن جميع بني آدم مع تفاوت فطرهم وعلومهم ومواهب الحق لهم هم بمنزلته وأن الله لا يمنح أحدا علما إلا بقياس منطقي ينعقد في نفسه حتى يزعم هؤلاء أن الأنبياء كانوا كذلك بل صعدوا إلى رب العالمين وزعموا أن علمه بأمور خلقه إنما هو بواسطة القياس المنطقي وليس معهم بهذا النفي الذي لم يحيطوا بعلمه من حجة إلاعدم العلم فيدعون العلم ,وقد تكلموا بهذه القضية الكلية السالبة التي تعم ما لا يحصى عددها إلا الله بلا علم لهم بها أصلا .

مجموع الفتاوى (9|79)

وقال : إن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام ما هو خارج عن قياسهم الذي ذكروه بل الفراسة أيضا وأمثالها ؛فإن أدخلوا ذلك فيما ذكروه من الحسيات والعقليات لم يمكنهم نفي ما لم يذكروه ,ولم يبق لهم ضابط ,وقد ذكر ابن سينا وأتباعه أن القضايا الواجب قبولها التى هي مادة البرهان الأوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات وربما ضموا إلى ذلك قضايا معها حدودها ولم يذكروا دليلا على هذا الحصر ,ولهذا اعترف المنتصرون لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه ,وإذا كان كذلك لم يلزم أن كل ما لم يدخل فى قياسهم لا يكون معلوما وحينئذ فلا يكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ ؛فإنه إذا ذكر له قضايا يمكن العلم بها بغير هذا الطريق لم يمكن وزنها بهذه الأدلة .

وعامة هؤلاء المنطقيين يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم ,وهذا فى غاية الجهل لاسيما إن كان الذي كذبوا به من أخبار الأنبياء .

فإذا كان أشرف العلوم لا سبيل إلى معرفته بطريقهم لزم أمران

أحدهما: أن لا حجة لهم على ما يكذبون به مما ليس فى قياسهم دليل عليه.

و الثانى: أن ما علموه خسيس بالنسبة إلى ما جهلوه فكيف إذا علم أنه لا يفيد النجاة ولا السعادة .

مجموع الفتاوى (9|247)

وقال : إنهم يجعلون ما هو علم يجب تصديقه ليس علما,وما هو باطل وليس بعلم يجعلونه علما فزعموا ما جاءت به الأنبياء فى معرفة الله وصفاته والمعاد لا حقيقة له فى الواقع ,وأنهم إنما أخبروا الجمهور بما يتخيلونه فى ذلك لينتفعوا به فى إقامة مصلحة دنياهم لا يعرفوا بذلك الحق ,وأنه من جنس الكذب لمصلحة الناس ويقولون أن النبى حاذق بالشرائع العملية دون العلمية ,ومنهم من يفضل الفيلسوف على كل نبى وعلى نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام ولا يوجبون اتباع نبى بعينه لا محمد ولا غيره ,ولهذا لما ظهرت التتار وأراد بعضهم الدخول فى الإسلام قيل إن هولاكو أشار عليه بعض من كان معه من الفلاسفة بأن لا يفعل قال :ذاك لسانه عربي ولا تحتاجون إلى شريعته .

ومن تبع النبى منهم فى الشرائع العملية لا يتبعه فى أصول الدين والاعتقاد بل النبى عندهم بمنزلة أحد الإئمة الأربعة عند المتكلين ؛فإن أئمة الكلام إذا قلدوا مذهبا من المذاهب الأربعة اقتصروا في تقليده على القضايا الفقهية ولا يلتزمون موافقته فى الأصول ومسائل التوحيد بل قد يجعلون شيوخهم المتكلمين أفضل منهم فى ذلك .

وقد أخبر النبى عن الله بأسمائه وصفاته المعينة وعن الملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار ,وليس فى ذلك شيء من ذلك بقياسهم ,وكذا أخبر عن أمور معينة مما كان وسيكون ,وليس شيء من ذلك يمكن معرفته بقياسهم لا البرهاني ولا غيره ؛فإن أقيستهم لا تفيد إلا أمورا كلية ,وهذه أمور خاصة ,وقد أخبر بما يكون من الحوادث المعينة حتى أخبر عن التتر الذين جاءوا بعد ستمائة سنة من إخباره وكذلك عن النار التى خرجت قبل مجيء التتر سنة خمس وخمسين وستمائةهـ فهل يتصور أن قياسهم وبرهانهم يدل على آدمى معين أو أمة معينة فضلا عن موصوف بالصفات التى ذكرها ثم من بلاياهم وكفرياتهم أنهم قالوا إن الباري تعالى لا يعلم الجزئيات ولا يعرف عين موسى وعيسى ولا غيرهما ولا شيئا من تفاصيل الحوادث والكلام والرد عليهم فى ذلك مبسوط فى موضعه .

والمقصود أن يعرف الانسان أنهم يقولون من الجهل والكفر ما هو فى غاية الضلال فرارا من لازم ليس قط دليل على نفيه .

مجموع الفتاوى(9|249)

نقض قولهم في الحد

فاعلم أنهم بنوا المنطق على الكلام فى الحد ونوعه والقياس البرهانى ونوعه قالوا لأن العلم إما تصور وإما تصديق ؛فالطريق الذى ينال به التصور هو الحد والطريق الذى ينال به التصديق هو القياس.

فنقول :الكلام فى أربع مقامات مقامين سالبين ومقامين موجبين فالأولان: أحدهما: فى قولهم أن التصور المطلوب لا ينال إلا بالحد .

و الثانى: أن التصديق المطلوب لا ينال إلا بالقياس .

والآخران فى أن الحد يفيد العلم بالتصورات .

وأن القياس أو البرهان الموصوف يفيد العلم بالتصديقات .

مجموع الفتاوى (9|83)

القسم الأول : الكلام على الحد

المسألة الأولى : قولهم أن التصور لا ينال إلا بالحد

المسألة الثانية : إن الحد يفيد العلم بالتصورات , وهاتان المسألتان متداخلتان.

والكلام عليها من وجوه :

الأول : لا ريب أن النافي عليه الدليل كالمثبت والقضية سواء أكانت سلبية أو إيجابية إذا لم تكن بديهية لا بد لها من دليل, وأما السلب بلا علم فهو قول بلا علم فقولهم “لا تحصل التصورات إلا بالحد” قضية سالبة وليست بديهية فهم مطالبون بالدليل وإذا لم يقيموا دليلا كان هذا قولا بلا علم ,وهو أول ما أسسوه فكيف تجعل هذه القاعدة التي لم يقيموا عليها دليلا أساسا لميزان العلم , وهم يزعمون أن هذا العلم آله قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الزلل والخطأ .

مجموع الفتاوى (9|84) والرد على المنطقيين (7)

الثاني : قولهم أن التصور الذى ليس ببديهى لاينال إلا بالحد باطل لأن الحد هو قول الحاد .

فالحد في تعريفهم : هو القول الدال على ماهيه المحدود.

فلا شك أن المعرفة بالحد لا تكون إلا بعد الحد ؛فإن الحاد الذى ذكر الحد ؛إن كان عرف المحدود بغير حد بطل قولهم – أنه لا يعرف إلا بالحد – وإن كان عرفه بحد آخر فالقول فيه كالقول فى الأول؛ فإن كان هذا الحاد عرفه بعد الحد الأول لزم التسلسل أوالدور( ) .

الرد على المنطقيين (27)ومجموع الفتاوى (9|44)

الثالث: لو حصل تصور المحدود بالحد لحصل ذلك قبل العلم بصحة الحد

قال : لو كان الحد مفيدا لتصور المحدود لم يحصل ذلك إلا بعد العلم بصحة الحد ؛فإنه دليل التصور وطريقه وكاشفه ؛ فمن الممتنع أن يعلم المعرف المحدود قبل العلم بصحة المعرف ,والعلم بصحة الحد لا يحصل إلا بعد العلم بالمحدود إذ الحد خبر عن مخبر هو المحدود ؛فمن المتنع أن يعلم صحة الخبر وصدقه قبل تصور المخبر عنه من غير تقليد للمخبر وقبول قوله.

مجموع الفتاوى (9|93) والرد على المنطقيين (38)

الرابع :استغناء أهل العلوم عن الحد

إن الأمم جميعهم من أهل العلوم والمقالات وأهل الأعمال والصناعات يعرفون الأمور التي يحتاجون إلى معرفتها ,ويحققون من العلوم والأعمال من غير تكلم بحد ,ولا نجد أحدا من أئمة العلوم يتكلم بهذه الحدود لا أئمة الفقه ولا النحو ولا الطب ولا الحساب ولا أهل الصناعات مع أنهم يتصورون مفردات علمهم؛ فعلم استغناء التصور عن هذه الحدود .

مجموع الفتاوى (9|85) والرد على المنطقيين (8)

وقال أيضا : أن المتكلمين بالحدود طائفة قليلة فى بنى آدم لا سيما الصناعة المنطقية ؛فإن واضعها هو أرسطو وسلك خلفه فيها طائفة من بنى آدم .

ومن المعلوم أن علوم بنى آدم عامتهم وخاصتهم حاصلة بدون ذلك ؛فبطل قولهم إن المعرفة متوقفة عليها, أما الأنبياء فلا ريب فى استغنائهم عنها ,وكذلك أتباع الأنبياء من العلماء والعامة ؛ فإن القرون الثلاثة من هذه الأمة الذين كانوا أعلم بنى آدم علوما ومعارف لم يكن تكلف هذه الحدود من عادتهم ؛فإنهم لم يبتدعوها ولم تكن الكتب الاعجمية الرومية عربت لهم ,وإنما حدثت بعدهم من مبتدعة المتكلمين والفلاسفة ,ومن حين حدثت صار بينهم من الاختلاف والجهل مالا يعلمه إلا الله .

وكذلك علم الطلب و الحساب وغير ذلك لاتجد أئمة هذه العلوم يتكلفون هذه الحدود المركبة من الجنس والفصل إلا من خلط ذلك بصنعتهم من أهل المنطق .

وكذلك النحاة مثل سيبويه الذى ليس فى العالم مثل كتابه ,وفيه حكمة لسان العرب لم يتكلف فيه حد الاسم والفاعل ونحو ذلك كما فعل غيره .

ولما تكلف النحاة حد الاسم ذكروا حدودا كثيرة كلها مطعون فيها عندهم ,وكذلك ما تكلف متأخروهم من حد الفاعل والمبتدأ والخبر نحو ذلك لم يدخل فيها عندهم من هو إمام فى الصناعة ولا حاذق فيها .

وكذلك الحدود التى يتكلفها بعض الفقهاء للطهارة والنجاسة وغير ذلك من معانى الأسماء المتداولة بينهم ,وكذلك الحدود التى تكلفها الناظرون فى أصول الفقه لمثل الخبر والقياس والعلم ,وغير ذلك لم يدخل فيها إلا من ليس بإمام فى الفن ,وإلى الساعة لم يسلم لهم حد ,وكذلك حدود أهل الكلام ؛ فإذا كان حذاق بنى آدم فى كل فن من العلم أحكموه بدون هذه الحدود المتكلفة بطل دعوى توقف المعرفة عليها .

مجموع الفتاوى(9|47)

الخامس : أن سامع الحد إن لم يكن عارفا قبل ذلك بمفردات ألفاظه ودلالتها على معانيها المفردة لم يمكنه فهم الكلام والعلم بأن اللفظ دال على المعنى وموضوع له مسبوق بتصور المعنى وإن كان متصورا لمسمى اللفظ ومعناه قبل سماعه امتنع أن يقال إنما تصوره بسماعه( ) .

مجموع الفتاوى (9|86) والرد على المنطقيين (10)

السادس : صناعة الحد وضع اصطلاحي غير فطري

قال : هذه صناعة وضعية اصطلاحية ليست من الأمور الحقيقة العلمية ,وهي مع ذلك مخالفة لصريح العقل ,ولما عليه الوجود في مواضع ؛فتكون باطلة ليست من الأوضاع المجردة كوضع أسماء الأعلام ؛فإن تلك فيها منفعة وهي لا تخالف عقلا ولا وجودا ,وأما وضعهم فمخالف لصريح العقل والوجود ,ولو كان وضعا مجردا لم يكن ميزانا للعلوم والحقائق ؛فإن الأمور الحقيقية العلمية لا تختلف باختلاف الأوضاع والاصطلاحات كالمعرفة بصفات الأشياء وحقائقها ؛فالعلم بأن الشيء حي أو عالم أو قادر أو مريد أو متحرك أو ساكن أو حساس أو غير حساس ليس هو من الصناعات الوضعية بل هو من الأمور الحقيقية الفطرية التي فطر الله تعالى عباده عليها ؛كما فطرهم على أنواع الارادات الصحيحة والحركات المستقيمة .

لاسيما وهؤلاء يقولون إن المنطق ميزان العلوم العقلية ومراعاته تعصم الذهن عن أن يغلط في فكره ؛ كما أن العروض ميزان الشعر والنحو والتصريف ميزان الألفاظ العربية المركبة والمفردة وآلات المواقيت موازين لها.

ولكن ليس الأمر كذلك؛ فإن العلوم العقلية تعلم بما فطر الله عليه بني آدم من أسباب الادراك لا تقف على ميزان وضعي لشخص معين ولا يقلد في العقليات أحد بخلاف العربية فانها عادة لقوم لا تعرف الا بالسماع وقوانينها لا تعرف إلا بالاستقراء بخلاف ما به يعرف مقادير المكيلات والمذونات والمزروعات والمعدودات فانها تفتقر إلى ذلك غالبا لكن تعيين ما به يكال ويوزن بقدر مخصوص أمر عادي كعادة الناس في اللغات .

الرد على المنطقيين (27)

السابع : إلى الساعة لا يعلم للناس حد مستقيم على أصلهم بل أظهر الأشياء الإنسان وحده بالحيوان الناطق عليه الاعتراضات المشهورة , وكذا حد الشمس وأمثاله حتى إن النحاة لما دخل متأخروهم في الحدود ذكروا للاسم بضعة وعشرين حدا وكلها معترضة على أصلهم , والأصوليون ذكروا للقياس بضعة وعشرين حدا وكلها أيضا معترضة ,وعامة الحدود المذكورة في كتب الفلاسفة والأطباء والنحاة وأهل الأصول والكلام معترضة لم يسلم منها إلا القليل فلو كان تصور الأشياء موقوفا على الحدود ولم يكن إلى الساعة قد تصور الناس شيئا من هذه الأمور والتصديق موقوف على التصور ؛فإذا لم يحصل تصور لم يحصل تصديق فلا يكون عند بني آدم علم من عامة علومهم وهذا من أعظم السفسطة .

مجموع الفتاوى(9|85) والرد على المنطقيين (8)

الثامن : أن تصور الماهية – حقيقة الشيء – إنما يحصل عندهم بالحد الحقيقي المؤلف من الذاتيات المشتركة والمميزة ,وهو المركب من الجنس والفصل وهذا الحد إما متعذر أو متعسر كما قد أقروا بذلك وحينئذ فلا يكون قد تصور حقيقة من الحقائق دائما أو غالبا وقد تصورت الحقائق فعلم استغناء التصور عن الحد .

مجموع الفتاوى(9|86) والرد على المنطقيين (9)

قال : ولما راموا ذلك لم يكن بد من أن يفرقوا بين بعض الصفات وبعض؛ إذ جعلوا التصور بما جعلوه ذاتيا فلا بد أن يفرقوا بين ما هو ذاتي عندهم وما ليس كذلك ؛فأدى ذلك إلى التفريق بين المتماثلات حيث جعلوا صفة ذاتية دون أخرى مع تساويهما أو تقاربهما وطلب الفرق بين المتماثلات ممتنع وبين المتقاربات عسر ؛فالمطلوب إما متعذر أو متعسر ؛فإن كان متعذرا بطل بالكلية وإن كان متعسرا فهو بعد حصوله, ليس فيه فائدة زائدة على ما كان يعرف قبل حصوله فصاروا بين أن يمتنع عليهم ما شرطوه أوينالوه ولا يحصل به ما قصدوه على التقديرين فليس ما وضعوه من الحد طريقا لتصور الحقائق في نفس من لا يتصورها بدون الحد ,وإن كان قد يفيد من تمييز المحدود ما تفيده الأسماء .

وقد تفطن الفخر الرازي لما عليه أئمة الكلام وقرر في محصله وغيره أن التصورات لا تكون مكتسبة وهذا هو حقيقة قولنا أن الحد لا يفيد تصور المحدود ( ).

مجموع الفتاوى(9|89) والرد على المنطقيين (29) (31)

وقال أيضا :إن العلم بوجود صفات مشتركة ومختصة حق ؛لكن التمييز بين تلك الصفات بجعل بعضها ذاتيا تتقوم منه حقيقة المحدود ,وبعضها لازما لحقيقة المحدود تفريق باطل ؛بل جميع الصفات الملازمة للمحدود طردا وعكسا( )هي جنس واحد فلا فرق بين الفصل والخاصة ولا بين الجنس والعرض العام .

وذلك أن الحقيقة المركبة من تلك الصفات إما أن يعني بها الخارجة أو الذهنية أو شيء ثالث ,فإن عنى بها الخارجة فالنطق والضحك في الإنسان حقيقتان لازمتان يختصان به ,وإن عنى الحقيقة التي في الذهن ,فالذهن يعقل اختصاص هاتين الصفتين به دون غيره .

وإن قيل بل إحدى الصفتين يتوقف عقل الحقيقة عليها ؛فلا يعقل الإنسان في الذهن حتى يفهم النطق ,وأما الضحك فهو تابع لفهم الانسان ,وهذا معنى قولهم الذاتي ما لا يتصور فهم الحقيقة بدون فهمه أو ما تقف الحقيقة في الذهن ,والخارج عليه قيل إدراك الذهن أمر نسبي إضافي ؛فإن كون الذهن لا يفهم هذا إلا بعد هذا أمر يتعلق بنفس إدراك الذهن ليس هو شيئا ثابتا للموصوف في نفسه فلا بد أن يكون الفرق بين الذاتي والعرضي بوصف ثابت في نفس الأمر سواء حصل الإدراك له أو لم يحصل إن كان أحدهما جزءا للحقيقة دون الآخر وإلا فلا .

مجموع الفتاوى (9|53)

التاسع : أن يقال كون الذهن لا يعقل هذا إلا بعد هذا( ) إن كان إشارة إلى أذهان معينة وهي التي تصورت هذا: لم يكن هذا حجة لأنهم هم وضعوها هكذا ؛فيكون التقدير أن ما قدمناه في أذهاننا على الحقيقة فهو الذاتي ,وما أخرناه فهو العرضي ويعود الأمر إلى أنا تحكمنا بجعل بعض الصفات ذاتيا وبعضها عرضيا لازما وغير لازم ,وإن كان الأمر كذلك كان هذا الفرقان مجرد تحكم بلا سلطان ولا يستنكر من هؤلاء أن يجمعوا بين المفترقين ويفرقوا بين المتماثلين( ).

فما أكثر هذا في مقاييسهم التي ضلوا بها وأضلوا ,وهو أول من أفسد دين المسلمين وابتدع ما غير به الصائبة مذاهب أهل الإيمان المهتدين .

وإن قالوا بل جميع أذهان بني آدم والأذهان الصحيحة لا تدرك الإنسان إلا بعد خطور نطقه ببالها دون ضحكه .

قيل لهم ليس هذا بصحيح ,ولا يكاد يوجد هذا الترتيب إلا فيمن يقلد عنكم هذه الحدود من المقلدين لكم في الأمور التي جعلتموها ميزان المعقولات ,وإلا فبنو آدم قد لا يخطر لأحدهم أحد الوصفين ,وقد يخطر له هذا دون هذا وبالعكس ,ولو خطر له الوصفان وعرف أن الإنسان حيوان ناطق ضاحك لم يكن بمجرد معرفته هذه الصفات مدركا لحقيقة الإنسان أصلا وكل هذا أمر محسوس معقول …

ومن هنا يقولون الحدود الذاتية عسرة ,وإدراك الصفات الذاتية صعب وغالب ما بأيدي الناس حدود رسمية وذلك كله لأنهم وضعوا تفريقا بين شيئين بمجرد التحكم الذي هم أدخلوه .( ).

مجموع الفتاوى(9|54)

العاشر : قولهم الحقيقة مركبة من الجنس والفصل والجنس هو الجزء المشترك والفصل هو الجزء المميز.

يقال لهم هذا التركيب إما أن يكون في الخارج أو في الذهن ؛فإن كان في الخارج فليس في الخارج نوع كلي يكون محدودا بهذا الحد إلا الأعيان المحسوسة والأعيان في كل عين صفة يكون نظيرها لسائر الحيوانات كالحس والحركة الإرادية, وصفة ليس مثلها لسائر الحيوان وهي النطق ,وفي كل عين يجتمع هذان الوصفان كما يجتمع سائر الصفات والجواهر القائمة لأمور مركبة من الصفات المجعولة لها .

وإن أردتم بالحيوانية والناطقية جوهرا فليس في الإنسان جوهران أحدهما حي والآخر ناطق بل هو جوهر واحد له صفتان ؛فإن كان الجوهر مركبا من عرضين لم يصح وإن كان من جوهر عام وخاص فليس فيه ذلك فبطل كون الحقيقة الخارجة مركبة .

وإن جعلوها تارة جوهرا وتارة صفة كان ذلك بمنزلة قول النصارى في الأقانيم وهو من أعظم الأقوال تناقضا باتفاق العلماء .

وإن قالوا المركب الحقيقة الذهنية المعقولة !

قيل أولا : تلك ليست هي المقصودة بالحدود إلا أن تكون مطابقة للخارج ؛فإن لم يكن هناك تركيب لم يصح أن يكون في هذه تركيب وليس في الذهن إلا تصور الحي الناطق وهو جوهر واحد له صفتان كما قدمنا فلا تركيب فيه بحال .

مجموع الفتاوى(9|56)

وقال أيضا : إن في الصفات الذاتية المشتركة والمختصة كالحيوانية والناطقية إن أرادوا بالاشتراك أن نفس الصفة الموجودة في الخارج مشتركة؛ فهذا باطل إذ لا اشتراك في المعينات التي يمنع تصورها من وقوع الشركة فيها.

وإن أرادوا بالاشتراك أن مثل تلك الصفة حاصلة للنوع الآخر.

قيل لهم لا ريب أن بين حيوانية الإنسان وحيوانية الفرس قدرا مشتركا ,وكذلك بين صوتيهما وتمييزهما قدرا مشتركا ؛فإن الإنسان له تمييز وللفرس تمييز ولهذا صوت هو النطق ولذاك صوت هو الصهيل ؛فقد خص كل صوت باسم يخصه ؛فإذا كان حقيقة أحد هذين يخالف الآخر ويختص بنوعه ؛فمن أين جعلتم حيوانية أحدهما مماثلة لحيوانية الآخر في الحد والحقيقة .

وهلا قيل أن بين حيوانيتهما قدرا مشتركا ومميزا كما أن بين صوتيهما كذلك ,وذلك أن الحس والحركة الإرادية إما أن توجد للجسم أو للنفس ؛فإن الجسم يحس ويتحرك بالإرادة والنفس تحس وتتحرك بالإرادة ,وإن كان بين الوصفين من الفرق ما بين الحقيقتين وكذلك النطق هو للنفس بالتمييز والمعرفة والكلام النفساني وهو للجسم أيضا بتمييز القلب ومعرفته والكلام اللساني ؛فكل من جسمه ونفسه يوصف بهذين الوصفين وليست حركة نفسه وإرادتها ومعرفتها ونطقها مثل ما للفرس وإن كان بينهما قدر مشترك ,وكذلك ما يقوم بجسمه من الحس والحركة الإرادية ليس مثل ما للفرس وإن كان بينهما قدر مشترك ؛فإن الذي يلائم جسمه من مطعم ومشرب وملبس ومنكح ومشموم ومرئي ومسموع بحيث يحسه ويتحرك إليه حركة إرادية ليس هو مثل ما للفرس .

فالحس والحركة الإرادية هي بالمعنى العام لجميع الحيوان وبالمعنى الخاص ليس إلا للإنسان ,وكذلك التمييز سواء ,ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبد الرحمن وأصدق الأسماء حارث وهمام وأقبحها حرب ومرة . رواه مسلم

فالحارث هو العامل الكاسب المتحرك والهمام هو الدائم الهم الذي هو مقدم الإرادة ؛ فكل إنسان حارث فاعل بإرادته ,وكذلك مسبوق بإحساسه ؛فحيوانية الإنسان ونطقه كل منهما فيه ما يشترك مع الحيوان فيه ,وفيه ما يختص به عن سائر الحيوان وكذلك بناء بنيته فإن نموه واغتذاءه ,وإن كان بينه وبين النبات فيه قدر مشترك فليس مثله هو ,إذ هذا يغتذى بما يلذ به ويسر نفسه وينمو بنمو حسه وحركته وهمه وحرثه وليس النبات كذلك .

وكذلك أصناف النوع وأفراده فنطق العرب بتمييز قلوبهم وبيان ألسنتهم أكمل من نطق غيرهم ؛حتى ليكون في بني آدم من هو دون البهائم في النطق والتمييز ومنهم من لا يدرك نهايته .

وهذا كله يبين اشتراك أفراد الصنف وأصناف النوع وأنواع الجنس والأجناس السافلة في مسمى الجنس الأعلى( ) لا يقتضي أن يكون المعنى المشترك فيها بالسواء كما أنه ليس بين الحقائق الخارجة شيء مشترك ولكن الذهن فهم معنى يوجد في هذا ويوجد نظيره في هذا ,وقد تبين أنه ليس نظيرا له على وجه المماثلة لكن على وجه المشابهة وأن ذلك المعنى المشترك هو في أحدهما على حقيقة تخالف حقيقة ما في الآخر .

ومن هنا يغلط القياسيون الذين يلحظون المعنى المشترك الجامع دون الفارق المميز .

مجموع الفتاوى (9|62)

الحادي عشر : اشتراط الصفات الذاتية المشتركة أمر وضعي محض

أن يقال قولهم إن الحد التام يفيد تصوير الحقيقة واشتراطهم أن يكون مؤلفا من الذاتي المميز والذاتي المشترك وهو الجنس .

يقال لهم هل تشترطون فيه أن تتصور جميع صفاته الذاتيه المشتركة بينه وبين غيره أم لا ؟فإن اشترطتم ذلك لزم أن تقولوا مثلا جسم نام حساس متحرك بالإرادة فأما لفظ الحيوان فلا يدل على هذه الصفات بالمطابقة ولا بفصلها وإن لم تشترطوا ذلك فاكتفوا بمجرد المميز كالناطق مثلا ؛فإن الناطق يدل على الحيوان كما يدل الحيوان على النامى إذ النامى جنس قريب للحيوان يشترك فيه الحيوان والنبات فإذا أردت حد الحيوان على وضعهم, قلت: الجسم النامى الحساس المتحرك بالإرادة .

والمقصود أنهم إن اكتفوا في الدلالة على الصفات المشتركة بما يدل بالتضمين أو بالالتزام ؛فالفصل يدل على ذلك ,وإن أرادوا تفصيلها بدلالة المطابقة ؛فلم يفعلوا ذلك وهذا يبين أن إيجابهم في الحد التام الجنس القريب دون غيره تحكم محض .

الرد على المنطقيين (75)

الثاني عشر : اشتراط ذكر الفصول مع التفريق بين الذاتي واللازم غير ممكن وهو أن اشتراطهم مثلا ذكر الفصول التي هي الذاتيات المميزة مع تفريقهم بين الذاتي والعرضى اللازم للماهية غير ممكن( ) إذ ما من مميز هو من خواص المحدود المطابقة له في العموم والخصوص إلا ويمكن شخصا أن يجعله ذاتيا مميزا, ويمكن الآخر أن يجعله عرضيا لازما للماهية .

الرد على المنطقيين (77)

الثالث عشر : أن يقال المفيد لتصور الحقيقة عندهم هو الحد العام المؤلف من الذاتيات دون العرضيات ,ومبنى هذا الكلام على الفرق بين الذاتي والعرضي وهم يقولون الذاتي ما كان داخل الماهية ,والعرضي ما كان خارجا عنها وقسموه إلى لازم للماهية ولازم لوجودها.

وهذا الكلام الذي ذكروه مبني على أصلين فاسدين الفرق بين الماهية ووجودها ثم الفرق بين الذاتي لها واللازم لها:

فالأصل الأول قولهم أن الماهية لها حقيقة ثابتة في الخارج غير وجودها ,وهذا شبيه بقول من يقول المعدوم شيء ,وهو من أفسد ما يكون ,وأصل ضلالهم أنهم رأوا الشيء قبل وجوده يعلم ويراد ,ويميز بين المقدور عليه والمعجوز عنه ونحو ذلك فقالوا :لو لم يكن ثابتا لما كان كذلك كما أنا نتكلم في حقائق الأشياء التي هي ماهياتها مع قطع النظر عن وجودها في الخارج ؛فتخيل الغالط أن هذه الحقائق والماهيات أمور ثابتة في الخارج .

والتحقيق أن ذلك كله أمر ثابت في الذهن والمقدر في الأذهان أوسع من الموجود في الأعيان ,وهو موجود وثابت في الذهن وليس هو في نفس الأمر لا موجودا ولا ثابتا ؛فالتفريق بين الوجود والثبوت ,وكذلك التفريق بين الوجود والماهية مع دعوى أن كليهما في الخارج غلط عظيم .

وهؤلاء ظنوا أن الحقائق النوعية كحقيقة الإنسان والفرس وأمثال ذلك ثابتة في الخارج غير الأعيان الموجودة في الخارج ,وأنها أزلية لا تقبل الاستحالة وهذه التي تسمى المثل الأفلاطونية ,ولم يقتصروا على ذلك بل أثبتوا أيضا ذلك في المادة والماهية والمكان فأثبتوا مادة مجردة عن الصور ثابتة في الخارج وهي الهيولى الأولية التي بنوا عليها قدم العالم ,وغلطهم فيها جمهور العقلاء.

والكلام على من فرق بين الوجود والماهية مبسوط في غير هذا الموضع ,والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الماهية ووجودها في الخارج هو مبنى على هذا الأصل الفاسد ,وحقيقة الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء ,والوجود ما يكون في الخارج منه وهذا فرق صحيح ؛فإن الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه ,وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهو باطل .

و الأصل الثاني وهو الفرق بين اللازم للماهية والذاتي لا حقيقة له ؛فإنه إن جعلت الماهية التي في الخارج مجردة عن الصفات اللازمة ,وأمكن أن يجعل الوجود الذي في الخارج مجردا عن هذه الصفات اللازمة ,وإن جعل هذا هو نفس الماهية بلوازمها كان هذا بمنزلة أن يقال هذا الوجود بلوازمه وهما باطلان ؛فإن الزوجية والفردية للعدد مثلا مثل الحيوانية والنطق للإنسان ,وكلاهما إذا خطر بالبال منه الموصوف مع الصفة لم يمكن تقدير الموصوف دون الصفة ,وما ذكروه من أن ما جعلوه هو الذاتي يتقدم بصورة في الذهن فباطل من وجهين :

أحدهما : أن هذا خبر عن وضعهم إذ هم يقدمون هذا في أذهانهم ,ويؤخرون هذا وهذا حكم محض ,وكل من قدم هذا دون ذا فإنما قلدهم في ذلك .

ومعلوم أن الحقائق الخارجية المستغنية عنا لا تكون تابعة لتصوراتنا فليس إذا فرضنا هذا مقدما وهذا مؤخرا يكون هذا في الخارج كذلك , وسائر بني آدم الذين يقلدونهم في هذا الموضع لا يستحضرون هذا التقديم والتأخير, ولو كان هذا فطريا كانت الفطرة تدركه بدون التقليد كما تدرك سائر الأمور الفطرية والذي في الفطرة أن هذه اللوازم كلها لوازم للموصوف ,وقد يخطر بالبال ,وقد لا يخطر أما أن يكون هذا خارجا عن الذات وهذا داخلا في الذات فهذا تحكم محض ليس له شاهد لا في الخارج ولا في الفطرة .

و الثاني: أن كون الوصف ذاتيا للموصوف هو أمر تابع لحقيقته التي هو بها سواء تصورته أذهاننا أو لم تتصوره ؛فلا بد إذا كان أحد الوصفين ذاتيا دون الآخر أن يكون الفرق بينهما أمرا يعود إلى حقيقتهما الخارجة الثابتة بدون الذهن وأما أن يكون بين الحقائق الخارجة ما لا حقيقة له إلا مجرد التقدم والتأخر في الذهن ؛فهذا لا يكون إلا أن تكون الحقيقة والماهية هي ما يقدر في الذهن لا ما يوجد في الخارج ,وذلك أمر يتبع تقدير صاحب الذهن ,وحينئذ فيعود حاصل هذا الكلام إلى أمور مقدرة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج وهي التخيلات والتوهمات الباطلة وهذا كثير في أصولهم .

مجموع الفتاوى(9|100)والرد على المنطقيين (62)

الرابع عشر : أن يقال لهم هل تشترطون في الحد التام وكونه يفيد تصور الحقيقة أن تتصور جميع صفاته الذاتية المشتركة بينه وبين غيره أم لا ؟فإن شرطوا لزم استيعاب جميع الصفات وإن لم يشترطوا واكتفوا بالجنس القريب دون غيره فهو تحكم محض وإذا عارضهم من يوجب ذكر جميع الأجناس أو يحذف جميع الأجناس لم يكن لهم جواب إلا أن هذا وضعهم واصطلاحهم ,ومعلوم أن العلوم الحقيقية لا تختلف باختلاف الأوضاع ؛ فقد تبين أن ما ذكروه هو من باب الوضع والاصطلاح الذي جعلوه من باب الحقائق الذاتية والمعارف وهذا عين الضلال والإضلال كمن يجيء إلى شخصين متماثلين فيجعل هذا مؤمنا وهذا كافرا وهذا عالما وهذا جاهلا وهذا سعيدا وهذا شقيا من غير افتراق بين ذاتيهما بل بمجرد وضعه واصطلاحه ؛فهم مع دعواهم القياس العقلي يفرقون بين المتماثلات ويسوون بين المختلفات .

مجموع الفتاوى(9|101)

الخامس عشر : أن فيما قولوه دورا فلا يصح وذلك أنهم يقولون أن المحدود لا يتصور إلا بذكر صفاته الذاتية ثم يقولون الذاتي هو ما لا يمكن تصور الماهية بدون تصوره ,فإذا كان المتعلم لا يتصور المحدود حتى يتصور صفاته الذاتية ,ولا يعرف أن الصفة ذاتية حتى يتصور الموصوف الذي هو المحدود ,ولا يتصور الموصوف حتى يتصور الصفات الذاتية ويميز بينها وبين غيرها ؛فتتوقف معرفة الذات على معرفة الذاتيات , ويتوقف معرفة الذاتيات على معرفة الذات فلا يعرف هو ولا تعرف الذاتيات ,وهذا كلام متين يجتاح أصل كلامهم ,ويبين أنهم متحكمون فيما وضعوه لم يبنوه على أصل علمي تابع للحقائق لكن قالوا هذا ذاتي وهذا غير ذاتي بمجرد التحكم ولم يعتمدوا على أمر يمكن الفرق به بين الذاتي وغيره فإذا لم يعرف المحدود إلا بالحد والحد غير ممكن لم يعرف وذلك باطل .

مجموع الفتاوى(9|102) والرد على المنطقيين (77)

السادس عشر : أنه يحصل بينهم في هذا الباب نزاع لا يمكن فصله على هذا الأصل وما استلزم تكافؤ الأدلة فهو باطل .

مجموع الفتاوى(9|102)

السابع عشر : أنهم يحدون المحدود بالصفات التي يسمونها الذاتية والعرضية ويسمونها أجزاء الحد وأجزاء الماهية والمقومة لها والداخلة فيها ونحو ذلك من العبارات ؛فإن لم يعلم المستمع إن المحدود موصوف بتلك الصفات امتنع تصوره وإن علم أنه موصوف بها كان قد تصوره بدون الحد فثبت أنه على التقديرين لا يكون قد تصوره بالحد وهذا بين .

فإنه إذا قيل الانسان هو الحيوان الناطق ولا يعلم أنه الإنسان احتاج إلى العلم بهذه النسبة ,وإن لم يكن متصور المسمى الحيوان الناطق احتاج إلى شيئين تصور ذلك والعلم بالنسبة المذكورة ,وإن عرف ذلك كان قد تصور الإنسان بدون الحد .

نعم الحد قد ينبه على تصور المحدود كما ينبه الاسم ؛فإن الذهن قد يكون غافلا عن الشيء ؛فإذا سمع اسمه وحده أقبل بذهنه إلى الشيء الذي أشير إليه بالاسم أو الحد فيتصوره فتكون فائدة الحد من جنس فائدة الاسم ,وتكون الحدود للأنواع بالصفات كالحدود للأعيان بالجهات كما إذا قيل حد الأرض من الجانب القبلي كذا , ومن الجانب الشرقي كذا , ميزت الأرض باسمها وحدها ,وحد الأرض يحتاج إليه اذا خيف من الزيادة في المسمى أو النقص منه فيفيد إدخال المحدود جميعه وإخراج ما ليس منه كما يفيد الاسم ,وكذلك حد النوع وهذا يحصل بالحدود اللفظية تارة وبالوضعية أخرى وحقيقة الحد في الموضعين بيان مسمى الاسم فقط وتمييز المحدود عن غيره لا تصور المحدود .

مجموع الفتاوى(9|94)والرد على المنطقيين (39)

الثامن عشر : أن هذه الصفات الذاتية قد تعلم ولا يتصور بها كنه المحدود ؛ فعلم أن ذلك ليس بموجب لفهم الحقيقة .

مجموع الفتاوى(9|57)

التاسع عشر : أن الحدود عندهم إنما تكون للحقائق المركبة وهي الأنواع التي لها جنس وفصل ؛فأما ما لا تركيب فيه وهو ما لا يدخل مع غيره تحت جنس كما مثله بعضهم بالعقل فليس له حد ,وقد عرفوه وهو من التصورات المطلوبة عندهم فعلم استغناء التصور عن الحد .

مجموع الفتاوى(9|86) والرد على المنطقيين (9)

وقال : وهم يقولون إن التصديق لا يقف على التصور التام الذي يحصل بالحد الحقيقي بل يكفي فيه أدنى تصور ؛ولو بالخاصة وتصور العقول من هذا الباب , وهذا اعتراف منهم بأن جنس التصور لا يقف على الحد الحقيقي لكن يقولون الموقوف عليه هو تصور الحقيقة أو التصور التام وسنبين إن شاء الله أنه ما من تصور إلا وفوقه تصور أتم منه ..وأنه كلما كان التصور لصفات المتصور أكثر كان التصور أتم .

وأما جعل بعض الصفات داخلة في حقيقة الموصوف وبعضها خارجة فلا يعود إلى أمر حقيقي وإنما يعود ذلك إلى جعل الداخل ما دل عليه اللفظ بالتضمن والخارج اللازم ما دل عليه اللفظ باللزوم فتعود الصفات الداخلة في الماهية إلى ما دخل في مراد المتكلم بلفظه والخارجة اللازمة للماهية إلى ما يلزم مراده بلفظه وهذا أمر يتبع مراد المتكلم فلا يعود إلى حقيقة ثابتة في نفس الأمر للموصوف .

والرد على المنطقيين (9)

العشرون : من الموجودات ما يتصور بدون حد

قال :إن الموجودات المتصورة إما أن يتصورها الإنسان بحواسه الظاهرة كالطعم واللون والريح والأجسام التي تحمل هذه الصفات أو الباطنة كالجوع والحب والبغض والفرح والحزن واللذة والألم والإرادة والكراهة وأمثال ذلك وكلها غنية من الحد .

مجموع الفتاوى(9|87) والرد على المنطقيين (11)

وقد أوضح ذلك رحمه الله فقال : إن الله جعل لابن آدم من الحس الظاهر والباطن ما يحس به الأشياء ويعرفها فيعرف بسمعه وبصره وشمه وذوقة ولمسه الظاهر ما يعرف ويعرف أيضا بما يشهده ويحسه بنفسه وقلبه ما هو أعظم من ذلك؛ فهذه هى الطرق التى تعرف بها الاشياء ,فأما الكلام فلا يتصور أن يعرف بمجرده مفردات الأشياء إلا بقياس تمثيل أو تركيب ألفاظ وليس شىء من ذلك يفيد تصور الحقيقة .

فالمقصود أن الحقيقه إن تصورها بباطنه أو ظاهره استغنى عن الحد القولى وإن لم يتصورها بذلك امتنع أن يتصور حقيقتها بالحد القولى ,وهذا أمر محسوس يجده الإنسان من نفسه ؛فإن من عرف المحسوسات المذوقة مثلا كالعسل لم يفده الحد تصورها ومن لم يذق ذلك كمن أخبر عن السكر ,وهو لم يذقه لم يمكن أن يتصور حقيقته بالكلام والحد بل يمثل له ويقرب إليه ويقال له طعمه يشبه كذا أو يشبه كذا وكذا وهذا التشبيه والتمثيل ليس هو الحد الذى يدعونه .

وكذلك المحسوسات الباطنة مثل الغضب والفرح والحزن والعلم والغم والعلم ونحو ذلك من وجدها فقد تصورها ,ومن لم يجد ها لم يمكن إن يتصورها بالحد ولهذا لا يتصور الأكمه الألوان بالحد ولا العنين الوقاع بالحد فإذن القائل بأن الحدود هى التى تفيد تصور الحقائق قائل للباطل المعلوم بالحس الباطن والظاهر .

مجموع الفتاوى (9|48)

الحادي والعشرون : أنهم معترفون بأن من التصورات ما يكون بديهيا لا يحتاج إلى حد وحينئذ فيقال كون العلم بديهيا أو نظرها من الأمور النسبية الإضافية فقد يكون النظري عند رجل بديهيا عند غيره لوصوله إليه بأسبابه من مشاهدة أو تواتر أو قرائن والناس يتفاوتون في الإدراك تفاوتا لا ينضبط فقد يصير البديهي عند هذا دون ذاك بديهيا كذلك أيضا بمثل الاسباب التي حصلت لهذا ولا يحتاج إلى حد .

مجموع الفتاوى (9|87) والرد على المنطقيين (13)

الثاني والعشرون : أنهم يقولون للمعترض أن يطعن على الحد بالنقض في الطرد أو في المنع وبالمعارضة بحد آخر ؛فإذا كان المستمع للحد يبطله بالنقض تارة وبالمعارضة أخرى ومعلوم أن كليهما لا يمكن إلا بعد تصور المحدود علم أنه يمكن تصور المحدود بدون الحد وهو المطلوب ( ).

مجموع الفتاوى (9|87) والرد على المنطقيين (11)

الثالث والعشرون : أنهم يقولون الحد لا يمنع ولا يقام عليه دليل وإنما يمكن إبطاله بالنقض والمعارضة فيقال إذا لم يكن الحاد قد أقام دليلا على صحة الحد امتنع أن يعرف المستمع المحدود به إذا جوز عليه الخطأ ؛فإنه إذا لم يعرف صحة الحد بقوله ,وقوله محتمل الصدق والكذب امتنع أن يعرفه بقوله .

ومن العجب أن هؤلاء يزعمون أن هذه طرق عقلية يقينية ويجعلون العلم بالمفرد أصل العلم بالمركب, ويجعلون العمدة في ذلك على الحد الذي هو قول الحاد بلا دليل وهو خبر واحد عن أمر عقلي لا حسي يحتمل الصواب والخطا والصدق الكذب ثم يعيبون على من يعتمد على الأمور السمعية على نقل الواحد الذي معه من القرائن ما يفيد المستمع العالم بها العلم اليقيني زاعمين أن خبر الواحد لا يفيد العلم ,وخبر الواحد وإن لم يفد العلم لكن هذا بعينه قولهم في الحد ؛فإنه خبر واحد لا دليل على صدقه بل , ولا يمكن عندهم إقامة الدليل على صدقه فلم يكن الحد مفيدا لتصور المحدود ولكن إن كان المستمع قد تصور المحدود قبل هذا أو تصوره معه أو بعده بدون الحد وعلم أن ذلك حده علم صدقه في حده وحينئذ فلا يكون الحد أفاد التصور وهذا بين .

وتلخيصه أن تصور المحدود بالحد لا يمكن بدون العلم بصدق قول الحاد وصدق قوله لا يعلم بمجرد الخبر فلا يعلم المحدود بالحد .

مجموع الفتاوى (9|92) والرد على المنطقيين (37)

الرابع والعشرون : المعاني الكلية وجودها في الذهن وما هو خارج الذهن لا يتعين ولا يعرف بمجرد الحد .

قال رحمه الله :إن الحدود إنما هي أقوال كلية كقولنا حيوان ناطق و لفظ يدل على معنى ونحو ذلك ؛فتصور معناها لا يمنع من وقوع الشركة فيها ,وإن كانت الشركة ممتنعة لسبب آخر فهى إذن لا تدل على حقيقة معينه بخصوصها ,وإنما تدل على معنى كلى والمعانى الكلية وجودها فى الذهن لا فى الخارج ؛فما فى الخارج لا يتعين ولا يعرف بمجرد الحد وما فى الذهن ليس هو حقائق الأشياء فالحد لا يفيد تصور حقيقة أصلا .

مجموع الفتاوى (9|48)

الخامس والعشرون :حقيقة الحد هو الفصل والتمييز لا تصور حقيقة

إن الحد هو الفصل والتمييز بين المحدود وغيره ؛ يفيد ما تفيده الأسماء من التمييز والفصل بين المسمى وبين غيره ؛فهذا لا ريب فى أنه يفيد التمييز ,فأما تصور حقيقة فلا لكنها قد تفصل ما دل عليه الاسم بالإجمال ,وليس ذلك من إدراك الحقيقة فى شىء والشرط فى ذلك أن تكون الصفات ذاتية بل هو بمنزلة التقسيم والتحديد للكل كالتقسيم لجزئياته ويظهر ذلك .

مجموع الفتاوى (9|49)

وقال رحمه الله : المحققون من النظار على أن الحد فائدته التمييز بين المحدود وغيره كالاسم ليس فائدته تصوير المحدود وتعريف حقيقته ,وإنما يدعى هذا أهل المنطق اليونانيون أتباع أرسطو ومن سلك سبيلهم تقليدا لهم من الإسلاميين وغيرهم ؛فأما جماهير أهل النظر والكلام من المسلمين وغيرهم فعلى خلاف هذا وإنما أدخل هذا من تكلم في أصول الدين والفقه بعد أبي حامد في أواخر المائة الخامسة وهم الذين تكلموا في الحدود بطريقة أهل المنطق اليوناني ,وأما سائر النظار من جميع الطوائف الأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة وغيرهم فعندهم إنما يفيد الحد التمييز بين المحدود وغيره وذلك مشهور في كتب أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي إسحق وابن فورك والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وإمام الحرمين والنسفى وأبي علي وأبي هاشم وعبد الجبار والطوسي ومحمد بن الهيصم وغيرهم .

ثم إن ما ذكره أهل المنطق من صناعة الحد لا ريب أنهم وضعوها وضعا وقد كانت الأمم قبلهم تعرف حقائق الأشياء بدون هذا الوضع وعامة الأمم بعدهم تعرف حقائق الأشياء بدون وضعهم وهم إذا تدبروا وجدوا أنفسهم يعملون حقائق الأشياء بدون هذه الصناعة الوضعية .

مجموع الفتاوى (9|89) والرد على المنطقيين (14)

السادس والعشرون : ليس من وظائف الحد معرفة عموم وخصوص المحدود .

وهو أن الحس الباطن والظاهر يفيد تصور الحقيقة تصورا مطلقا أماعمومها وخصوصها فهو من حكم العقل ؛فإن القلب يعقل معنى من هذا المعين ,ومعنى يماثله من هذا المعين ؛فيصير فى القلب معنى عاما مشتركا وذلك هوعقله أى عقله للمعاني الكليه ؛فإذا عقل معنى الحيوانية الذى يكون فى هذا الحيوان وهذا الحيوان ومعنى الناطق الذى يكون فى هذا الإنسان ,وهذا الإنسان وهومختص به عقل أن فى نوع الإنسان معنى يكون نظيره فى الحيوان ومعنى ليس له نظير فى الحيوان

فالأول هو الذي يقال له الجنس والثانى الذى يقال له الفصل وهما موجودان فى النوع .

فهذا حق ولكن لم يستفد من اللفظ ما لم يكن يعرفه بعقله من أن هذا المعنى عام للإنسان ولغيره من الحيوان بمعنى أن ما فى هذا نظير ما فى هذا ليس فى الأعيان الخارجة عموم ,وهذا المعنى يختص بالإنسان فلا فرق بين قولك الإنسان حيوان ناطق وقولك الإنسان هو الحيوان الناطق إلا من جهة الإحاطة والحصر فى الثانى لا من جهة تصوير حقيقته باللفظ والإحاطة , والحصر هو التمييز الحاصل بمجرد الاسم وهو قولك إنسان وبشر ؛فإن هذا الاسم إذا فهم مسماه أفاد من التمييز ما أفاده الحيوان الناطق فى سلامته عن المطاعن .

وأما تصور أن فيه معنى عاما ومعنى خاصا فليس هذا من خصائص الحد كما تقدم والذى يختص بالحد ليس إلا مجرد التمييز الحاصل بالأسماء وهذا بين لمن تأمله .

مجموع الفتاوى (9|51)

السابع والعشرون: أن الحد إذا كان له جزءان فلا بد لجزءيه من تصور كالحيوان والناطق ؛فإن احتاج كل جزء إلى حد لزم التسلسل أو الدور

فإن كانت الأجزاء متصورة بنفسها بلا حد وهو تصور الحيوان أو الحساس أو المتحرك بالإرادة أو النامي أو الجسم فمن المعلوم أن هذه أعم وإذا كانت أعم لكون إدراك الحس لأفرادها أكثر ؛فإن كان إدراك الحس لأفرادها كافيا في التصور فالحس قد أدرك أفراد النوع وإن لم يكن كافيا في ذلك لم تكن الأجزاء معروفة فيحتاج المعرف إلى معرف وأجزاء الحد إلى حد .

مجموع الفتاوى(9|57)

الثامن والعشرون : إن التصورات المفردة يمتنع أن تكون مطلوبة فيمتنع أن يعلم بالحد لأن الذهن أن كان شاعرا بها امتنع الطلب لأن تحصيل الحاصل ممتنع وإن لم يكن شاعرا بها امتنع من النفس طلب ما لا تشعر به فإن الطلب والقصد مسبوق بالشعور .

فإن قيل فالإنسان يطلب تصور الملك والجن والروح وأشياء كثيرة ؛وهو لا يشعر بها قيل قد سمع هذه الأسماء فهو يطلب تصور مسماها كما يطلب من سمع ألفاظا لا يفهم معانيها تصور معانيها ,وهو إذا تصور مسمى هذه الأسماء ؛فلا بد أن يعلم أنها مسماة بهذا الاسم إذ لو تصور حقيقة ولم يكن ذلك الاسم فيها لم يكن تصور مطلوبه فهنا المتصور ذات وأنها مسماة بكذا وهذا ليس تصورا بالمعنى فقط بل للمعنى و لاسمه , وهذا لا ريب أنه يكون مطلوبا ولكن لا يوجب أن يكون المعنى المفرد مطلوبا ,و أيضا فإن المطلوب هنا لا يحصل بمجرد الحد بل لا بد من تعريف المحدود بالاشارة إليه أو غير ذلك مما لا يكتفي فيه بمجرد اللفظ وإذا ثبت امتناع الطلب للتصورات المفردة ؛فإما أن تكون حاصلة للإنسان فلا تحصل بالحد فلا يفيد الحد التصور واما أن تكون حاصلة فمجرد الحد لا يوجب تصور المسميات لمن لا يعرفها ومتى كان له شعور بها لم يحتج إلى الحد في ذلك الشعور إلا من جنس ما يحتاج إلى الاسم والمقصود هوالتسوية بين فائدة الحد وفائدة الاسم .

مجموع الفتاوى(9|96) والرد على المنطقيين (61)

التاسع والعشرون :تصور الحد لا يكون إلا بتصور المعنى المراد حده

قال : لأن الحد من باب الألفاظ واللفظ لا يدل المستمع على معناه إن لم يكن قد تصور مفردات اللفظ بغير اللفظ لأن اللفظ المفرد لا يدل المستمع على معناه إن لم يعلم أن اللفظ موضوع للمعنى ولا يعرف ذلك حتى يعرف المعنى ؛فتصور المعانى المفردة يجب أن يكون سابقا على فهم المراد بالألفاظ فلو استفيد تصورها من الألفاظ لزم الدور ,وهذا أمر محسوس ؛فإن المتكلم باللفظ المفرد إن لم يبين للمستمع معناه حتى يدركه بحسه أو بنظره وإلا لم يتصور إدراكه له بقول مؤلف من جنس وفصل .

مجموع الفتاوى(9|49)

الثلاثون : تصور المعاني لا يفتقر إلى الألفاظ

إذا كان الحد قول الحاد فمعلوم أن تصور المعاني لا يفتقر إلى الألفاظ ؛فإن المتكلم قد يصور معنى ما بقوله بدون لفظ والمستمع يمكنه ذلك من غير مخاطب بالكلية فكيف يقال لا تتصور المفردات إلا بالحد .

مجموع الفتاوى(9|87) والرد على المنطقيين (11)

الحادي والثلاثون :تصور المعاني فطري

إن الله سبحانه علم آدم الاسماء كلها وقد ميز كل مسمى باسم يدل على ما يفصله من الجنس المشترك ويخصه بدون ما سواه ويبين به ما يرسم معناه في النفس ومعرفة حدود الأسماء واجبة لأنه بها تقوم مصلحة نبي آدم في النطق الذي جعله الله رحمة لهم لا سيما حدود ما أنزل الله في كتبه من الأسماء كالخمر والربا .

فهذه الحدود هي الفاصلة المميزة بين ما يدخل في المسمى ويتناوله ذلك الاسم وما دل عليه من الصفات وبين ما ليس كذلك ولهذا ذم الله من سمى الأشياء بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان فإنه اثبت للشيء صفة باطلة كألهية الأوثان .

فالأسماء النطقية سمعية وأما نفس تصور المعاني ففطري يحصل بالحس الباطن والظاهر وبادراك الحس وشهوده ببصر الانسان بباطنه وبظاهره وبسمعه يعلم أسماءها وبفؤاده بعقل الصفات المشتركة والمختصة .

والله أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا وجعل لنا السمع والابصار والإفئدة

فأما الحدود المتكلفة فليس فيها فائدة لا في العقل ولا في الحس ولا في السمع الا ما هو كالأسماء مع التطويل أو ما هو كالتمييز كسائر الصفات .

ولهذا لما رأوا ذلك جعلوا الحد نوعين نوعا بحسب الاسم وهو بيان ما يدخل فيه ونوعا بحسب الصفة أو الحقيقة أو المسمى وزعموا كشف الحقيقة وتصويرها والحقيقة المذكورة أن ذكرت بلفظ دخلت في القسم الأول وإن لم تذكر بلفظ فلا تدرك بلفظ ولا تحد بمقال إلا كما تقدم .

مجموع الفتاوى(9|60)

الثاني والثلاثون : الحد بالأقوال إنما هو حد للأسماء

فكل ما كان من حد بالقول فإنما هو حد للاسم بمنزلة الترجمة والبيان ؛فتارة يكون لفظا محضا إن كان المخاطب يعرف المحدود ,وتارة يحتاج إلى ترجمة المعنى وبيانه إذا كان المخاطب لم يعرف المسمى وذلك يكون بضرب المثل أو تركيب صفات ,وذلك لا يفيد تصوير الحقيقة لمن لم يتصورها بغير الكلام فليعلم ذلك .

وأما ما يذكرونه من حد الشيء أو الحد بحسب الحقيقة أو حد الحقائق فليس فيه من التمييز إلا ذكر بعض الصفات التي للمحدود كما تقدم وفيه من التخليط ما قد نبهنا على بعضه ( ).

مجموع الفتاوى (9|67)

الثالث والثلاثون:الأسماء تعطي ما يعطيه الحد

ليس فى الحد إلا ما يوجد فى الأسماء أو فى الصفات التى تذكر للمسمى وهذان نوعان معروفان

الأول: معنى الأسماء المفردة .

والثانى :معرفة الجمل المركبة الإسمية والفعليه التى يخبر بها عن الأشياء وتوصف بها الأشياء وكلا هذين النوعين لا يفتقر إلى الحد المتكلف فثبت أن الحد ليس فيه فائدة إلا وهى موجودة فى الأسماء والكلام بلا تكلف فسقطت فائدة خصوصية الحد( ) .

مجموع الفتاوى (9|51)

وقال أيضا : إذا كان فائدة الحد بيان مسمى الاسم ,والتسمية أمر لغوي وضعي رجع في ذلك إلى قصد ذلك المسمى ولغته ,ولهذا يقول الفقهاء من الأسماء ما يعرف حده بالشرع ومنها ما يعرف حده بالعرف .

ومن هذا تفسير الكلام وشرحه إذا أريد به تبيين مراد المتكلم ؛فهذا يبنى على معرفة حدود كلامه وإذا أريد به تبيين صحته وتقريره ؛فإنه يحتاج إلى معرفة دليل بصحته .

فالأول فيه بيان تصوير كلامه أو تصوير كلامه لتصوير مسميات الأسماء بالترجمة تارة لمن يكون قد تصور المسمى ولم يعرف أن ذلك اسمه وتارة لمن لم يكن قد تصور المسمى فيشار إلى المسمى بحسب الإمكان إما إلى عينه وإما إلى نظيره ولهذا يقال الحد تارة يكون للاسم وتارة يكون للمسمى .

وأئمة المصنفين في صناعة الحدود على طريقة المنطقيين يعترفون عند التحقيق بهذا كما ذكره الغزالي في كتاب المعيار الذي صنفه في المنطق ,وكذا يوجد في كلام ابن سينا والرازي والسهروردي وفي غيرهم أن الحدود فائدتها من جنس فائدة الأسماء وأن ذلك من جنس الترجمة بلفظ عن لفظ ومن هذا الباب ذكر غريب القرآن والحديث وغيرهما بل تفسير القرآن وغيره من أنواع الكلام هو في أول درجاته من هذا الباب ؛فإن المقصود ذكر مراد المتكلم بتلك الأسماء وبذلك الكلام

وهذا الحد هم متفقون على أنه من الحدود اللفظية مع أن هو الذي يحتاج إليه في إقراء العلوم المصنفة بل في قراءة جميع الكتب بل في جميع أنواع المخاطبات ؛فإن من قرأ كتب النحو أو الطب أو غيرهما لا بد أن يعرف مراد أصحابها بتلك الأسماء ويعرف مرادهم بالكلام المؤلف وكذلك من قرأ كتب الفقه والكلام والفلسفة وغير ذلك وهذه الحدود معرفتها من الدين في كل لفظ هو في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ثم قد تكون معرفتها فرض عين وقد تكون فرض كفاية ,ولهذا ذم الله تعالى من لم يعرف هذه الحدود بقوله {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله } والذي أنزله على رسوله فيه ما قد يكون الاسم غريبا بالنسبة إلى المستمع كلفظ: (ضيزى) و (قسورة) و (عسعس) وأمثال ذلك ,وقد يكون مشهورا لكن لا يعلم حده بل يعلم معناه على سبيل الإجمال كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ؛فتبين أن تعريف الشيء إنما هو بتعريف عينه أو ما يشبهه ؛فمن عرف عين الشيء لا يفتقر في معرفته إلى حد ومن لم يعرفه فإنما يعرف به إذا عرف ما يشبهه ولو من بعض الوجوه فيؤلف له من الصفات المشتبهة المشتركة بينه وبين غيره ما يخص المعرف ومن تدقق هذا وجد حقيقته وعلم معرفة الخلق بما أخبروا به من الغيب من الملائكة واليوم الآخر وما في الجنة والنار من أنواع النعيم والعذاب وبطل قولهم في الحد .

مجموع الفتاوى (9|96)

الرابع والثلاثون :قولهم الحد لا يحصل بالمثال

وكذلك قولهم فى الحد إنه لا يحصل بالمثال إنما ذلك فى المثال الذي يحصل به التميز بين المحدود وغيره بحيث يعرف به مايلازم المحدود طردا وعكسا بحيث يوجد حيث وجد وينتفى حيث انتفى ؛فإن الحد المميز للمحدود هو ما به يعرف الملازم المطابق طردا وعكسا ؛فكلما حصل هذا فقد ميز المحدود من غيره وهذا هو الحد عند جماهير النظار ولا يسوغون إدخال الجنس العام فى الحد ؛فإذا كان المقصود الحد بحسب الاسم فيسأل بعض العجم عن مسمى الخبر فأرى رغيفا وقيل له هذا ؛فقد يفهم أن هذا لفظ يوجد فيه كل ما هو خبز سواء كان على صورة الرغيف أو غير صورته .

مجموع الفتاوى (9|122)

القسم الثاني

قال رحمه الله : وأما مسألة القياس فالكلام عليه فى مقامين

أحدهما: فى القياس المطلق الذى جعلوه ميزان العلوم وحرروه فى المنطق .

و الثانى: فى جنس الأقيسة التى يستعملونها فى العلوم .

مجموع الفتاوى (9|67)

الأول : قولهم أنه لا يعلم شيء من التصديقات إلا بالقياس وهذا مما لم يذكروا عليه دليلا فمادة هذا القياس قضية سلبية ليست معلومة بالبديهة ,ولم يذكروا عليها دليلا أصلا وصاروا مدعين ما لم يثبتوه قائلين بغير علم.

إذ العلم بهذا السلب متعذر على أصلهم ؛فمن أين لهم أنه لا يمكن أحدا من بني آدم أن يعلم شيئا من التصديقات التي ليست بديهة عندهم إلا بواسطة القياس المنطقي الشمولي الذي وصفوا مادته وصورته ثم هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ومنها نظري , وأنه يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري إلى البديهي ,وحينئذ فيأتي ما تقدم في التصورات من أن الفرق بينهما إنما هو بالنسبة والإضافة فقد يكون النظري عند شخص بديهيا عند غيره والبديهي من التصديقات ما يكفي تصور طرفيه- موضوعه ومحموله -في حصول تصديقه فلا يتوقف على وسط يكون بينهما وهو الدليل الذي هو الحد الأوسط سواء كان تصورالطرفين بديهيا أم لا ,ومعلوم أن الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان .

فمن الناس من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية يباين بها غيره مباينة كثيرة ,وحينئذ فيتصور الطرفين تصورا تاما بحيث يتبين بذلك التصور التام اللوزم التي لا تتبين لمن لم يتصوره ,وكون الوسط الذي هو الدليل قد يفتقر إليه في بعض القضايا بعض الناس دون بعض أمر بين ؛فإن كثيرا من الناس تكون عنده القضية حسية أو مجربة أو برهانية أو متواترة ,وغيره إنما عرفها بالنظر والاستدال ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول للموضوع إلى دليل لنفسه بل لغيره ,ويبين ذلك لغيره بأدلة هو غنى عنها حتى يضرب له أمثالا .

مجموع الفتاوى (9|103)والرد على المنطقيين (68)

وقال أيضا : قولهم إن شيئا من التصديقات المطلوبة لاتنال إلا بما ذكروه من القياس ؛فإن هذا النفي العام أمر لا سبيل إلى العلم به ولا يقوم عليه دليل أصلا مع أنه معلوم البطلان بما يحصل من التصديقات المطلوبة بدون ما ذكروه من القياس كما تحصل تصورات مطلوبة بدون ما يذكرونه من الحد بخلاف هذا المقام الرابع ؛ فإن كون القياس المؤلف من المقدمتين يفيد النتيجة هو أمر صحيح فى نفسه .

لكن الذى بينه نظار السلمين فى كلامهم على هذا المنطق اليونانى المنسوب إلى أرسطو أن ما ذكروه من صور القياس ومواده مع كثرة التعب العظيم ليس فيه فائدة علمية بل كل ما يمكن علمه بقياسهم يمكن علمه بدون قياسهم ؛فلم يكن فى قياسهم ما يحصل العلم بالمجهول الذى لا يعلم بدونه ,ولا حاجة إلى ما يمكن العلم بدونه ؛فصار عديم التأثير فى العلم وجودا وعدما وفيه تطويل كثير متعب فهو مع أنه لا ينفع فى العلم فيه إتعاب الأذهان وتضييع الزمان وكثرة الهذيان والمطل من الأدلة والبراهين بيان العلم وبيان الطرق المؤدية الى العلم .

ولهذا حكي من كان حاضرا عند موت إمام المنطقيين فى زمانه الخونجي أنه قال عند موته أموت ولاأعلم شيئا إلا علمي بأن الممكن يفتقر إلى الواجب ثم قال الافتقار وصف سلبى أموت وما علمت شيئا .

فهذا حالهم إذا كان منتهي أحدهم الجهل البسيط ,وأما من كان منتهاه الجهل المركب فكثير والواصل منهم إلى علم يشبهونه بمن قيل له أين أذنك فأدار يده على رأسه ومدها إلى أذنه بكلفة وقد كان يمكنه أن يوصلها إلى أذنه من تحت رأسه وهو أقرب وأسهل .

والأمور الفطرية متى جعل لها طرق غير الفطرية كان تعذيبا للنفوس بلا منفعة لها كما لو قيل الرجل اقسم هذه الدراهم بين هؤلاء النفر بالسوية ؛فإن هذا ممكن بلا كلفة ؛ فلو قال له قائل اصبر فإنه لا يمكنك القسمة حتى تعرف حدها وتميز بينها وبين الضرب ؛فإن القسمة عكس الضرب فإن الضرب هو تضعيف آحاد أحد العدد بآحاد العدد الآخر ,ولهذا إذا ضرب الخارج بالقسمة فى المقسوم عليه عاد المقسوم وإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد المضروبين خرج المضروب الآخر ثم يقال ما ذكرته فى حد الضرب لا يصح ؛فإنه إنما يتناول ضرب العدد الصحيح دون المكسور بل الحد الجامع لهما أن يقال الضرب طلب جملة تكون نسبتها إلى أحد المضروبين كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر ؛فإذا قيل اضرب النصف فى الربع فالخارج هو الثمن ونسبته إلى الربع كنسبة النصف إلى الواحد ؛فهذا وإن كان كلاما صحيحا لمن من المعلوم أن معه مال يريد أن يقسمه بين عدد يعرفهم بالسوية إذا ألزمه نفسه أن لا يقسمه حتى يتصور هذا كله كان هذا تعذيبا له بلا فائدة وقد لا يفهم هذا الكلام وقد تعرض له فيه إشكالات .

مجموع الفتاوى (9|209)

الثاني :من صور القياس ما تكون فطرية

قال :لا نزاع أن المقدمتين إذا كانتا معلومتين وألفتا على الوجه المعتدل أنه يفيد العلم بالنتيجة ,وقد جاء فى صحيح مسلم مرفوعا : كل مسكر خمر وكل خمر حرام . لكن هذا لم يذكره النبى صلى اله عليه وسلم ليستدل به على منازع ينازعه بل التركيب فى هذا كما قال أيضا فى الصحيح: كل مسكر خمر وكل خمر حرام.

أراد ان يبين لهم أن جميع المسكرات داخلة فى مسمى الخمر الذى حرمه الله فهو بيان لمعنى الخمر ,وهم قد علموا أن الله حرم الخمر ,وكانوا يسألونه عن أشربة من عصير العنب كما فى الصحيحين عن أبى موسى أنه سئل عن شراب يصنع من الذرة يسمى المزر وشراب يصنع من العسل يسمى البتع ,وكان قد أوتى جوامع الكلم فقال : كل مسكر حرام .

فأراد أن يبين لهم بالكلمة الجامعة وهى القضية الكلية أن كل مسكر خمر ثم جاء بما كانوا يعلمونه من أن كل خمر حرام حتى يثبت تحريم المسكر فى قلوبهم كما صرح به فى قوله : كل مسكر حرام .

ولو اقتصر على قوله كل مسكر حرام لتأوله متأول على أنه أراد القدح الأخير كما تأوله بعضهم.

والغرض هنا أن صورة القياس المذكورة فطرية لا تحتاج إلى تعلم بل هى عند الناس بمنزلة الحساب ولكن هؤلاء يطولون العبارات ويغربونها .

مجموع الفتاوى (9|68)

الثالث : من قواعدهم ما لايستند إلى القياس

قال : والكلام فى انقسام الوجود إلى الجواهر والأعراض التسعة التى هى الكم والكيف والإضافة والأين ومتى والوضع والمللك وأن يفعل وأن ينفعل كما أنشد بعضهم فيها:

زيد الطويل الأسود بن مالك فى داره بالأمس كان يتكي

فى يده سيف نضاه فانتضى فهذه عشر مقولات سواء

ليس عليها ولا على أقسامها قياس منطقى بل غالبها مجرد استقراء قد نوزع صاحبه فى كثير منه .

فإذا كانت صناعتهم بين علوم لا يحتاج فيها إلى القياس المنطقى وبين مالا يمكنهم أن يستعملوا فيه القياس المنطقى كان عديم الفائدة فى علومهم بل كان فيه من شغل القلب عن العلوم والأعمال النافعه ما ضر كثيرا من الناس كما سد على كثير منهم طريق العلم وأوقعهم فى أودية الضلال والجهل فما الظن بغير علومهم من العلوم التى لا تحد للأولين والآخرين .

مجموع الفتاوى(9|22)

الرابع :العلم بنتيجة القياس المنطقي ممكن بدون توسط القضية الكلية

قال : ما من قضية من هذه القضايا الكلية تجعل مقدمة في البرهان إلا والعلم بالنتيجة ممكن بدون توسط ذلك البرهان بل هو الواقع كثيرا ؛فإذا علم أن كل واحد فهو نصف كل اثنين وأن كل اثنين نصفهم واحد ؛فإنه يعلم أن هذا الواحد نصف هذين الاثنين وهلم جرا في سائر القضايا الأخر من غير استدلال على ذلك بالقضية الكلية , وكذلك كل جزء يعلم أن هذا الكل أعظم من جزئه بدون توسط القضية الكلية, وكذلك هذان النقيضان من تصورهما نقيضين؛ فإنه يعلم أنهما لا يجتمعان وكل أحد يعلم أن هذا العين لا يكون موجودا معدوما كما يعلم المعين الآخر ,ولا يحتاج ذلك إلى أن يستدل عليه بأن كل شيء لا يكون موجودا معدوما معا ,وكذلك الضدان فإن الإنسان يعلم أن هذا الشيء لا يكون أسود أبيض ولا يكون متحركا ساكنا كما يعلم أن الآخر كذلك ولا يحتاج في العلم بذلك إلى قضية كلية بأن كل شيء لا يكون أسود أبيض ولا يكون متحركا ساكنا .

مثال ذلك … إذا قيل أن هذا ممكن وكل ممكن فلا بد له من مرجح لوجوده على عدمه على أصح القولين أو لأحد طرفيه على قول طائفة من الناس .

أو قيل هذا محدث وكل محدث فلا بد له من محدث ؛فتلك القضية الكلية وهي قولنا كل محدث لا بد له من محدث وكل ممكن لا بد له من مرجح يمكن العلم بأفرادها المطلوبة بالقياس البرهاني عندهم بدون العلم بالقضية الكلية التي لا يتم البرهان عندهم إلا بها ؛فيعلم أن هذا المحدث لا بد له من محدث وهذا الممكن لا بد له من مرجح ؛فإن شك عقله وجوز أن يحدث هو بلا محدث أحدثه أو أن يكون وهو ممكن -يقبل الوجود والعدم- بدون مرجح يرجح وجوده جوز ذلك في غيره من المحدثات والممكنات بطريق الأولى ,وإن جزم بذلك في نفسه لم يحتج علمه بالنتيجة المعينة وهو قولنا وهذا محدث فله محدث أو هذا ممكن فله مرجح إلى القياس البرهاني .

ومما يوضح هذا أنك لا تجد أحدا من بني آدم يريد أن يعلم مطلوبا بالنظر ويستدل عليه بقياس برهاني يعلم صحته إلا ويمكنه العلم به بدون ذلك القياس البرهاني المنطقي ,ولهذا لا تجد أحدا من سائر أصناف العقلاء غير هؤلاء ينظم دليله من المقدمتين كما ينظمه هؤلاء بل يذكرون الدليل المستلزم للمدلول ثم الدليل قد يكون مقدمة واحدة وقد يكون مقدمتين وقد يكون ثلاث مقدمات بحسب حاجة الناظر المستدل .

مجموع الفتاوى (9|109)

الخامس : زعمهم أن البديهية والفطرة قد تحكم بما يتبين لها بالقياس فساده غلط قال : لأن القياس لا بد له من مقدمات بديهية فطرية ؛فإن جوز أن تكون المقدمات الفطرية البديهية غلطا من غير تبيين غلطها إلا بالقياس لكان قد تعارضت المقدمات الفطرية بنفسها ,ومقتضى القياس الذي مقدماته فطرية فليس رد هذه المقدمات الفطرية لأجل تلك بأولى من العكس بل الغلط فيما تقل مقدماته أولى فما يعلم بالقياس وبمقدمات فطرية أقرب إلى الغلط مما يعلم بمجرد الفطرة .

مجموع الفتاوى (9|13)

السادس :الفرق بين البديهي والنظري أمر نسبي محض

قال رحمه الله : هم معترفون بما لا بد منه من أن التصديقات منها بديهي ومنها نظري ,وأنه يمتنع أن تكون كلها نظرية لافتقار النظري إلى البديهي

وإذا كان كذلك فالفرق بين البديهي والنظري إنما هو بالنسبة والإضافة فقد يبده هذا من العلم ويبتدى في نفسه ما يكون بديهيا له ,وإن كان غيره لا يناله إلا بنظر قصير أو طويل بل قد يكون غيره يتعسر عليه حصوله بالنظر.

وقد تقدم التنبيه على هذا في التصورات لكن نزيده هنا دليلا يختص هذا فنقول

البديهي من التصديقات هو ما يكفى تصور طرفيه موضوعه ومحموله في حصول تصديقه فلا يتوقف على وسط يكون بينهما ,وهو الدليل الذي هو الحد الأوسط سواء كان تصور الطرفين بديهيا أو لم يكن .

ومعلوم أن الناس يتفاوتون في قوى الأذهان أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان فمن الناس من يكون في سرعة التصور وجودته في غاية يباين بها غيره مباينة كبيرة ,وحينئذ فيتصور الطرفين تصورا تاما بحيث تتبين بذلك التصور التام اللوازم التي لا تتبين لغيره الذي لم يتصور الطرفين التصور التام .

وذلك أن من الناس من يكون لم يتصور الطرفين إلا ببعض صفاتهما المميزة فيكون من تصورهما ببعض صفاتهما المشتركة مع ذلك سواء سميت ذاتية أو لم تسم عالما بثبوت تلك الصفات لهما وثبوت كثير مما يكون لازما لهما بخلاف من لم يتصور إلا الصفات المميزة .

الرد على المنطقيين (89)

السابع :اختلاف أحوال الناس في احتياجهم وعدم احتياجهم إلى الدليل

قال :وأما كون الوسط( ) الذي هو الدليل قد يفتقر إليه في بعض القضايا بعض الناس دون بعض فهذا أمر بين ؛فإن كثيرا من الناس تكون القضية عنده حسية أو مجربة أو برهانية أو متواترة ,وغيره إنما عرفه بالنظر والاستدلال .

ولهذا كثير من الناس لا يحتاج في ثبوت المحمول للموضوع إلى دليل لنفسه بل لغيره ويبين ذلك لغيره بأدلة هو غنى عنها حتى يضرب له أمثالا ويقول له أليس كذا أليس كذا ويحتج عليه من الأدلة العقلية والسمعية بما يكون حدا أوسط عند المخاطب مما لا يحتاج إليه المستدل بل قد يعلم الشئ بالحس ويستدل على ثبوته لغيره بالدليل .

وهذا أكبر من أن يحتاج الى تمثيل ؛فما أكثر من يرى الكواكب ويرى الهلال وغيره فيقول قد طلع الهلال وتكون هذه القضية له حسية ,وقد تكون عند غيره مشكوكا فيها أو مظنونة أو خبرية بل قد يظنها كذبا إذا صدق المنجم الخارص القائل إنه لا يرى .

الرد على المنطقيين (91)

الثامن : قال : إذا كان البرهان لا يفيد إلا العلم بالكليات والكليات إنما تتحقق فى الأذهان لا فى الأعيان وليس فى الخارج إلا موجود معين لم يعلم بالبرهان شىء من المعينات فلا يعلم به موجود أصلا بل انما يعلم به أمور مقدرة فى الأذهان .

مجموع الفتاوى (9|124) والرد على المنطقيين (125)

التاسع :قالوا : القياس لا بد له من قضية كلية ,ومباديء القياس عندهم هي العلوم اليقينية وهي الحسيات الباطنة والظاهرة والعقليات والبديهيات والمتواترات والمجربات ,وعند التحقيق ليس فيما ذكروه من هذه المواد قضايا كلية – بيان ذلك –

قال رحمه الله : إن القياس المذكور لا يفيد علما إلا بواسط قضية كلية موجبة فلابد من كلية جامعة ثابتة فى كل قياس ,وهذا متفق عليه معلوم أيضا ,ولهذا قالوا لا قياس عن سالبتين ولا عن جزئيتين ,وإذا كان كذلك وجب أن تكون العلوم الكلية الكلمات الجامعة هى أصول الأقيسة والأدلة وقواعدها التى تبنى عليها وتحتاج إليها.

ثم قالوا : إن مبادىء القياس البرهانى هى العلوم اليقنبية التى هى الحسيات الباطنة والظاهرة والعقليات والبديهيات والمتواترات والمجربات وزاد بعضهم الحدسيات وليس فى شىء من الحسيات الباطنية والظاهرة قضايا كلية

إذ الحس الباطن والظاهر لا يدرك إلا أمورا معينة لا تكون إلا إذا كان المخبر أدرك ما أخبر به بالحس فهى تبع للحسيات .

وكذلك التجربة إنما تقع على أمور معينة محسوسة وإنما يحكم العقل على النظائر بالتشبيه وهو قياس التمثيل .

والحدسيات عند من يثبتها منهم من جنس التجريبات

لكن الفرق أن التجربة تتعلق بفعل المجرب كالأطعمة والأشربه والأدوية ,والحدس يتعلق بغير فعل كاختلاف اشكال القمر عند اختلاف مقابلته للشمس وهو فى الحقيقة تجربة علمية بلا عمل ؛فالمستفاد به أيضا أمورا معينة جزئية لا تصير عامة إلا بواسطة قياس التمثيل .

وأما البديهيات وهى العلوم الأولية التى يجعلها الله فى النفوس ابتداء بلا واسطة مثل الحساب ,وهى كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين ؛فإنها لا تفيد العلم بشىء معين موجود فى الخارج مثل الحكم على العدد المطلق والمقدار المطلق وكالعلم بأن الأشياء المساوية لشىء واحد هى متساوية فى أنفسها ؛فإنك إذا حكمت على موجود فى الخارج لم يكن إلا بواسطة الحس مثل العقل ؛فإن العقل إنما هو عقل ما علمته بالإحساس الباطن أو الظاهر بعقل المعانى العامة أو الخاصة .

فأما أن العقل الذى هو عقل الأمور العامة التى أفرادها موجوده فى الخارج يحصل بغير حس فهذا لا يتصور ,وإذا رجع الانسان إلى نفسه وجد أنه لا يعقل ذلك مستغنيا عن الحس الباطن والظاهر لكليات مقدرة فى نفسه مثل الواحد

والاثنين والمستقيم والمنحنى والمثلث والمربع والواجب والممكن والممتنع ونحو ذلك مما يفرضه هو ويقدره ؛فأما العلم بمطابقة ذلك المقدر للموجود فى الخارج والعلم بالحقائق الخارجية فلابد فيه من الحس الباطن أو الظاهر ؛فإذا اجتمع الحس والعقل كاجتماع البصر والعقل أمكن أن يدرك الحقائق الموجودة المعينة ويعقل حكمها العام الذى يندرج فيه أمثالها لا أضداها ويعلم الجمع والفرق وهذا هو اعتبار العقل وقياسه .

وإذا انفرد الإحساس الباطن أو الظاهر أدرك وجود الموجود المعين ,وإذا انفرد المعقول المجرد علم الكليات المقدرة فيه التى قد يكون لها وجود فى الخارج ,وقد لا يكون ,ولا يعلم وجود أعيانها وعدم وجود أعيانها إلا بإحساس باطن أو ظاهر .

مثال ذلك :

أنك إذا قلت: موجود أن المائة عشر الألف لم تحكم على شىء فى الخارج( ) بل لو لم يكن فى العالم ما يعد بالمائة والألف لكنت عالما بأن المائة المقدرة فى عقلك عشرالألف ,ولكن إذا أحسست بالرجال والدواب والذهب والفضة ,وأحسست بحسك أو بخبر من أحس أن هناك مائة رجل أودرهم وهناك ألف ونحو ذلك حكمت على أحد المعدودين بأنه عشر الآخر ؛فأما المعدوات فلا تدرك إلا بالحس والعدد المجرد يعقل بالقلب ويعقل القلب والحس يعلم العدد والمعدود جميعا وكذلك المقادير الهندسية هى من هذا الباب فالعلوم الأولية البديهية العقلية المحضة ليست إلا فى المقدرات الذهنية كالعدد والمقدار لا فى الأمور الخارجية الموجودة .

فإذا كانت مواد القياس البرهانى لا يدرك بعامتها إلا أمور معينة ليست كلية وهى الحس الباطن والظاهر والتواتر والتجربة والحدس والذى يدرك الكليات البديهية الأولية إنما يدرك أمورا مقدرة ذهنية لم يكن فى مبادىء البرهان ومقدماته المذكورة ما يعلم به قضية كلية عامة للأمور الموجودة فى الخارج ,والقياس لا يفيد العلم إلا بواسطة قضية كلية ؛فامتنع حينئذ أن يكون فيما ذكروه من صورة القياس ومادته حصول علم يقينى ,وهذا بين لمن تأمله وبتحريره وجودة تصوره تنفتح علوم عظيمة ومعارف .

مجموع الفتاوى (9|73)

وقال أيضا : إن المواد اليقينية قد حصروها فى الأصناف المعروفة عندهم

أحدها: الحسيات ومعلوم أن الحس لا يدرك أمرا كليا عاما أصلا ؛فليس فى الحسيات المجردة قضية كلية عامة تصلح أن تكون مقدمة فى البرهان اليقينى ,وإذا مثلوا ذلك بأن النار تحرق ونحو ذلك لم يكن لهم علم بعموم هذه القضية وإنما معهم التجربة والعادة التى هي من جنس قياس التمثيل ,وإن علم ذلك بواسطة اشتمال النار على قوة محرقة ؛فالعلم بأن كل نار لا بد فيها من هذه القوة هو أيضا حكم كلي ,وإن قيل أن الصورة النارية لا بد أن تشتمل على هذه القوة وإن ما لا قوة فيه ليس بنار فهذا الكلام إن صح لا يفيد الجزم بأن كل ما فيه هذه القوة يحرق ما لا قاه ,وإن كان هذا هو الغالب ؛فهذا يشترك فيه قياس التمثيل والشمول والعادة والاستقراء الناقص إذا سلم لهم ذلك , كيف وقد علم أنها لا تحرق السمندل والياقوت والأجسام المطلية بأمور مصنوعة ,ولا أعلم فى القضايا الحسية كلية لا يمكن نقضها مع أن القضية الكلية ليست حسية .

وأما الحكم العقلي فيقولون إن النفس عند رؤيتها هذه المعينات مستعدة لأن تفيض عليها قضية كلية بالعموم ,ومعلوم أن هذا من جنس قياس التمثيل ولا يوثق بعمومه إن لم يعلم ان الحكم العام لازم للقدر المشترك وهذا إذا علم علم فى جميع المعينات فلم يكن العلم بالمعينات موقوفا على هذا مع أنه ليس من القضايا العاديات قضية كلية لا يمكن نقضها باتفاق العقلاء .

الثاني الوجدانيات الباطينية كإدراك كل أحد جوعه وألمه ولذته ,وهذه كلها جزئيات بل هذه لا يشترك الناس فى إدراك كل جزئي منها كما قد يشتركون فى إدراك بعض الحسيات المنفصلة كالشمس والقمر ؛ففيها من الخصوص فى المدرك والمدرك ما ليس في الحسيات المنفصلة ,وإن اشتركوا فى نوعها فهي تشبه العاديات ولم يقيموا حجة على وجوب تساوى النفوس في هذه الأحوال بل ولا على النفس الناطقة أنها مستوية الأفراد .

الثالث المجربات وهي كلها جزئية ؛فإن التجربة إنما تقع على أمور معينة .

وكذلك المتواترات فإن المتواتر إنما هو ما علم بالحس من مسموع أو مرئى فالمسموع قول معين والمرئى جسم معين أو لون معين أو عمل معين أو أمرمعين وأما الحدسيات إن جعلت يقينية فهي نظير المجربات .

فلم يبق معهم إلا الأوليات التى هى البديهيات العقلية والأوليات الكلية إنما هي قضايا مطلقة فى الأعداد والمقادير ونحوها مثل قولهم الواحد نصف الاثنين والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية ونحو ذلك وهذه مقدرات في الذهن ليست فى الخارج كلية.

فقد تبين أن القضايا الكلية البرهانية التى يجب القطع بكليتها التى يستعملونها في قياسهم لا تستعمل في شيء من الأمور الموجودة ,وإنما تستعمل في مقدرات ذهنية فإذن لا يمكنهم معرفة الأمور الموجودة بالقياس البرهاني ,وهذا هو المطلوب ولهذا لم يكن لهم علم بحصر أقسام الموجود بل أرسطو لما حصر أجناس الموجودات فى المقولات العشر الجوهر والكم والكيف والأين ومتى والوضع وأن يفعل وأن ينفعل والملك والإضافة؛ اتفقوا على أنه لا سبيل الى معرفة صحة هذا الحصر .

مجموع الفتاوى (9|221)

العاشر : قال : قد ذكر المناطقة أن القضايا المعلومه بالتواتر والتجربة والحواس يختص بها من علمها ولا تكون حجة على غيره بخلاف غيرها ؛فإنها مشتركة يحتج بها على المنازع ,وهذا تفريق فاسد ,وهو أصل من أصول الإلحاد والكفر ؛فإن المنقول عن الأنبياء بالتواتر من المعجزات وغيرها.

يقول أحد هؤلاء بناء على هذا الفرق هذا لم يتواتر عندي فلا تقوم به الحجة علي وليس ذلك بشرط ,ومن هذا الباب إنكار كثير من أهل البدع والكلام والفلسفة لما يعلمه أهل الحديث من الآثار النبوية ؛فإن هؤلاء يقولون أنها غير معلومة لنا كما يقول من يقول من الكفار أن معجزات الأنبياء غير معلومة له ,وهذا لكونهم لم يعلموا السبب الموجب للعلم بذلك والحجة قائمة عليهم تواتر عندهم أم لا .

مجموع الفتاوى (9|104)

الحادي عشر :قال : و أيضا إذا قالوا إن العلوم لا تحصل إلا بالبرهان الذي هو عندهم قياس شمولي ,وعندهم لا بد فيه من قضية كلية موجبة ,ولهذا قالوا إنه لا نتاج عن قضيتين سالبتين ولا جزئيتين في شيء من أنواع القياس لا بحسب صورته كالحملى والشرطي المتصل والمنفصل ,ولا بحسب مادته لا البرهاني ولا الخطابي ولا الجدلي بل ولا الشعري ؛فيقال إذا كان لا بد في كل ما يسمونه برهانا من قضية كلية ؛فلا بد من العلم بتلك القضية الكلية أي من العلم بكونها كلية وإلا فمتى جوز عليها أن لا تكون كلية بل جزئية لم يحصل العلم بموجبها والمهملة والمطلقة التي يحتمل لفظها أن تكون كلية وجزئية في قوة الجزئية ,وإذا كان لا بد في العلم الحاصل بالقياس الذي يخصونه باسم البرهان من العلم بقضية كلية موجبة .فيقال العلم بتلك القضية إن كان بديهيا أمكن أن يكون كل واحد من أفرادها بديهيا بطريق الأولى ,وإن كان نظريا احتاج إلى علم بديهي فيفضى إلى الدور المعي أو التسلسل في المتواترات وكلاهما باطل .

مجموع الفتاوى (9|106)

الثاني عشر : قال : أن يقال أشرف الموجودات هو واجب الوجود ووجوده معين لا كلي ؛فإن الكلي لا يمنع تصوره من قوع الشركة فيه ,وواجب الوجود يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ,وإن لم يعلم منه ما يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه بل إنما علم أمر كلي مشترك بينه وبين غيره لم يكن قد علم واجب الوجود . وكذلك الجواهر العقلية عندهم وهى العقول العشرة أو أكثر من ذلك عند من يجعلها أكثر من ذلك عندهم كالسهروردى المقتول وأبى البركات وغيرهما كلها جواهر معينة لا أمور كلية ؛فإذا لم نعلم إلا بالكليات لم نعلم شيئا منها ,وكذلك الأفلاك التى يقولون أنها أزلية أبدبة فإذا لم نعلم إلا الكليات لم تكن معلومة فلا نعلم واجب الوجود ولا العقول ولا شيئا من النفوس ولا الأفلاك ولا العناصر ولا المولدات وهذه جملة الموجودات عندهم فأى علم هنا تكمل به النفس .

مجموع الفتاوى (9|125)والرد على المنطقيين (125)

الثالث عشر :قال إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي( ) والرياضي والإلهي وجعلهم الرياضى أشرف من الطبيعى ,والإلهى أشرف من الرياضى هو مما قبلوا به الحقائق ؛فإن العلم الطبيعى وهو العلم بالأجسام الموجودة فى الخارج ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال الى حال وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجرده ؛فإن كون الانسان لا يتصور إلا شكلا مدورا أو مثلثا أو مربعا ,ولو تصور كل ما فى إقليدس أولا يتصور إلا أعدادا مجردة ليس فيه علم بموجود فى الخارج وليس ذلك كمال النفس ,

ولولا أن ذلك طلب فيه معرفة المعدودات والمقدرات الخارجية التى هى أجسام وأعراض لما جعل علما…

فإن علم الحساب الذى هو علم بالكم المنفصل و الهندسة التى هى علم بالكم المتصل ؛علم يقينى لا يحتمل النقيض ألبته مثل جمع الأعداد وقسمتها وضربها ونسبه بعضهاإلى بعض ؛فإنك إذا جمعت مائة إلى مائةعلمت أنهما مائتان ؛فإذا قسمتهما على عشرة كان لكل واحد عشرة ,وإذا ضربتها فى عشرة كان المرتفع مائة والضرب مقابل للقسمة ؛فإن ضرب الأعداد الصحيحة تضعيف آحاد أحد العددين بآحاد العدد الآخر ؛فإذا قسم المرتفع بالضرب على أحد العددين خرج المضروب الآخر ,وإذا ضرب الخارج بالقسمة فى المقسوم عليه خرج المقسوم فالمقسوم نظير المرتفع بالضرب ؛فكل واحد من المضروبين نظير المقسوم والمقسوم عليه ,والنسبة تجمع هذه كلها ؛ فنسبة أحد المضروبين إلى المرتفع كنسبة الواحد إلى المضروب الآخر, ونسبه المرتفع إلى أحد المضروبين نسبة الآخر إلى الواحد؛ فهذه الأمور وأمثالها مما يتكلم فيه الحساب أمر معقول مما يشترك فيه ذووا العقول ,وما من أحد من الناس إلا يعرف منه شيئا ؛فإنه ضرورى فى العلم ,ولهذا يمثلون به فى قولهم الواحد نصف الاثنين ولا ريب أن قضاياه كلية واجبة القبول لا تنتقض ألبته .

وهذا كان مبدأ فلسفتهم التى وضعها (فيثاغورس) وكانوا يسمون أصحابه أصحاب العدد ,وكانوا يظنون أن الأعداد المجردة موجودة خارجة عن الذهن ثم تبين لأفلاطون وأصحابه غلط ذلك ,وظنوا أن الماهيات المجردة كالإنسان والفرس المطلق موجودات خارج الذهن ,وأنها أزلية أبدية ثم تبين لأرسطو وأصحابه غلط ذلك ؛فقالوا بل هذه الماهيات المطلقة موجودة فى الخارج مقارنة لوجود الأشخاص ومشى من مشى من أتباع أرسطو من المتأخرين على هذا ,وهو أيضا غلط ؛فإن ما فى الخارج ليس بكلي أصلا ,وليس فى الخارج إلا ما هو معين مخصوص , وإذا قيل الكلى الطبيعي فى الخارج ؛ فمعناه إنما هو كلي فى الذهن يوجد فى الخارج لكن إذا وجد فى الخارج لا يكون إلا معينا لا يكون كليا فكونه كليا مشروط بكونه فى الذهن , ومن أثبت ماهية لا فى الذهن ولا فى الخارج فتصور قوله تصورا تاما يكفى فى العلم بفساد قوله.

مجموع الفتاوى (9|128)والرد على المنطقيين (133)

الرابع عشر: ليس العلم الالهي عندهم علما بالخالق ولا بالمخلوق

قال رحمه الله : أن يقال العلم الأعلى عندهم الذي هو الفلسفة الاولى والحكمة العليا علم ما بعد الطبيعة باعتبار الاستدلال وما هو قبلها باعتبار الوجود ,وهو الذي يسميه طائفة منهم العلم الإلهي ,وموضوع هذا العلم هو الوجود المطلق الكلى المنقسم الى واجب وممكن وقديم ومحدث وجوهر وعرض ….

وهذا الوجود الكلي إنما يكون كليا في الذهن لا في الخارج ؛فإذا كان هذا هو العلم الأعلى عندهم لم يكن الأعلى عندهم علما بشيء موجود في الخارج ؛بل علما بأمر مشترك بين جميع الموجودات ,وهو مسمى الوجود ,وذلك كمسمى الشيء والذات والحقيقة والنفس والعين والماهية ونحو ذلك من المعاني العامة ,ومعلوم أن العلم بهذا ليس هو علما بموجود في الخارج لا بالخالق ولا بالمخلوق ,وإنما هو علم بأمر مشترك كلي يشترك فيه الموجودات لا يوجد إلا في الذهن .

وهذا بخلاف العلم الأعلى عند المسلمين فإنه العلم بالله الذي هو في نفسه أعلى من غيره من كل وجه ,والعلم به أعلى العلوم من كل وجه ,والعلم به أصل لكل علم وهم يسلمون أن العلم به إذا حصل على الوجه التام يستلزم العلم بكل موجود .

وهذا بخلاف العلم بمسمى الوجود ؛فإن هذا لا حقيقة له في الخارج ولا العلم بالقدر المشترك يستلزم العلم بأجناسه وأنواعه ,وما يتميز به كل شئ بل ليس فيه إلا علم بقدر مشترك لا تصور له في الخارج ,وإنما هو علم بهذه المشتركات .

الرد على المنطقيين (131)

الخامس عشر : أن يقال هب أن النفس تكمل بالكليات المجردة كما يزعمون ؛فما يذكرونه فى العلم الأعلى عندهم الناظر فى الوجود ولواحقه ليس كذلك؛ فإن تصور معنى الوجود فقط أمر ظاهر حتى يستغنى عن الحد عندهم لظهوره ؛ فليس هو المطلوب وإنما المطلوب أقسامه ,ونفس أقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض وعلة ومعلول وقديم وحادث هو أخص من مسمى الوجود ,وليس فى مجرد انقسام الأمر العام فى الذهن إلى أقسام بدون معرفة الأقسام ما يقتضى علما كليا عظيما عالياعلى تصور الوجود .

فإذا عرفت الأقسام فليس ما هو علم بمعلوم لا يقبل التغيير والاستحالة وليس معهم دليل أصلا يدلهم أن العالم لم يزل ولا يزال هكذا وجميع ما يحتجون به على دوام الفاعل والفاعلية والزمان والحركة وتوابع ذلك ؛فإنما يدل على قدم نوع ذلك ودوامه لاقدم شىء معين ولا دوام شىء معين ؛فالجزم أن مدلول تلك الأدلة هو هذا العالم أو شىء منه جهل محض لا مستند له إلا عدم العلم بموجود غير هذا العالم وعدم العلم ليس علما بالعدم .

ولهذا لم يكن عند القوم إيمان بالغيب الذى أخبرت به الأنبياء فهم لا يؤمنون لا بالله ولا بملائكته ولا البعث كتبه ولا رسله ولا البعث بعد الموت ,وإذا قالوا نحن نثبت العالم العقلي أو المعقول الخارج عن المحسوس وذلك هو الغيب ؛فإن هذا وإن كان قد ذكره طائفة من المتكلمة والمتفلسفة خطأ وضلال ؛فإن ما يثبتونه من المعقولات إنما يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة فى الأذهان لا موجودة فى الأعيان .

والرسل أخبرت عما هو موجود فى الخارج وهو أكمل وأعظم وجودا مما نشهده فى الدنيا ؛فأين هذا من هذا وهم لما كانوا مكذبين بما أخبرت به الرسل, قالوا إن الرسل قصدوا إخبار الجمهور بما يتخيل إليهم لينتفعوا بذلك فى العدل الذى أقاموه لهم .

مجموع الفتاوى(9|132)والرد على المنطقيين (138)

السادس عشر : البرهان لا يفيد أمورا كلية واجبة البقاء في الممكنات

قال : إذا كان المطلوب بقياسهم البرهانى معرفة الموجودات الممكنة فتلك ليس فيها ما هو واجب البقاء على حال واحدة أزلا وأبدا بل هى قابلة للتغير والاستحالة ,وما قدر أنه من اللازم لموصوفه فنفس الموصوف ليس واجب البقاء فلا يكون العلم به علما بموجود واجب الوجود ,وليس لهم على أزلية شىء من العالم دليل صحيح كما بسط فى موضعه ,وإنما غاية أدلتهم تستلزم دوام نوع الفاعلية ونوع المادة والمدة ,وذلك ممكن بوجود عين بعد عين من ذلك النوع أبدا مع القول بأن كل مفعول محدث مسبوق بالعدم كما هو مقتضى العقل الصريح والنقل الصحيح ؛فإن القول بأن المفعول المعين مقارن لفاعله أزلا وأبدا مما يقضى صريح العقل بامتناعه .أى شىء قدر فاعله لا سيما إذا كان فاعلا باختياره كما دلت عليه الدلائل اليقينية ليست التى يذكرهاالمقصرون فى معرفة أصول العلم والدين كالرازي وأمثاله كما بسط فى موضعه …

وكذلك أساطين الفلاسفة يمتنع عندهم قديم يقبل العدم ويمتنع أن يكون الممكن لم يزل واجبا سواء قيل أنه واجب بنفسه أو بغيره ,ولكن ما ذكره ابن سينا وأمثاله فى أن الممكن قد يكون واجبا بغيره أزليا أبديا كما يقولونه فى الفلك هو الذى فتح عليهم فى الإمكان من الأسئلة القادحة فى قولهم ما لا يمكنهم أن يجيبوا عنه كما بسط فى موضعه ؛فإن هذا ليس موضع تقرير هذا و,لكن نبهنا به على أن برهانهم القياسى لايفيدوا أمورا كليه واجبة البقاء فى الممكنات .

وأما واجب الوجود تبارك وتعالى ؛فالقياس لا يدل على ما يختص به , وإنما يدل على أمر مشترك كلى بينه وبين غيره.

إذ كان مدلول القياس الشمولى عندهم ليس إلا أمورا كلية مشتركة وتلك لا تختص بواجب الوجود -رب العالمين سبحانه وتعالى- فلم يعرفوا ببرهانهم شيئا من الأمور التى يجب دوامها لا من الواجب ولا من الممكنات .

وإذا كانت النفس إنما تكمل بالعلم الذى يبقى ببقاء معلومه لم يستفيدوا ببرهانهم ما تكمل به النفس من العلم فضلا عن أن يقال أن ما تكمل به النفس من العلم لا يحصل إلا ببرهانهم ,ولهذا كانت طريقة الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه الاستدلال على الرب تعالى بذكر آياته .

وإن استعملوا فى ذلك القياس استعملوا قياس الأولى لم يستعملوا قياس شمول تستوى أفراده ولا قياس تمثيل محض ؛فإن الرب تعالى لا مثيل له ولا يجتمع هو وغيره تحت كلي تستوي أفراده بل ما ثبت لغيره من كمال لا نقص فيه فثبوته له بطريق الأولى ,وما تنزه غيره عنه من النقائص فتنزهه عنه بطريق الأولى ,ولهذا كانت الأقيسة العقلية البرهانية المذكورة فى القرآن من هذا الباب كما يذكره فى دلائل ربوبيته وإلهيته ووحدانيته وعلمه وقدرته وإمكان المعاد وغير ذلك من المطالب العالية السنية والمعالم الإلهية التى هى أشرف العلوم ,وأعظم ما تكمل به النفوس من المعارف ,وإن كان كمالها لابد فيه من كمال علمها و قصدها جميعا فلا بد من عبادة الله وحده المتضمنة لمعرفته ومحبته والذل له .

مجموع الفتاوى (9|142) والرد على المنطقيين (147)

السابع عشر : أن يقال إذا كان لا بد فى كل قياس من قضية كلية فتلك القضية الكلية لا بد أن تنتهى إلى أن تعلم بغير قياس ؛وإلا لزم الدور والتسلسل ؛فإذا كان لا بد أن تكون لهم قضايا كلية معلومة بغير قياس .

فنقول ليس فى الموجودات ما تعلم له الفطرة قضية كلية بغير قياس إلا وعلمها بالمفردات المعينة من تلك القضية الكلية أقوى من علمها بتلك القضية الكلية مثل قولنا الواحد نصف الاثنين ,والجسم لا يكون فى مكانين والضدان لا يجتمعان ؛فإن العلم بأن هذا الواحد نصف الاثنين فى الفطرة أقوى من العلم بأن كل احد نصف كل اثنين وهكذا كل ما يفرض من الآحاد .

فيقال المقصود بهذه القضايا الكلية إما أن يكون العلم بالموجود الخارجي أو العلم بالمقدرات الذهنية أما الثانى ففائدته قليلة ,وأما الأول فما من موجود معين إلا وحكمه بعلم تعينه أظهر أقوى من العلم به عن قياس كلي يتناوله فلا يتحصل بالقياس كثير فائدة بل يكون ذلك تطويلا ,وإنما استعمل القياس في مثل ذلك لأجل الغالط والمعاند فيضرب له المثل وتذكر الكلية ردا لغلطه وعناده بخلاف من كان سليم الفطرة .

وكذلك قولهم الضدان لا يجتمعان فأى شيئين علم تضادهما ؛فإنه يعلم أنهما لا يجتمعان قبل استحضار قضية كلية بأن كل ضدين لايجتمعان ,وما من جسم معين إلا يعلم أنه لا يكون فى مكانين قبل العلم بأن كل جسم لا يكون فى مكانين وأمثال ذلك كثير .

فما من معين مطلوب علمه بهذه القضايا الكلية إلا وهو يعلم قبل أن تعلم هذه القضية ,ولا يحتاج فى العلم به إليها ,وإنما يعلم بها ما يقدر فى الذهن من أمثال ذلك مما لم يوجد فى الخارج .

مجموع الفتاوى (9|222)والرد على المنطقيين (316)

الثامن عشر: قال :وهو أن يقال لا ريب أن المقدمة الكبرى أعم من الصغرى أو مثلها لا يكون أخص منها ,والنتيجة أخص من الكبرى أومساوية لها وأعم من الصغرى أو مساوية لها كالحدود الثلاثة فإن الأكبر أعم من الأصغر أو مثله والأوسط مثل الأصغر أو أعم ومثل الأكبر أو أخص ولا ريب أن الحس يدرك المعينات أولا ثم ينتقل منها إلى القضايا العامة؛ فإن الإنسان يرى هذا الإنسان وهذا الإنسان وهذا الإنسان ,ويرى أن هذا حساس متحرك بالإرادة ناطق ,وهذا كذا وهذا كذا ؛فيقضى قضاء عاما أن كل إنسان حساس متحرك بالإرادة ناطق.

فنقول العلم بالقضية العامة إما أن يكون بتوسط قياس أو بغير توسط قياس؛ فإن كان لا بد من توسط قياس ,والقياس لا بد فيه من قضية عامة لزم أن لا يعلم العام إلا بالعام ,وذلك يستلزم الدور أو التسلسل ؛فلا بد أن ينتهى الأمر إلى قضية كلية عامة معلومة بالبديهة وهم يسلمون ذلك .

وإن أمكن علم القضية العامة بغير توسط قياس؛ أمكن علم الأخرى ؛فإن كون القضية بديهية أو نظرية ليس وصفا لازما لها يجب استواء جميع الناس فيه ؛بل هو أمر نسبى إضافي بحسب حال علم الناس بها ؛فمن علمها بلا دليل كانت بديهية له ,ومن احتاج إلى نظر واستدلال بدليل كانت نظرية له .

وكذلك كونها معلومة بالعقل أو الخبر المتواتر أو خبر النبي الصادق أو الحس ليس هو أمرا لازما لها بل كذب مسيلمة الكذاب مثلا قد يعلم بقول النبي الصادق إنه كذاب ,وقد يعلم ذلك من باشره ورآه يكذب ,ويعلم ذلك من غاب عنه بالتواتر ويعلم ذلك بالاستدلال ؛فإنه ادعى النبوة وأتى يناقض النبوة ؛فيعلم بالاستدلال. وكذلك الهلال قد يعلم طلوعه بالرؤية فتكون القضية حسية ,ويعلم ذلك من لم يره بالأخبار المتواترة فتكون القضية عنده من المواترات ,ويعلم ذلك من علم أن تلك الليلة إحدى وثلاثون بالحساب والاستدلال ,ومثل هذا كثير ؛فالمعلوم الواحد يعلمه هذا بالحس وهذا بالخبر وهذا بالنظر ,وهذه طرق العلم لبني آدم ,وهكذا القضايا الكلية إذا كان منها ما يعلم بلا قياس ولا دليل ,وليس لذلك حد في نفس القضايا بل ذلك بحسب احوال بنى آدم لم يمكن أن يقال فيما علمه زيد بالقياس إنه لا يمكن غيره ان يعلمه بلا قياس بل هذا نفى كاذب .

مجموع الفتاوى (9|237) والرد على المنطقيين (364)

التاسع عشر :كلامهم لايتعدى الذهن ولا حقيقة له في الخارج

قال :وإذا تأمل الخبير بالحقائق كلامهم فى أنواع علومهم لم يجد عندهم علما بمعلومات موجودة فى الخارج إلا القسم الذي يسمونه الطبيعي وما يتبعه من الرياضي ,وأما الرياضي المجرد فى الذهن فهو الحكم بمقادير ذهنية لا وجود لها فى الخارج والذى سموه علم ما بعد الطبيعة ؛إذا تدبر لم يوجد فيه علم بمعلوم موجود في الخارج وإنما تصوروا أمورا مقدرة فى أذهانهم لا حقيقة لها فى الخارج ,ولهذا منتهى نظرهم وآخر فلسفتهم وحكمهم هو الوجود المطلق الكلى والمشروط بسلب جميع الأمور الوجودية .

والمقصود أنهم كثيرا ما يدعون فى المطالب البرهانية والأمور العقلية ما يكونون قدروه فى أذهانهم ويقولون نحن نتكلم فى الأمور الكلية والعقليات المحضة ,وإذا ذكر لهم شىء قالوا نتكلم فيما هو أعلم من ذلك ,وفى الحقيقة من حيث هي هي ونحو هذه العبارات فيطلبون بتحقيق ما ذكروه فى الخارج ,ويقال بينوا هذا أي شيء هو فهنالك يظهر جهلهم وأن ما يقولونه هو أمر مقدر فى الأذهان لا حقيقة له فى الأعيان مثل أن يقال لهم اذكروا مثال ذلك ,والمثال أمر جزئى فإذا عجزوا عن التمثيل قالوا نحن نتكلم فى الأمور الكلية ؛فاعلم أنهم يتكلمون بلا علم وفيما لا يعلمون أن له معلوما فى الخارج بل ليس له معلوم فى الخارج وفيما يمتنع أن يكون له معلوم فى الخارج وإلا فالعلم بالأمور الموجودة إذا كان كليا كانت معلوماته ثابتة فى الخارج .

مجموع الفتاوى (9|229)

وقال أيضا :

إن القضايا الكلية العامة لا توجد في الخارج كلية عامة ,وإنما تكون كلية في الأذهان لا فى الأعيان وأما الموجودات فى الخارج فهي أمور معينة كل موجود له حقيقة تخصه يتميز بها عما سواه لا يشركه فيها غيره ؛فحينئذ لا يمكن الاستدلال بالقياس على خصوص وجود معين وهم معترفون بذلك وقائلون أن القياس لا يدل على أمر معين ,وقد يعبرون عن ذلك بأنه لا يدل على جزئي وإنما يدل على كلي فإذن القياس لا يفيد معرفة أمر موجود بعينه وكل موجود فإنما هو موجود بعينه فلا يفيد معرفة شىء من حقائق الموجودات وإنما يفيد أمورا كلية مطلقة مقدرة فى الأذهان لا محققة فى الأعيان .

فما يذكره النظار من الأدلة القياسية التى يسمونها براهين على إثبات الصانع سبحانه لا يدل شىء منها على عينه ,وإنما يدل على أمر مطلق لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ؛فإذا قال هذا محدث وكل محدث فلا بد له من محدث إنما يدل هذا على محدث مطلق كلي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه ,وإنما تعلم عينه بعلم آخر يجعله الله فى القلوب وهم معترفون بهذا لأن النتيجة لا تكون أبلغ من المقدمات والمقدمات فيها قضية كلية لا بد من ذلك والكلى لا يدل على معين ,وهذا بخلاف ما يذكره الله فى كتابه من الآيات كقوله تعالى{ إن فى خلق لسموات والأرض } الآية إلى غير ذلك يدل على المعين كالشمس التى هي آية النهار والدليل أعم من القياس ؛فإن الدليل قد يكون على معين كما يستدل بالنجم وغيره من الكواكب على الكعبة فالآيات تدل على نفس الخالق سبحانه لا على قدر مشترك بينه وبين غيره فإن كل ما سواه مفتقر اليه نفسه فيلزم من وجوده وجود عين الخالق نفسه .

مجموع الفتاوى (9|234)

العشرون :أنهم قسموا جنس الدليل إلى القياس والاستقراء والتمثيل

قالوا لأن الاستدلال إما أن يكون بالكلى على الجزئى أو بالجزئى على الكلى أو بأحد الجزئيين على الآخر ,وربما عبروا عن ذلك بالخاص والعام فقالوا إما أن يستدل بالعام على الخاص أو بالخاص على العام أو بأحد الخاصين على الآخر…ثم ذكر رحمه الله ترتيبهم الذي وضعوه في القياس ثم عقب فقال :

أ- فنقول هذا الذى قالوه إما أن يكون باطلا وإما أن يكون تطويلا يبعد الطريق على المستدل فلا يخلو عن خطأ يصد عن الحق أو طريق طويل يتعب صاحبه حتى يصل إلى الحق مع إمكان وصوله بطريق قريب كما كان يمثله بعض سلفنا بمنزلة من قيل له أين أذنك فرفع يده رفعا شديدا ثم أدارها إلى أذنه اليسرى وقد كان يمكنه الإشارة إلى اليمنى أو اليسرى من طريق مستقيم وما أحسن ما وصف الله به كتابه بقوله{ إن هذا القرآن يهدى للتى هو أقوم } فأقوم الطريق إلى أشرف المطالب ما بعث الله به رسوله , وأما طريق هؤلاء فهى مع ضلالهم فى البعض وإعوجاج طريقهم وطولها فى البعض الآخر إنما توصلهم إلى أمر لا ينجى من عذاب الله فضلا عن أن يوجب لهم السعادة فضلا عن حصول الكمال للأنفس البشرية بطريقهم .

ب- بيان ذلك أن ما ذكروه من حصر الدليل فى القياس والاستقراء والتمثيل حصر لا دليل عليه بل هو باطل فقولهم أيضا أن العلم المطلوب لا يحصل إلا بمقدمتين لا يزيد ولا ينقص قول لا دليل عليه بل هو باطل ,واستدلالهم على الحصر بقولهم إما أن يستدل بالكلى على الجزئى أو بالجزئى على الكلي أو بأحد الجزئين على الآخر والأول هو القياس والثانى هو الاستقراء والثالث هو التمثيل ,فيقال لم تقيموا دليلا على انحصار الاستدلال فى الثلاثة ؛فإنكم إذا عنيتم بالاستدلال بجزئى على جزئى قياس التمثيل لم يكن ما ذكرتموه حاصرا ,وقد بقى الاستدلال بالكلى على الكلي الملازم له وهو المطابق له فى العموم والخصوص ,وكذلك الاستدلال بالجزئى على الجزئى الملازم له بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر ,ومن عدمه عدمه ؛فإن هذا ليس مما سميتموه قياسا ولا استقراء ولا تمثيلا وهذه هى الآيات .

وهذا كالاستدلال بطلوع الشمس على النهار وبالنهار على طلوع الشمس فليس هذا استدلالا بكلى على جزئى بل الاستدلال بطلوع معين على نهار معين استدلال بجزئى على جزئى وبجنس النهار على جنس الطلوع استدلال بكلي على كلي وكذلك الاستدلال بالكواكب على جهة الكعبة استدلال بجزئى على جزئى كالاستدلال بالجدي وبنات نعش والكواكب الصغير القريب من القطب الذى يسميه بعض الناس القطب ,وكذلك بظهور كوكب على ظهور نظيره فى العرض والاستدلال بطلوعه على غروب آخر وتوسط آخر ونحو ذلك من الأدلة التى اتفق عليها الناس قال تعالى { وبالنجم هم يهتدون } والاستدلال على المواقيت والأمكنة بالأمكنة أمر اتفق عليه العرب والعجم وأهل الملل والفلاسفة ؛فإذا استدل بظهور الثريا على ظهور ما قرب منها مشرقا ومغربا ويمينا وشمالا من الكواكب كان استدلالا بجزئى على جزئى لتلازمها ,وليس ذلك من قياس التمثيل فإن قضى به قضاء كليا كان استدلالا بكلى على كلى وليس استدلالا بكلى على جزئى بل بأحد الكليين المتلازمين على الآخر ,ومن عرف مقدار أبعاد الكواكب بعضها عن بعض وعلم ما يقارن منها طلوع الفجر استدل بما رآه منها على ما مضى من الليل .وما بقى منه وهو استدلال بأحد المتلازمين على الآخر ,ومن علم الجبال والأنهار والرياح استدل بها على ما يلازمها من الأمكنة .

مجموع الفتاوى (9|155) والرد على المنطقيين (159)

الحادي والعشرون :يمكن الحصول على اليقين بالقياس التمثيلي( ) خلافا لقولهم

أ- قال : ومما يبين أن حصول العلوم اليقينية الكلية والجزئية لا يفتقر إلى برهانهم من قضية كلية أن العلم بتلك القضية الكلية لا بد له من سبب ؛فإن عرفوها باعتبار الغائب بالشاهد ,وأن حكم الشيء حكم مثله كما إذا عرفنا أن هذه النار محرقة فالنار الغائبة محرقة لأنها مثلها وحكم الشيء حكم مثله ؛فيقال هذا استدلال بالقياس التمثيلي وهم يزعمون أنه لا يفيد اليقين بل الظن ؛فإذا كانوا إنما عملوا القضية الكلية بقياس التمثيل رجعوا في اليقين إلى ما يقولون إنه لا يفيد إلا الظن ,وإن قالوا بل عند الإحساس بالجزئيات يحصل في النفس علم كلي من واهب العقل أو تستعد النفس عند الإحساس بالجزئيات لأن يفيض عليها الكلي من واهب العقل أو قالوا من العقل الفعال –عندهم- أو نحو ذلك قيل لهم كلام فيها به يعلم أن الحكم الكلي الذي في النفس علم لا ظن ولا جهل ؛فإن قالوا هذا العلم بالبديهة أو الضرورة كان هذا قولا بأن هذه القضايا الكلية المعلومة بالبديهة والضرورة وأن النفس مضطرة إلى هذا العلم ,وهذا إن كان حقا فالعلم بالأعيان العينة وبأنواع الكليات يحصل أيضا في النفس بالبديهة والضرورة كما هو الواقع ؛فإن جزم العقلاء بالشخصيات من الحسيات أعظم من جزمهم بالكليات وجزمهم بكلية الأنواع أعظم من جزمهم بكلية الأجناس ,والعلم بالجزئيات أسبق إلى الفطرة فجزم الفطرة بها أقوى ثم كلما قوى العقل اتسعت الكليات ,وحينئذ فلا يجوز أن يقال أن العلم بالأشخاص موقوف على العلم بالأنواع والأجناس ,ولا أن العلم بالأنواع موقوف على العلم بالأجناس بل قد يعلم الإنسان أنه حساس متحرك بالإرادة قبل أن يعلم أن كل إنسان كذلك ,ويعلم أن الإنسان كذلك قبل أن يعلم أن كل حيوان كذلك فلم يبق علمه بأن غيره من الحيوان حساس متحرك بالإرادة موقوفا على البرهان ,وإذا علم حكم سائر الناس وسائر الحيوان فالنفس تحكم بذلك بواسطة علمها أن ذلك الغائب مثل هذا الشاهد أو أنه يساويه في السبب الموجب لكونه حساسا متحركا بالإرادة ونحو ذلك من قياس التمثيل والتعليل الذي يحتج به الفقهاء في اثبات الأحكام الشرعية .

مجموع الفتاوى (9|115)

وقال أيضا :وهؤلاء يزعمون أن ذلك القياس إنما يفيد الظن وقياسهم هو الذى يفيد اليقين وقد بينا فى غير هذا الموضع أن قولهم هذا من أفسد الأقوال ,وأن قياس التمثيل وقياس الشمول سواء وإنما يختلفان بالمادة المعينة ؛فإن كانت يقينية فى أحدهما كانت يقينية فى الآخر ,وإن كانت ظنية فى أحدهما كانت ظنية فى الآخر ,وذلك أن قياس الشمول مؤلف من الحدود الثلاثة الأصغر والأوسط والأكبر ,والحد الأوسط فيه هو الذى يسمى فى قياس التمثيل علة ومناطا وجامعا .

فإذا قال فى مسألة النبيذ كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام ؛ فلا بد له من إثبات المقدمة الكبرى وحينئذ يتم البرهان وحينئذ فيمكنه أن يقول النبيذ مسكر فيكون حراما قياسا على خمر العنب وبجامع ما يشتركان فيه من الإسكار ؛فإن الإسكار هو مناط التحريم فى الأصل وهو موجود فى الفرع فبما به يقرر أن كل مسكر حرام به يقرر أن السكر مناط التحريم بطريق الأولى بل التفريق فى قياس التمثيل أسهل عليه لشهادة الأصل له بالتحريم ؛فيكون الحكم قد علم ثبوته فى بعض الجزئيات ,ولا يكفى فى قياس التمثيل إثباته فى أحد الجزئين لثبوته فى الجزء الآخر لاشتراكهما فى أمر لم يقم دليل على استلزامه للحكم كما يظنه بعض الغالطين بل لابد أن يعلم أن المشترك بينهما مستلزم للحكم والمشترك بينهما هو الحد الأوسط .

مجموع الفتاوى (9|116)

وقال أيضا : تفريقهم بين قياس الشمول وقياس التمثيل بأن الأول قد يفيد اليقين والثانى لا يفيد إلا الظن فرق باطل بل حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن ؛فإن إفادة الدليل لليقين أو الظن ليس لكونه على صورة أحدهما دون الآحر بل باعتبار تضمن أحدهما لما يفيد اليقين ؛فإن كان أحدهما اشتمل على أمر مستلزم للحكم يقينا حصل به اليقين وإن لم يشتمل إلا على ما يفيد الحكم ظنا لم يفد إلا الظن ,والذى يسمى في أحدهما حدا أوسط :هو فى الآخر الوصف المشترك والقضية الكبرى المتضمنة لزوم الحد الأكبر للأوسط هو بيان تأثير الوصف المشترك بين الأصل والفرع فما به يتبين صدق القضية الكبرى به يتبين أن الجامع المشترك مستلزم للحكم ؛فلزوم الأكبر للأوسط هو لزوم الحكم للمشترك .

فإذا قلت النبيذ حرام قياسا على الخمر لأن الخمر إنما حرمت لكونه مسكرة وهذا الوصف موجود فى النبيذ كان بمنزلة قولك كل نبيذ مسكر وكل مسكر حرام فالنتيجة قولك النبيذ حرام والنبيذ هو موضوعها وهو الحد الأصغر والحرام محمولها وهو الحد الأكبر ,والمسكر هو المتوسط بين الموضوع والمحمول وهو الحد الأوسط المحمول فى الصغرى الموضوع فى الكبرى .

فإذا قلت النبيذ حرام قياس على خمر العنب لأن العلة فى الأصل هو الإسكار ,وهو موجود فى الفرع فثبت التحريم لوجود علته ؛فإنما استدللت على تحريم النبيذ بالسكر وهو الحد الأوسط لكن زدت فى قياس التمثيل ذكر الأصل الذى يثبت به الفرع ,وهذا لأن شعور النفس بنظير الفرع أقوى في المعرفة من مجرد دخوله فى الجامع الكلى ,وإذا قام الدليل على تأثير الوصف المشترك لم يكن ذكر الأصل محتاجا إليه ….

والمقصود هنا الكلام المنطق وما ذكر من البرهان وأنهم يعظمون قياس الشمول ويستخفون بقياس التمثيل ويزعمون أنه إنما يفيد الظن ,وأن العلم لا يحصل الا بذاك ,وليس الأمر كذلك بل هما فى الحقيقة من جنس واحد وقياس التمثيل الصحيح أولى بإفادة المطلوب علما كان أو ظنا من مجرد قياس الشمول ,ولهذا كان سائر العقلاء يستدلون بقياس التمثيل أكثر مما يستدلون بقياس الشمول بل لا يصح قياس الشمول فى الأمر العام إلا بتوسط قياس التمثيل ,وكل ما يحتج به على صحة قياس الشمول فى بعض الصور فإنه يحتج على صحة قياس التمثيل فى تلك الصورة.

مجموع الفتاوى (9|205)

ب- وقال أيضا: إن الحد الأوسط المكرر فى قياس الشمول وهو الخمر من قولك كل مسكر خمر وكل خمر حرام هو مناط الحكم فى قياس التمثيل ,وهو القدر المشترك الجامع بين الأصل والفرع ؛فالقياسان متلازمان كل ما علم بهذا القياس يمكن علمه بهذا القياس ثم إن كان الدليل قطعيا فهو قطعي فى القياسين أو ظنيا فظنى فيهما.

وأما دعوى من يدعى من المنطقيين وأتباعهم أن اليقين إنما يحصل بقياس الشمول دون قياس التمثيل فهو قول فى غاية الفساد وهو قول من لم يتصور حقيقة القياسين ,وقد يعلم بنص أن كل مسكر حرام كما ثبت فى الحديث الصحيح ,وإذا كان كذلك لم يتعين قياس الشمول لإفادة الحكم بل ولا قياس من الأقيسة؛ فإنه قد يعلم بلا قياس فبطل قولهم لا علم تصديقى إلا بالقياس المنطقي كما تقدم .

والمقصود هنا بيان قلة منفعته أو عدمها ؛فإن المطلوب إن كان ثم قضية علمت من جهة الرسول تفيد العموم وهو أن كل مسكر حرام حصل مدعاه فالقضايا الكلية المتلقاة عن الرسول تفيد العلم فى المطالب الإلهية .

مجموع الفتاوى (9|235)

ج- قياس الشمول يمكن جعله قياس تمثيل وبالعكس( )

فإن قيل من أين تعلم بأن الجامع يستلزم الحكم

قيل من حيث تعلم القضية الكبرى فى قياس الشمول

فإذا قال القائل هذا فاعل محكم لفعله وكل محكم لفعله فهو عالم فأي شىء ذكر فى علة هذه القضية الكلية فهو موجود فى قياس التمثيل وزيادة أن هناك أصلا يمثل به قد وجد فيه الحكم مع المشترك وفي الشمول لم يذكر شىء من الافراد التى ثبت الحكم فيها ومعلوم ان ذكر الكلي المشترك مع بعض افراده أثبت فى العقل من ذكره مجردا عن جميع الافراد باتفاق العقلاء

ولهذا قالوا ان العقل تابع للحس فإذا أدرك الحس الجزئيات أدرك العقل منها قدرا مشتركا كلي فالكليات تقع في النفس بعد معرفة الجزئيات المعينة فمعرفة الجزيئات المعينة من أعظم الاسباب فى معرفة الكليات فكيف يكون ذكرها مضعفا للقياس وعدم ذكرها موجبا لقوته وهذه خاصة العقل معرفة الكليات بتوسط معرفة الجزيئات فمن أنكرها انكر خاصة عقل الانسان ومن جعل ذكرها بدون شيء من محالها المعينة اقوى من ذكرها مع التمثيل بمواضعها المعينة كان مكابرا .

مجموع الفتاوى (9|238)

د-: الموجودات في الخارج تعرف بغير القياس المنطقي

قال :أما الموجودات الخارجية فتعلم بدون هذا القياس ,وإذا قيل إن من الناس من يعلم بعض الأعيان الخارجية بهذا القياس فيكون مبناه على قياس التمثيل الذى ينكرون أنه يقينى فهم بين أمرين :إن اعترفوا بأن قياس التمثيل من جنس قياس الشمول ينقسم إلى يقينى وظني بطل تفريقهم ,وإن ادعوا الفرق بينهما وأن قياس الشمول يكون يقينيا دون التمثيل منعوا ذلك ,وبين لهم أن اليقين لا يحصل فى هذه الأمور إلا أن يحصل بالتمثيل فيكون العلم بما لم يعلم من المفردات الموجودة فى الخارج قياسا على ما علم منها ,وهذا حق لا ينازع فيه عاقل بل هذا من أخص صفات العقل التى فارق بها الحس, إذ الحس لا يعلم إلا معينا والعقل يدركه كليا مطلقا لكن بواسطة التمثيل ثم العقل يدركها كلها مع عزوب الأمثلة المعينة عنه.

لكن هي في الأصل إنما صارت فى ذهنه كلية عامة بعد تصوره لأمثال معينة من أفرادها ,وإذا بعد عهد الذهن بالمفردات المعنية فقد يغلط كثيرا ؛بأن يجعل الحكم إما أعم وإما أخص ,وهذا يعرض للناس كثيرا حيث يظن أن ما عنده من القضايا الكلية صحيح ويكون عند التحقيق ليس كذلك .

وهم يتصورون الشىء بعقولهم ويكون ما تصوروه معقولا بالعقل فيتكلمون عليه ويظنون أنهم تكلموا فى ماهية مجردة بنفسها من حيث هي هى ,من غير أن تكون ثابتة فى الخارج ولا فى الذهن فيقولون الإنسان من حيث هو هو والوجود من حيث هو هو والسواد من حيث هو هو ونحو ذلك .

ويظنون أن هذه الماهية التى جردوها عن جميع القيود السلبية والثبوتية محققة فى الخارج على هذا التجريد ,وذلك غلط كغلط أوليهم فيما جردوه من العدد والمثل الأفلاطونية وغيرها بل هذه المجردات لا تكون إلا مقدرة في الذهن ,وليس كل ما فرضه الذهن أمكن وجوده فى الخارج وهذا الذى يسمى الإمكان الذهني.

فإن الإمكان على وجهين ذهني وهو أن يعرض الشىء على الذهن فلا يعلم امتناعه بل يقول يمكن هذا لا لعلمه بإمكانه بل لعدم علمه بامتناعه مع أن ذلك الشىء قد يكون ممتنعا في الخارج.

و خارجي وهو أن يعلم إمكان الشىء فى الخارج ,وهذا يكون بأن يعلم وجوده فى الخارج أو وجود نظيره أو وجوده ما هو أبعد عن الوجود منه ؛فإذا كان الأبعد عن قبول الوجود موجودا ممكن الوجود فالأقرب إلى الوجود منه أولى .

مجموع الفتاوى(9|224)

الثاني والعشرون: أنهم كما حصروا اليقين في الصورة القياسية حصروه فى المادة التى ذكروها من القضايا الحسيات والأوليات والمتواترات والمجربات والحدسيات ومعلوم أن لا دليل على نفي ما سوى هذه القضايا ثم مع ذلك إنما اعتبروا فى الحسيات والعقليات وغيرها ما جرت العادة باشتراك بنى آدم فيه ,وتناقضوا في ذلك فإن بني آدم إنما يشتركون كلهم فى بعض المرئيات وبعض المسموعات؛ فإنهم كلهم يرون عين الشمس والقمر والكواكب ويرون جنس السحاب والبرق ,وإن لم يكن ما يراه هؤلاء عين ما يراه هؤلاء عين ,وكذلك يشتركون في سماع صوت الرعد ,وأما ما سمعه بعضهم من كلام بعض وصوته فهذا لا يشترك بنو آدم فى عينه بل كل قوم يسمعون ما لم يسمع غيرهم وكذا أكثر المرئيات

وأما الشم والذوق واللمس فهذا لا يشترك جميع الناس فى شيء معين فيه ؛بل الذي يشمه هؤلاء ويذوقونه ويلمسونه ليس هو الذي يشمه ويذوقه ويلمسه هؤلاء .

لكن قد يتفقان فى الجنس لا فى العين وكذلك ما يعلم بالتواتر والتجربة والحدس فإنه قد يتواتر عند هؤلاء ويجرب هؤلاء ما لم يتواتر عند غيرهم ويجربوه ,ولكن قد يتفقان فى الجنس كما يجرب قوم بعض الأدوية ويجرب آخرون جنس تلك الأدوية فيتفق فى معرفة الجنس لا في معرفة عين المجرب …

وعامة ما عندهم من العلوم الكلية بأحوال الموجودات هي من العلم بعادة ذلك الموجود وهو ما يسمونه الحدسيات وعامة ما عندهم من العلوم العقلية الطبيعية والعلوم الفلكية كعلم الهيئة فهو من قسم المجربات ,وهذه لا يقوم فيها برهان ؛فإن كون هذه الأجسام الطبيعية جربت وكون الحركات جربت لا يعرفه أكثر الناس إلا بالنقل , والتواتر في هذا قليل .

وغاية الأمر أن تنقل التجربة في ذلك عن بعض الأطباء أو بعض أهل الحساب وغاية ما يوجد أن يقول بطليموس هذا مما رصده فلان وأن يقول جالينوس هذا مما جربته أو ذكر لي فلان أنه جربه وليس فى هذا شيء من المتواتر ,وإن قدر أن غيره جربه أيضا فذاك خبر واحد وأكثر الناس لم يجربوا جميع ما جربوه ولا علموا بالأرصاد ما ادعوا أنهم علموه ,وإن ذكروا جماعة رصدوا فغايته أنه من المتواتر الخاص الذي تنقله طائفة .

فمن زعم أنه لا يقوم عليه برهان بما تواتر عن الأنبياء كيف يمكنه أن يقيم على غيره برهانا بمثل هذا التواتر ويعظم علم الهيئة والفلسفة ويدعي أنه علم عقلي معلوم بالبرهان ,وهذا أعظم ما يقوم عليه البرهان العقلي عندهم هذا حاله فما الظن بالإلهيات التى إذا نظر فيها كلام معلمهم الأول أرسطو وتدبره الفاضل العاقل لم يفده إلا العلم بأنهم كانوا من أجهل الخلق برب العالمين ,وأن كفار اليهود والنصارى أعلم منهم بهذه الأمور .

مجموع الفتاوى (9|246)

الثالث والعشرون :إن الأنبياء والأولياء لهم من علم الوحي والإلهام ما هو خارج عن قياسهم الذي ذكروه بل الفراسة أيضا ومثالها فإن ادخلوا ذلك فيما ذكروه من الحسيات والعقليات ,لم يمكنهم نفي ما لم يذكروه ,ولم يبق لهم ضابط ,وقد ذكر ابن سينا وأتباعه أن القضايا الواجب قبولها التى هي مادة البرهان الأوليات والحسيات والمجربات والحدسيات والمتواترات وربما ضموا إلى ذلك قضايا معها حدودها ,ولم يذكروا دليلا على هذا الحصر ,ولهذا اعترف المنتصرون لهم أن هذا التقسيم منتشر غير منحصر يتعذر إقامة دليل عليه ,وإذا كان كذلك لم يلزم ان كل ما لم يدخل فى قياسهم لا يكون معلوما وحينئذ فلا يكون المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها من الخطأ .

فإنه وعامة هؤلاء المنطقيين يكذبون بما لم يستدل عليه بقياسهم ,وهذا فى غاية الجهل لاسيما إن كان الذي كذبوا به من أخبار الأنبياء

فإذا كان أشرف العلوم لا سبيل الى معرفته بطريقهم لزم أمران :

أحدهما :إن لا حجة لهم على ما يكذبون به مما ليس فى قياسهم دليل عليه .

و الثانى :إن ما علموه خسيس بالنسبة الى ما جهلوه فكيف اذا علم انه لا يفيد النجاة ولا السعادة .

مجموع الفتاوى (9|247)

الرابع والعشرون :أنهم يجعلون ما هو علم يجب تصديقه ليس علما وما هو باطل وليس بعلم يجعلونه علما

قال : فزعموا ما جاءت به الأنبياء فى معرفة الله وصفاته والمعاد لا حقيقة له فى الواقع وأنهم إنما أخبروا الجمهور بما يتخيلونه فى ذلك لينتفعوا به فى إقامة مصلحة دنياهم لا يعرفوا بذلك الحق ,وأنه من جنس الكذب لمصلحة الناس ويقولون أن النبى حاذق بالشرائع العملية دون العلمية ,ومنهم من يفضل الفيلسوف على كل نبى وعلى نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام ,ولا يوجبون اتباع نبى بعينه لا محمد .. وقد أخبر النبى عن الله بأسمائه وصفاته المعينة وعن الملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار ,وليس فى ذلك شيء من ذلك بقياسهم وكذا أخبر عن أمور معينة مما كان وسيكون وليس شيء من ذلك يمكن معرفته بقياسهم لا البرهاني ولا غيره ؛فإن أقيستهم لا تفيد إلا أمورا كلية وهذه أمور خاصة .. والمقصود أن يعرف الإنسان أنهم يقولون من الجهل والكفر ما هو فى غاية الضلال فرارا من لازم ليس قط دليل على نفيه .

مجموع الفتاوى (9|249)

الخامس والعشرون :أن في غير الطرق التي استندوا إليها بيان للأمور أوضح وأجلى من قياسهم المنطقي

قال رحمه الله : أما الأمور الموجودة المحققة فتعلم بالحس الباطن والظاهر وتعلم بالقياس التمثيلى وتعلم بالقياس الذى ليس فيه قضية كلية ولا شمول ولا عموم بل تكون الحدود الثلاثة فيه الأصغر والأوسط والأكبر أعيانا جزئية والمقدمات والنتيجة قضايا جزئية ,وعلم هذه الأمور المعينة بهذه الطرق أصح وأوضح وأكمل ؛فإن من رأى بعينه زيدا فى مكان ,وعمرا فى مكان آخر استغنى عن أن يستدل على ذلك بكون الجسم الواحد لا يكون فى مكانين ,وكذلك من وزن دراهم كل منها ألف درهم استغنى عن أن يستدل على ألف درهم منها بأنها مساوية للصنجة,وهى شيء واحد ,والأشياء المساوية لشىء واحد متساوية وأمثال ذلك كثير , ولهذا يسمى هؤلاء أهل كلام أى لم يفيدوا علما لم يكن معروفا ,وإنما أتوا بزيادة كلام قد لايفيد وهو ما ضربوه من القياس لإيضاح ماعلم بالحس ,وإن كان هذا وهو ما ضربوه من القياس لإيضاح ما علم بالحس ,وإن كان هذا القياس وأمثاله ينتفع به فى موضع آخر…

وكذلك إذا علم الإنسان أن هذا الدينار مثل هذا وهذا الدرهم مثل هذا ,وأن هذه الحنطة والشعير مثل هذا ثم علم شيئا من صفات أحدهما وأحكامه الطبيعية مثل الاغتذاء والانتفاع أو العادية مثل القيمة والسعر أو الشرعية مثل الحل والحرمة علم أن حكم الآخر مثله ؛فأقيسة التمثيل تفيد اليقين بلا ريب أعظم من أقيسة الشمول ولا يحتاج مع العلم بالتماثل إلى أن يضرب لهما قياس شمول بل يكون من زيادة الفضول وبهذا الطريق عرفت القضايا الجزئية بقياس التمثيل ….

مجموع الفتاوى (9|76)

السادس والعشرون : أنهم معترفون بالحسيات الظاهرة والباطنة كالجوع والألم واللذة ونفوا وجود ما يمكن أن يختص برؤيته بعض الناس كالملائكة والجن ,وما تراه النفس عند الموت .

والكتاب والسنة ناطقان بإثبات ذلك ولبسط هذه الأمور موضع آخر وإنما المقصود أن ما تلقوه من القواعد الفاسدة المنطقية من نفي ما لم يعلم نفيه أوجب لهم من الجهل والكفر ما صار حاجبا ,وأنهم به أسوأ حالا من كفار اليهود والنصارى .

مجموع الفتاوى (9|249)

السابع والعشرون : أن يقال كون القضية برهانية معناه عندهم أنها معلومة للمستدل بها ,وكونها جدلية معناه كونها مسلمة ,وكونها خطابية معناه كونها مشهورة أو مقبولة أو مظنونة ,وجميع هذه الفروق هي نسب وإضافات عارضة للقضية ليس فيها ما هو صفة ملازمة لها فضلا عن أن تكون ذاتية لها على أصلهم بل ليس فيها ما هو صفة لها فى نفسها بل هذه صفات نسبية باعتبار شعورالشاعر بها ,ومعلوم أن القضية قد تكون حقا والإنسان لا يشعر بها فضلا عن أن يظنها أو يعلمها ,وكذلك قد تكون خطابية أو جدلية وهي حق فى نفسها بل تكون برهانية أيضا كما قد سلموا ذلك ,وإذا كان كذلك فالرسل صلوات الله عليهم أخبروا بالقضايا التى هي حق فى نفسها لا تكون كذبا باطلا قط ,وبينوا من الطرق العلمية التى يعرف بها صدق القضايا ما هو مشترك فينتفع به جنس بني آدم وهذا هو العلم النافع للناس .

وأما هؤلاء المتفلسفة فلم يسلكوا هذا المسلك بل سلكوا في القضايا الأمر النسبى فجعلوا البرهانيات ما علمه المستدل وغير ذلك لم يجعلوه برهانيا ,وإن علمه مستدل آخر ,وعلى هذا فيكون من البرهانيات عند إنسان وطائفة ما ليس من البرهانيات عند آخرين ؛فلا يمكن أن تحد القضايا العلمية بحد جامع بل تختلف باختلاف أحوال من علمها ومن لم يعلمها حتى أن أهل الصناعات عند أهل كل صناعة من القضايا التى يعلمونها مالا يعلمها غيرهم, وحينئذ فيمتنع أن تكون طريقتهم مميزة للحق من الباطل والصدق من الكذب باعتبار ما هو الأمر عليه فى نفسه عند أهل كل صناعة من الحق والباطل ومن الصدق والكذب ,ويمتنع أن تكون منفعتها مشتركة بين الآدميين بخلاف طريقة الأنبياء ؛فإنهم أخبروا بالقضايا الصادقة التى تفرق بين الحق والباطل والصدق والكذب ؛فكل ما ناقض الصدق فهو كاذب وكل ما ناقض الحق فهو باطل ؛فلهذا جعل الله ما أنزله من الكتاب حاكما بين الناس فيما اختلفوا فيه وأنزل أيضا الميزان وما يوزن به ويعرف به الحق من الباطل ولكل حق ميزان يوزن به بخلاف ما فعله الفلاسفة المنطقيون فإنه لا يمكن أن يكون هاديا للحق ولا مفرقا بين الحق والباطل ولا هو ميزان يعرف به الحق من الباطل .

وأما المتكلمون فما كان في كلامهم موافقا لما جاءت به الأنبياء فهو منه وما خالفه فهو من البدع الباطلة شرعا وعقلا .

فإن قيل نحن نجعل البرهانيات إضافية فكل ما علمه الإنسان بمقدماته فهو برهاني عنده وإن لم يكن برهانيا عند غيره .

قيل: لم يفعلوا ذلك فإن من سلك هذا السبيل لم يجد مواد البرهان فى أشياء معينة مع إمكان علم كثير من الناس لأمور أخرى بغير تلك المواد المعينة التى عيونها وإذا قالوا نحن لا نعين المواد فقد بطل أحد أجزاء المنطق وهو المطلوب .

مجموع الفتاوى (9|251)

الثامن والعشرون : أنهم لما ظنوا أن طريقهم كلية محيطة بطرق العلم الحاصل لبني آدم مع أن الأمر ليس كذلك وقد علم الناس إما بالحس وإما بالعقل وإما بالأخبار الصادقة معلومات كثيرة تعلم بطريقهم ذكروها ,ومن ذلك ما علمه الأنبياء صلوات الله عليهم من العلوم أرادوا إجراء ذلك على قانونهم الفاسد فقالوا النبى له قوة أقوى من قوة غيره ,وهو أن يكون بحيث ينال الحد الاوسط من غير تعليم فإذا تصور أدرك بتلك القوة الحد الذي قد يتعسر أو يتعذر على غيره إدراكه بلا تعليم لأن قوى الأنفس فى الإدراك غير محدودة ؛فجعلوا ما يخبر به الأنبياء من أنباء الغيب إنما بواسطة القياس المنطقى ,وهذا فى غاية الفساد فإن القياس المنطقي إنما تعرف به أمورا كلية كما تقدم .

مجموع الفتاوى (9|252)

التاسع والعشرون : قول بعضهم ليس في العقليات قياس باطل

ومن قال من متأخري أهل الكلام والرأي كأبي المعالي وأبي حامد والرازي وأبي محمد المقدسي وغيرهم من أن العقليات ليس فيها قياس ,وإنما القياس فى الشرعيات ولكن الاعتماد فى العقليات على الدليل الدال على ذلك مطلقا فقولهم مخالف لقول نظار المسلمين بل وسائر العقلاء ؛فإن القياس يستدل به فى العقليات كما يستدل به فى الشرعيات ؛فإنه إذا ثبت أن الوصف المشترك مستلزم للحكم كان هذا دليلا فى جميع العلوم ,وكذلك إذا ثبت أنه ليس بين الفرع والأصل فرق مؤثر كان هذا دليلا فى جميع العلوم وحيث لا يستدل بالقياس التمثيلي لا يستدل بالقياس الشمولي .

مجموع الفتاوى (9|118) والرد على المنطقيين (118)

الثلاثون : قولهم الاستدلال لابد فيه من مقدمتين بلا زيادة ولا نقصان( )

أ- وأما قولهم الاستدلال لابد فيه من مقدمتين بلا زيادة ولا نقصان فهذا قول باطل طردا وعكسا ,وذلك أن احتياج المستدل إلى المقدمات مما يختلف فيه حال الناس فمن الناس من لا يحتاج إلا إلى مقدمة واحدة لعلمه بما سوى ذلك كما أن منهم من لا يحتاج فى علمه بذلك إلى استدلال بل قد يعلمه بالضرورة ومنهم من يحتاج الى مقدمتين ,ومنهم من يحتاج الى ثلاث ,ومنهم من يحتاج الى أربع وأكثر فمن أراد أن يعرف أن هذا المسكر المعين محرم ؛فإن كان يعرف أن كل مسكر محرم ولكن لا يعرف هل هذا المسكر المعين يسكر أم لا لم يحتج إلا إلى مقدمة واحدة وهو أن يعلم أن هذا مسكر فإذا قيل له هذا حرام فقال ما الدليل عليه فقال المستدل الدليل على ذلك أنه مسكر تم المطلوب .

وكذلك لو تنازع اثنان فى بعض أنواع الأشربة هل هو مسكر أم لا كما يسأل الناس كثيرا عن بعض الأشربة ولا يكون السائل ممن يعلم أنها تسكر أو لا تسكر ولكن قد علم أن كل مسكر حرام ؛فإذا ثبت عنده بخبر من يصدقه أو بغير ذلك من الأدلة أنه مسكر علم تحريمه ,وكذلك سائر ما يقع الشك فى اندراجه تحت قضية كلية من الأنواع والأعيان مع العلم بحكم تلك القضية كتنازع الناس فى النرد والشطرنج هل هما من الميسر أم لا ,وتنازعهم فى النبيذ المتنازع فيه هل هو من الخمر أم لا ,وتنازعهم فى الحلف بالنذر والطلاق والعتاق هل هو داخل فى قوله {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} أم لا وتنازعهم فى قوله {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} هل هو الزوج أو الولى المستقل وأمثال ذلك .

وقد يحتاج الاستدلال إلى مقدمتين لمن لم يعلم أن النبيذ المسكر المتنازع فيه محرم ولم يعلم أن هذا المعين مسكر فهو لا يعلم أنه محرم حتى يعلم أنه مسكر ,ويعلم أن كل مسكر حرام ,وقد يعلم أن هذا مسكر ويعلم أن كل مسكر خمر لكن لم يعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم حرم الخمر لقرب عهده بالإسلام أو لنشأته بين جهال أو زنادقة يشكون فى ذلك أو يعلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :كل مسكر حرام أو يعلم أن هذا خمر وأن النبى حرم الخمر لكن لم يعلم أن محمدا رسول الله أو لم يعلم أنه حرمها على جميع المؤمنين بل ظن أنه أباحها لبعض الناس ؛فظن أنه منهم كمن ظن أنه أباح شربها للتداوى أو غير ذلك ؛فهذا لا يكفيه فى العلم بتحريم هذا النبيذ المسكر تحريما عاما إلا أن يعلم أنه مسكر وأنه خمر وأن النبى صلى الله عليه وسلم حرم كل مسكر ,وأنه رسول الله حقا فما حرمه حرمه الله وأنه حرمه تحريما عاما لم يبحه للتداوى أو للتلذذ …

والمقصود أن قولكم أن الدليل الذى هو القياس لا يكون إلا جزئين فقط إن أردتم لفظين فقط وإن ما زاد على لفظين فهو أدلة لا دليل واحد لأن ذلك اللفظ الموصوف بصفات تحتاج كل صفة إلى دليل .

قيل لكم وكذلك يمكن أن يقال فى اللفظين هما دليلان لا دليل واحد ؛فإن كل مقدمة تحتاج إلى دليل ,وحينئذ فتخصيص العدد باثنين دون ما زاد تحكم لا معنى له؛ فإنه إذا كان المقصود قد يحصل بلفظ مفرد وقد لا يحصل إلا بلفظين وقد لا يحصل إلا بثلاثة أو بأربعة وأكثر فجعل الجاعل اللفظين هما الأصل الواجب دون ما زاد وما نقص ,وأن الزائد إن كان فى المطلوب جعل مطالب متعددة, وإن كان فى الدليل تذكر مقدمات جعل ذلك فى تقدير أقيسة متعددة تحكم محض ليس هو أولى من أن يقال بل الأصل فى المطلوب أن يكون واحدا ودليله جزاء واحدا فإذا زاد المطلوب على ذلك جعل مطلوبين أو ثلاثة أو أربعة بحسب دلالته ,وهذا إذا قيل فهو أحسن من قولهم لأن اسم الدليل مفرد فيجعل معناه مفردا والقياس هو الدليل .

ولفظ القياس يقتضى التقدير كما يقال قست هذا بهذا ,والتقدير يحصل بواحد وإذا قدر باثنين وثلاثة يكون تقديرين وثلاثة لا تقديرا واحدا ؛فتكون تلك التقديرات أقيسة لا قياسا واحدا فجعلهم ما زاد على الاثنين من المقدمات فى معنى أقيسة متعددة وما نقص عن الاثنين نصف قياس تام؛ اصطلاح محض لا يرجع الى معنى معقول كما فرقوا بين الصفات الذاتية والعرضية اللازمة للماهية والوجود بمثل هذا التحكم .

وحينئذ فيعلم أن القوم لم يرجعوا فيما سموه حدا وبرهانا إلى حقيقة موجودة ولا أمر معقول بل إلى اصطلاح …

مجموع الفتاوى (9|170) والرد على المنطقيين (167)

ب- ثم إنهم لما علموا أن الدليل قد يحتاج إلى مقدمات وتكفي فيه مقدمة واحدة قالوا ربما أدرج في القياس قول زائد أى مقدمة ثالثة على مقدمتين لغرض فاسد أو صحيح كبيان المقدمتين ويسمونه المركب قالوا ومضمونه أقيسة متعددة سيقت لبيان أكثر من مطلوب واحد إلا أن المطلوب منها بالذات ليس إلا واحدا قالوا وربما حذفت إحدى المقدمات أما للعلم بها أو لغرض فاسد وقسموا المركب مفصول وموصول .

فيقال هذا اعتراف منكم بأن من المطالب ما يحتاج إلى مقدمات ,وما يكفى فيه مقدمة واحدة ثم قلتم إن ذلك الذى يحتاج إلى مقدمات هو فى معنى أقيسة متعددة فيقال لكم: إذا ادعيتم أن الذى لابد منه إنما هو قياس واحد مشتمل على مقدمتين وأن ما زاد على ذلك هو فى معنى أقيسة .

كل قياس لبيان مقدمة من المقدمات فقولوا إن الذى لا بد منه هو مقدمة واحدة وأن ما زاد على تلك المقدمة من المقدمات ؛فإنما هو لبيان تلك المقدمة ,وهذا أقرب إلى معقول ؛فإنه إذا لم يعلم ثبوت الصفة للموصوف وهو ثبوت الحكم للمحكوم عليه وهو ثبوت الخبر للمبتدأ أو المحمول للموضوع إلا بوسط بينهما هو الدليل فالذى لا بد منه هو مقدمة واحدة وما زاد على ذلك فقد يحتاج إليه وقد لا يحتاج إليه .

وأما دعوى الحاجة إلى القياس الذي هو المقدمتان للاحتياج إلى ذلك فى بعض المطالب فهو كدعوى الاحتياج فى بعضها إلى ثلاث مقدمات وأربع وخمس للاحتياج إلى ذلك فى بعض المطالب ,وليس تقدير عدد بأولى من عدد.

وما يذكرونه من حذف إحدى المقدمتين لوضوحها أو لتغليط يوجد مثله فى حذف الثالثة والرابعة ومن احتج على مسألة بمقدمة لا تكفى وحدها لبيان المطلوب أو مقدمتين أو ثلاثة لا تكفى طولب بالتمام الذى تحصل به كفاية …

مجموع الفتاوى (9|178)

ج- وما بين لك أن المقدمة الواحدة قد تكفى فى حصول المطلوب أن الدليل هو ما يستلزم الحكم المدلول عليه كما تقدم بيانه ,ولما كان الحد الأول مستلزما للأوسط والأوسط للثالث ثبت أن الأول مستلزم للثالث ؛فإن ملزوم الملزوم ملزوم ولازم اللازم لازم ؛فإن الحكم لازم من لوازم الدليل ,لكن لم يعرف لزومه إياه إلا بوسط بينهما فالوسط ما يقرن بقولك لأنه .وهذا مما ذكره المنطقيون وابن سينا وغيره؛ ذكروا الصفات اللازمة للموصوف وأن منها ما يكون بين اللزوم وردوا بذلك على من فرق من أصحابهم بين الذاتى واللازم للماهية بأن اللازم ما افتقر إلى وسط بخلاف الذاتى فقالوا له كثير من الصفات اللازمة لا تفتقر إلى وسط وهى البينة اللزوم والوسط عند هؤلاء هو الدليل .

مجموع الفتاوى (9|179) والرد على المنطقيين (189)

الحادي والثلاثون :الدليل والبرهان هو اللزوم

وما تقسيمهم إلى الأنواع الثلاثة فكلها تعود إلى ما ذكر فى استلزام الدليل للمدلول وما ذكروه فى الاقترانى يمكن تصويره بصورة الاستثنائى ,وكذلك الاستثنائى يمكن تصويره بصورة الاقترانى ؛فيعود الأمر الى معنى واحد وهو مادة الدليل والمادة لا تعلم من صورة القياس الذى ذكروه بل من عرف المادة بحيث يعلم أن هذا مستلزم لهذا علم الدلالة سواء صورت بصورة قياس أو لن تصور ,وسواء عبر عنها بعباراتهما و بغيرها بل العبارات التى صقلتها عقول المسلمين وألسنتهم خير من عباراتهم بكثير كثير .

و الاقترانى كله يعود إلى لزوم هذا لهذا وهذا لهذا ؛كما ذكر وهذا بعينه هو الاستثنائى المؤلف من المتصل والمنفصل .

فإن الشرطى المتصل استدلال باللزوم بثبوت اللزوم الذى هو المقدم وهو الشرط على ثبوت اللازم الذى هو التالى وهو الجزاء أو بانتفاء اللازم وهو التالي الذى هو الجزاء على انتفاء الملزوم الذى هو المقدم وهو الشرط .

وأما الشرطي المنفصل وهو الذى يسميه الأصوليون السبر والتقسيم ,وقد يسميه أيضا الجدليون التقسيم والترديد ؛فمضمونه الاستدلال بثبوت أحد النقيضين على انتفاء الآخر وبانتفائه على ثبوته ,و أقسامه أربعة ولهذا كان فى مانعة الجمع والخلو الاستثناءات الأربعة وهو أنه إن ثبت هذا انتفى نقيضه وكذا الآخر ,وإن انتفى هذا ثبت نقيضه وكذا الآخر ,ومانعة الجمع الاستدلال يثبوت أحد الضدين على انتفاء الآخر والأمران متنافيان ومانعة الخلو فيها تناقض لزوم والنقيضان لا يرتفعان فمنعت الخلو منهما ,ولكن جزاءها وجود شيء وعدم آخر ليس هو وجود الشيء وعدمه ووجود شيء وعدم آخر قد يكون أحدهما لازما للآخر وإن كانا لا يرتفعان لأن ارتفاعهما يقتضى ارتفاع وجود شيء وعدمه معا .

وبالجملة ما من شيء إلا وله لازم لا يوجد بدونه وله مناف مضاد لوجوده فيستدل عليه بثبوت ملزومه وعلى انتفائه بانتفاء لازمه ,ويستدل على انتفائه بوجود منافيه ويستدل بانتفاء منافيه على وجوده إذا انحصر الأمر فيهما ؛فلم يمكن عدمهما جميعا كما لم يمكن وجودها جميعا ,وهذا الاستدلال يحصل من العلم بأحوال الشيء وملزومها ولازمها ,وإذا تصورته الفطرة عبرت عنه بأنواع من العبارات وصورته فى أنواع صور الأدلة لا يختص شيء من ذلك بالصورة التى ذكروها فى القياس فضلا عما سموه البرهان؛ فإن البرهان شرطوا له مادة معينة وهى القضايا التى ذكروها وأخرجوا من الأوليات ما سموه وهميات وما سموه مشهورات وحكم الفطرة بهما لا سيما بما سموه وهميات أعظم من حكمها بكثير من اليقينيات التي جعلوها مواد البرهان .

مجموع الفتاوى (9|193)

وقال : فكذلك الدليل والبرهان هوالمرشد إلى المطلوب والموصل إلى المقصود وكلما كان مستلزما لغيره ؛فإنه يمكن أن يستدل به عليه ,ولهذا قيل الدليل ما يكون النظر الصحيح فيه موصلا إلى علم أو ظن .

فالمقصود أن كل ما كان مستلزم لغيره بحيث يكون ملزوما له؛ فإنه يكون دليلا عليه وبرهانا له سواء كانا وجوديين أو عدميين أو أحدهما وجوديا والآخر عدميا فأبدا الدليل ملزوم للمدلول عليه والمدلول لازم للدليل …

والمقصود هنا أن المطلوب هو العلم والطريق إليه هو الدليل ؛فمن عرف دليل مطلوبه عرف مطلوبه سواء نظمه بقياسهم أم لا ,ومن لم يعرف دليله لم ينفعه قياسهم ولا يقال أن قياسهم يعرف صحيح الأدلة من فاسدها ؛فإن هذا إنما يقوله جاهل لا يعرف حقيقة قياسهم ؛فإن حقيقة قياسهم ليس فيه إلا شكل الدليل وصورته

وأما كون المعين مستلزما لمدلوله فهذا ليس فى قياسهم ما يتعرض له بنفي ولا إثبات ,وإنما هذا بحسب علمه بالمقدمات التى اشتمل عليها الدليل وليس فى قياسهم بيان صحة شىء من المقدمات ولا فسادها وإنما يتكلمون فى هذا إذا تكلموا فى مواد القياس وهو الكلام فى المقدمات من جهة ما يصدق بها وكلامهم فى هذا فيه خطأ كثير كما نبه عليه فى موضع آخر .

والمقصود هنا أن الحقيقة المعتبرة فى كل برهان ودليل فى العالم هو اللزوم فمن عرف أن هذا لازم لهذا استدل بالملزوم على اللازم وإن لم يذكر لفظ اللزوم ولا تصور معنى هذا اللفظ بل من عرف أن كذا لابد له من كذا أو أنه إذا كان كذا كان كذا وأمثال هذا ؛فقد علم اللزوم كما يعرف أن كل ما فى الوجود آية لله فإنه مفتقر إليه محتاج إليه لابد له من محدث كما قال تعالى{ أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون} قال جبير بن مطعم: لما سمعت هذه الاية أحسست بفؤادى قد انصدع .

فإن هذا تقسيم حاصر يقول أخلقوا من غير خالق خلقهم فهذا ممتنع فى بدائه العقول أم خلقوا أنفسهم فهذا أشد امتناعا فعلم أن لهم خالقا خلقهم.

وهو سبحانه ذكر الدليل بصيغة استفهام الإنكار ليبن أن هذه القضية التى استدل بها فطرية بديهية مستقرة فى النفوس لا يمكن لأحد إنكارها فلا يمكن صحيح الفطرة أن يدعى وجود حادث بدون محدث أحدثه ولا يمكنه أن يقول هذا أحدث نفسه ,وكثير من النظار يسلك طريقا فى الاستدلال على المطلوب ويقول لا يوصل إلى مطلوب إلا بهذا الطريق ولا يكون الأمر كما قاله فى النفى وإن كان مصيبا فى صحة ذلك الطريق ؛فإن المطلوب كلما كان الناس إلى معرفته أحوج يسر الله على عقول الناس معرفة أدلته ؛فأدلة إثبات الصانع وتوحيده وأعلام النبوة وأدلتها كثيرة جدا وطرق الناس فى معرفتها كثيرة .

مجموع الفتاوى (9|213) والرد على المنطقيين (252)

الاستقراء من باب اللزوم وليس من باب الاستدلال بجزئي على كلي

قال : وأما الاستقراء فإنما يكون يقينيا إذا كان استقراء تاما وحينئذ فتكون قد حكمت على القدر المشترك بما وجدته في جميع الأفراد وهذا ليس استدلالا يجزئى على كلى ولا بخاص على عام بل استدلال بأحد المتلازمين على الآخر ؛فإن وجود ذلك الحكم في كل فرد من أفراد الكلى العام يوجب أن يكون لازما لذلك الكلى العام .

فقولهم إن هذا استدلال بخاص جزئي على عام كلي ليس بحق وكيف ذلك والدليل لا بد أن يكون ملزوما للمدلول ؛فإنه لو جاز وجود الدليل مع عدم المدلول عليه ولم يكن المدلول لازما له لم يكن إذا علمنا ثبوت ذلك الدليل نعلم ثبوت المدلول معه إذا علمنا أنه تارة يكون معه وتارة لا يكون معه فإنا إذا علمنا ذلك ثم قلنا إنه معه دائما كنا قد جمعنا بين النقيضين ,وهذا اللزوم الذي نذكره هنا يحصل به الاستدلال بأي وجه حصل اللزوم ,وكلما كان اللزوم أقوى وأتم وأظهر كانت الدلالة أقوى وأتم وأظهر .

الرد على المنطقيين (202)

تم بحمد الله

%d مدونون معجبون بهذه: