لهيب عبد الخالق بكت وطنا .. فنزفت شعرا وفكرا – مثنى الطبقجلي *

مثنى الطبقجلي

مثنى الطبقجلي

صادف اول يوم التقيتها فيه ،كان في الربع الاول من تسعينيات القرن الماضي في جريدة الجمهورية البغدادية .. شابة حديثة السن تتفجر حيوية وطاقة سواء على

لهيب عبد الخالق

مستوى المادة الخبرية والادبية التي كانت تتناغم في شعلة من العطاء والراي والتوصيف السياسي الدقيق لاحداث مريرة مرت على العراق، سكنت ارضه واستهلكت الملايين من ناسه ومليارات طاقاته ..

إنها لهيب عبد الخالق , وغادرنا جريدة الجمهورية بل الجمهورية العراقية ككل باحثين عن مستقر وخيمة امان فما وجدنا غير عمان فيئ خيمة هاشمية وارفة الظلال ..وانقطعت اخبار لهيب وشعرها وكتاباتها وتوجسنا خوفا عليها من عاديات زمن كان يُلقي بأقرب المقربين له في زنانزين الظلم والاستبداد ..بل ويدفنهم أحياء ..مع الأموات ..

لهيب عبد الخالق

لهيب عبد الخالق

لم تكتف هذه الشاعرة والأديبة والإعلامية المبدعة بالوقوف عند مثابة واحدة، بل تنقلت في رحاب الشعر وتفاعيله وبحاره عبر سفن صنعتها من التاريخ البابلي والسومري وأساطيره فاختارت لها زهرة يانعة تتفجر عطرا وعطاءا ترى فيها مصفوفة نفسها ومكابدتها وكفاحها وعصاميتها بانها ملحمة أخرى من ملاحم تاريخ العراق العظيم وحضاراته المتعاقبة، فاختارت زهرة النرجس التي لا تغفو الا على نسيمات عطرها الذي يتفاعل مع الذات وموجات الالم ليرسم خطوط معرفة جديدة والق صبح ترنو إليه ان تطلع تباشيره في العراق ..

وصعد اسم لهيب شعرا ومقالة ونثرا مع تصاعد ألسنة الغضب الشعبي على كبت الطغاة في كل الأزمان ووضع اسمها تحت عنوان من يجب أن ُتنهى حياته لأنه يتنفس هواء العراق النقي ،الملامس لمسامات الحدث وأوردته وشرايينه وصولا للجذور المرتوية بمياه دجلة والفرات وحيث سامراء مدينة نبتت فيها لهيب زهرة تعشق ضوء الشمس، وتكاملت وأينعت مع أيام حداثتها وطفولتها في الأعظمية مدينة العطاء والوفاء والمرجعية الوطنية .. فكانت كل هذه البحار من الأحداث ومعطياتها من الشوق والولاء وحب الوطن وانعكاساته، صدىَ تجده في شعرها وفي أدبياتها وكتبها وفلسفة مقالاتها واختياراتها للعناوين الملفتة للأنظار..
شابة وهبها الله الصبر والثبات على المواقف في إحداثيات الزمن الصعب الذي اختارته واختارها ،لكي ترسم مسيرة عطائها الفكري …حاربتها الظروف والأزمان المسرفة بالحقد والطائفية وبعضٌٍ من الحظ العاثر كان يترصدها في الطريق عِصيا وثعابينا ، لكن لم توقفها كل هذه العثرات وبقيت تواكب مسيرتها الأدبية والشعرية بأنفاس لاهبة تستصرخ لوطن مُعنى متداخل مع ذاتها وأنفاسها لكي تسهم بإنقاذه، فكان ما كتبته على مدى 12 عاما الأخيرة من ألمأساة وحدها ، مدعاة للفوضويين والشعوبيين أن يختاروها ضمن قائمة الأسماء الإعلامية المستهدفة على لائحة التصفيات والتي جرى تنفيذ بعظها، وكان بينها الشهيدة أطوار بهجت وآخرين ، وصلت حافلات قوافلهم الـ300 صحفي وإعلامي ناهيك عن عشرات الألوف من العلماء والأساتذة والطيارين والضباط والقادة ورجال الدين والقوميين ، في نكبة عباسية أخرى على يد تتر ورايات القرن الاسود..

صدرَ للهيب رغم كل هذه الموجات من الحقد التاريخي على العراق أرضا وشعبا وتاريخا ،صدر لها منذ تسعينات القرن الماضي ، مجموعتان شعريتان، هما : ” انكسار لطفولة غصن”، و “وطن وخبز وجسد ” ، وأصدرت مجموعتها الثالثة “ترانيم سومرية” العام الماضي 2014. والأخيرة بمجموعها انعكاسات لما عاناه العراق من ويلات الحروب والغزو والاحتلال وما لحق به من خراب ودمار وفوضى لعينة جاء بها الحاقدون على شعب العراق ، وما عاناه شعبه من قتل وضنك وتشريد ..
وأثارت حماسة أبى تمام التي تسكنها ، انتباهة أعداء الحرف والكلمة المضيئة وتلك كانت بعض همومها في وطن يريدون له أن يتلاشى ونسوا أن ما يخفيه تحت أديم ارضه من كنوز تاريخ وحضارات ومسيرات أنبياء ورسل، سرعان ما يطفو فوق السطح مكتسحا كل هذا الزبد وهراء إلغاء وجوده ،فانعكست حربا غير معلنة ضدها استهدفت تحجيمها ولجم اندفاعتها الوطنية ضمن محاولات كثيرة لإسكات أصوات النخب الوطنية والفكرية وبينها صوتها، وبكل الوسائل منها منع النشر أو محاصرة كلماتها..

ترانيم سومرية _ تأليف الكاتبة العراقية لهيب عبد الخالق

ترانيم سومرية _ تأليف الكاتبة العراقية لهيب عبد الخالق

للهيب، وجدان سياسي ملتهب ،يتلاحم مع شاعريتها وحتى نثرها المبدع حروفا في مفازات صحارينا المقفرة ونفوسنا العطشى إلى الأمن والأمان والاستقرار واجترار الماضي الجميل هروبا من الواقع المرير الذي نحن عليه الآن …وجهات نظرها واجتهاداتها الخاصة في السياسة كانت دائما تسطرها في مقالات تنشرها في صحف دولة الإمارات واليمن، قبل السقوط وبعده وحتى يومنا هذا ،ولهذا كانت دائما تستخدم مفردات منتقاة في الوصف والسرد والتبويب الملحمي للحالة الإنسانية والاجتماعية العراقية ابتداء من ملحمة جلجامش وأبطال الخلود، مستخدمة تعابير مبدعة في مجازيات الأحداث والرسوم وإيحائاتها وتشبيهاتها التمثيلية..
والحق يقال انه رغم بعد المسافات ،عملت نوافذ التواصل الاجتماعي على تقريب المسافات ،وكان أن وجدتها حاضرة أمامي بعد ربع قرن من الزمان، وآخر مشهد صحفي في قاعة تحرير الأخبار الدولية في جريدة الجمهورية ، أنا البعيد كل البعد في بلد صنع نهاية عراقنا بغزوه وأطماعه وعدمية تاريخه ،أجدها أمامي مرة ثانية وقد استكملت بناء كل ما غاب عنها، وما كانت تريده أن يكون لها قامة فكرية وأدبية وسياسية وضعت في كتابها الجديد ما جمعته من مقالات اسمته”سوسيولوجيا الدم… شيء من أرمدة التاريخ”…
في معرض كتاب ابو ظبي

كتاب وقعت عقد إصداره ونشره الإعلامية التي لا تعرف حدودا لحروفها الملتهبة في سماء الوطن ، إنها لهيب عبد الخالق، وحيثما تقيم في أبو ظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، وجدتها وقد زادت تألقا في سماء المعرفة والوجدان العروبي الأصيل ، هي اليوم شاعرة وكاتبة سياسية وإعلامية ذاع صيتها وعملت في عدة مؤسسات صحافية. ومن أبرز ما صدر لها وتداخل من رشفات مجموعاتها الشعرية الثلاث ، كتاب سياسي بعنوان «بين انهيارين- الاستراتيجية الأميركية الجديدة». هذا الكتاب الذي ترك أبعادا وخطوطا حمراء على موقف منها ظل يلاحقها محاولا تحطيمها ،لأنها نالت بقسوة من أفسد نظام استعماري غلف نفسه بالديمقراطية وأشاح بنفسه عن الحضارات ،التي انتفى فيها عامل الروح ومستعيرا في بقائه سوط الإرهاب الفكري وحتى الإرهاب البدني وإلغاء الآخرين..ومع ذلك وقفت على قدميها ….فهل توقفت ..؟كتابها الذي يقع في 256 صفحة من القطع الكبير الذي صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2015.. يحدثنا عن نتاج ثرِ لمزيد قادم…

وبرغم أنها تضفي دائما على نفسها وهي واقع حال ملموس ، توصيفات شاعرة من جيل الثمانيات، ولكنها كانت دائما تُحدثُ نفسها وهي تلاحق الأحداث وتستبقها، محملة منها بما ترصده من هموم وطن كانت تسميها بالترانيم،التي هي عبق تاريخ حضارة لا ينفصل عنا، وهي بهذه السياقات تقول “بالطبع لم أقصد أن تكون مرنمة أو أناشيد للوطن. ولكن قصدت أن تحمل الجرح العراقي، وقضية العراق. لكي تبقى في ذهن الأجيال الجديدة، ولا تنسى قضيتها أو قضية البلد، هذا البلد المجروح الذي كان في قديم الزمان أنهارا من العسل والآن أنهار دماء”. وقالت لهيب إنها قصائد للعراق، حتى القصائد الذاتية فيها تجدون هموم الوطن موجودة وكأن العراق يسكنني، وهي إذ ربطت كينونتها بالحظارة السومرية ، ذلك لأنها كانت تعشق التراث والآثار” ..

لهيب مقتنعة تماما بأن التراث العراقي السومري القديم يحمل الكثير من الآلام، وكان يعكس حالة الإنسان والمجتمع، وتطوره عبر تاريخ العراق ،حتى جاء من حاول عبثا رغم ما دمر وسرق وباع وقايض، أن يفرق ما بين الأرض وبناة الحضارات الأولى فما استطاع ولن يستطيع فالأرض المعطاء تحِنُ دوما لملوكها الأوائل والبناة من أهلها وما يخفيه باطنها لا زال مسجى ؟؟
سيوسيولوجية الدم
وفي رهانها على الحق خسرت لهيب جولة مع الباطل حينما رفضت خمس دور نشر في يوم توقيع عقد كتابها “سيسولوجيا الدم،” نشره لأنه احتوى مقالات ذات بعد سياسي تناهض فيه أمريكا ودورها في المنطقة، وما تسببت به من الآلام لشعب العراق .. هذه الصحفية والإعلامية والكاتبة المتألفة شعرا ونثرا ورأيا واستقراءا للمستقبل .. صدمها الأمر في عالم المرئيات وحرية الأفكار والديمقراطيات الممسوخة مارأته بام عينها وما لمسته من محاولات ثنيها ولكنها كانت اصلب عودا فاسمعت صوتها للراي العام العربي ورفعت راسها للسماء متظلمة تشكو بثها وحزنها..لله وحده ..
ولم تمنعها كل هذه العصي التي وضعت في طريقها من إتمام ما عزمت عليه وما لم تتراجع عنه في خط سيرها بعزة وانفة وكرامة .. ومضت الكاتبة لهيب صاحبة الإحداثيات السياسية الدقيقة والتعابير التي لا تحاول أن تقلد أصحاب الإيماءات والإيحاءات بالانحناء للعاصفة أو ساسة دفن الرؤوس بالرمال ، متصدية لواقع الحال المفروض عليها قحطا ماديا بعدما حجمت عنها دورا كان تؤمل منه أن يسهم النشر الواسع في تأمين متطلبات دراستها التي لا زالت مصرة أن تسير إليها مهما وقع، وما وضعت أمامها من الموانع والخنادق الشقية ..

كانت لحظات توقيع عقد كتابها مرحلة صعبة وحساسة في تاريخ إبداعاتها ولم تُخفها ساعات المحنة والانتظار المريع التي تهددتها، بل وقفت وأمسكت بالقلم وخطت عباراتها الثابتة ..مع المؤسسة العربية للدراسات والنشر وهو ناشر قوي وكبير في الساحة العربية ..تقول لي : أخ مثنى لقد حاولوا أن يقطعوا رزقي الإضافي الذي كنت سأعول عليه في دراساتي العليا ،ومع ذلك جلست وتمتعت بلحظات التوقيع كأي منتصر في معركة قادها بنفسه البطل العراقي حتى النهاية.. و يا لها من نهاية ..تراقصت فيها ألوان اللهب والغضب في أبوظبي ..العرب..

يا له من انتصار ..حينما أُسقط في يد أمريكا أن تسكت صوتها ورنين حروفها وَلاءاتِها الكثيرة المشتعلة التي رمتها في وجوه أعداء الوطن وأعداء التاريخ.. قالت لي وهي في حركتها الدائبة التي لا تتوقف عن تمرير ملاحظات إلى القراء والشعب العراقي والعالم، إنها تنتظر مولودها الأدبي الجديد “سيسولوجيا الدم” وهي تخشى أن يوضع في خدج السياسة الظلامية التي تهيمن على حركة الأحداث في عالمنا العربي ..

ولكنه سرعان ما استمع العالم لصرخات الحياة فيه بعد لحظات من حفل التوقيع ..وعدت ذلك انتصار .: خاطبتني عبر نافذة التواصل: ألم اقل لك إن الحياة ليست عادلة معي. اليوم كان حفل توقيع كتابي الذي رفضت نشره 5 دور نشر لأن فيه موقف واضح غير مداهن ضد أميركا. وحاولوا منعي من توقيعه ،لكن الناشر المؤسسة العربية للدراسات والنشر وهو أقوى وأكبر ناشر عربي، قال “ستوقعينه عندي”، ووفى وكفى ..

عقل لا يتوقف في انشغالاته ولا يستريح حتى يحقق ما يصبو إليه من معرفة ورقي وولوج كل الأبواب وحتى أبواب الغزاة قارئةَ أفكارهم ،ليس في سُم فناجِينهم وإنما عبر تصريحاتهم ولغوهم وإرهاصاتهم وخطط غزواتهم القادمة ومساراتها الباطنية ، وتنبأت في بعض ما حدث ويحدث بدأ من حرب الصدمة والترويع …. حتى الحرب الطائفية ومحاولة إيران الهيمنة على العراق تحت نظر وبصر أمريكا وربما بتنسيق معها وتبادل أدوار ..؟ وتسليمها العراق على طبق من ذهب .. هي تقول” أنا في هذا العالم ومشاغله.. افكر كيف أرتب مقبل أيامي.. وأيضا اقرأ روايات متعددة،واعد العدة لرواية جديدة…

وياليت لهيب سالت ارض بابل وما تحملت من اوزار الغزاة ..؟ وشارع المواكب تحديدا طالما هي اوشكت على انهاء فصلين من روايتها المأخوذة احداثها مما تركه الغزاة واذنابهم من جروح غائرة في الوطن …، وتسألها كيف كان سمعك مرهفا لجنازير دبابات الاحتلال وهي تسحق أرضياته وهي الذي اختارته من دون الأرض جميعها معسكرا..لقواتها ..؟؟ ماذا كان وقعها وصداها وكيف تم هذا الاختيار الذي اشتكت منه حتى منظمة اليونسكو وقتها ،لكي تنقب بالأرض باحثة عن السر الكبير..؟؟ وهو سر لمح إليه الدكتور دوني جورج وعده أحد اكبر أسباب غزو العراق وهو نفس السر الذي قتل هذا العالم العراقي ..!!

* كاتب مستقل من العراق
eltabakchli@yahoo.com

%d مدونون معجبون بهذه: