الفراغ الفكري اصطلاح لتغطية الواقع وتحريفه وليس له صلة بالتطرف ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

img_25746405500242    كالعادة ، تنشغل المؤسسات الاعلامية والصحفية والبحثية بمنتج جديد وظيفته الاولى الالهاء وصرف الطاقات الفكرية والعلمية عن المشاكل الحقيقية للمجتمع العربي والمجتمع الاسلامي بصفة عامة ..  وظاهرة الاشغال هذه ” نهج ” قديم اضحت ملازمة للمنتج المعرفي والعلمي ، بل والابداعي في حياتنا الثقافية  ، كما لو ان ثمة شخص مجهول مهمته الاولى القاء مصطلح جديد حتى تتهافت اقلام الادباء والشعراء والساسة والمتخصصون العلميون وباعة الفواكه والخضر لتدبيج المقالات فيه وعنه ليصبح الكلام  الاكثر تداولا وحضورا  ، يغطي ساعات البث الفضائي والتفلزيوني وصفحات الصحافة والمجلات البحثية والدوريات ، كلها تتحدث مثلا عن الشرق الاوسط الجديد ، ثم العولمة ، ثم نبذ الارهاب .. موضات تقذفها موجات يحركها كائن خرافي لاتعرف له لونا او شكلا او طعما .. ومن السخافة بمكان ان منتج مثل هذه المصطلحات يكتفي بنحتها بكلمة واحدة او كلمتين ثم تتولى الجامعات والصحافة والدوريات العربية بادلجتها وتأصيلها بسفح الاف الاطاريح الجامعية واشغال مئات الصحف اليومية والدوريات بموضوع واحد فقط يتسيد على العقول والضمائر والهواجس .. تكتفي بالوصف والشرح ولاتمتد ” عبقرية ”  الكتّاب الى البحث في صلتنا بما يقال من مصطلحات تمطر على العقول تباعا في مواسم مختلفة ..وكأن هؤلاء الكتاب اللاهثون وراء تلك المصطلحات يريدون اثبات اهليتهم الثقافية بأنهم ” فهموا ” الدرس وبأنهم جديرون بتطويره !

لااعلم من ذاك الذي القى في الساحة الثقافية العربية اصطلاح الفراغ الفكري ليعلق عليه كل اسباب التطرف وظاهرة ما تسمى بالارهاب ،وظواهر التخلف والجهل ،  ولااعلم هل اكتفى كما هو معتاد بنحت المصطلح ام عرّفه وبيّن خصائصه ، وهل اتى ببيانات او ادلة او وقائع تحدد مضمون هذا الفراغ الفكري ؟.

احسب ان ” الفراغ الفكري ” هو شبيه تماما بنظرية الفراغ الامني في الخليج العربي التي قالت بها الادارة الامريكية في سبعينيات القرن الماضي ـ القريب ـ اثر انسحاب القوات والقواعد البريطانية منه .. فراغ ملأته فيما بعد الولايات المتحدة الامريكية بسلاحها وجيشها وقواعدها الثابتة .

حقا ، انه سؤال هام جدا ..

من ذا الذي يتطوع دوما لنقل هذه المصطلحات الى الساحة العربية ؟

بكلمات اخرى ، من هو البلد من بين البلدان العربية الذي يشهد بصفة دائمة مهمة نقل مثل هذه المصطلحات من دوائر البنتاغون ووزارة الخارجية الامريكية الى حواضرنا ، بحيث ترعى رعاية علمية لاتستحقها ، وتمهد الى تحقيق اثرها النفسي الذي يتجه دائما صوب ترسيخ الشعور بضعف الارادة والدونية والصغر ؟

وللسؤال وجه آخر : لماذا لم يستطع العقل العربي المعاصر ممثلا بالكتاب والفلاسفة والمناطقة والمبدعين والاساتذة الجامعيين  ان ينتج مصطلحات للواقع العربي بذات الكم والقيمة التي صارت لمصطلحات الشرق الاوسط الكبير والعولمة  والربيع العربي  والفراغ الفكري ؟

هل ما زال الجميع في مرحلة التلمذة ؟

الفراغ الفكري  اصطلاح مزيف ، يراد منه اشعار المواطن العربي كما لو انه كائن لاعقل له ، خال من الفكر ، ليس له منظومات قيمية  ، ولادين له !

من وجهة نظر العالم الغربي المتصهين ، ان العربي يعاني من فراغ فكري .

كيف ؟

يحسبون انهم نجحوا في تزييف معنى لفظ الارهاب ، ونقلوا معناه الايجابي كما هو في القران الكريم الى معنى سلبي اخذ به المسلمون دون وعي ، بل حتى رجال الدين وفقهاؤه التزموا التفسير الصهيوني للقران الكريم . فانظر الى معنى الارهاب في القران ، وقارنه بمعناه المتداول الان . هذا القبول البائس لهذا التفسير الامريكي المتصهين وانتشاره المخيف اوصل الى قناعة بأن الاسلام والارهاب صنوان لايفترقان ، الارهاب بالمعنى الصهيوني الذي يعني الترويع والاجرام وليس بالمعنى القراني الصافي الذي يعني ردع العدو بإعداد القوة واستجماع الارادة .

بلغ نجاح الخصم في هذا الباب الى درجة اضحى معها  تصحيح هذا المفهوم واعادته الى اصله القراني امرا مستحيلا … اي ان العبارة ” الارهاب يعني  العمل القبييح والجريمة …” مسكوكة  راسخة ، منحوتة في الصخر ، تغييرها يتطلب تغيير الصخرة ، اعني تحطيم عظام الجمجمة ، وهذا بدوره امر غير مرغوب ونتائجه اكثر كارثية .

اخذوا المواطن العربي ـ في غالبيتهم ـ على حين غرة عندما جعلوه يهلهل ويصفق ويرحب بالربيع العربي ، وسفحت المقالات والدراسات تطنب في الابعاد الستراتيجية والمضامين الحضارية والابعاد الانسانية والسماوية والتاريخية والابداعية و”الفسنجونية” و”البطيخية”  للربيع العربي ، ثم اسقط في يد هؤلاء ” العباقرة ” ليكتشفوا متأخرين انهم خربوا اوطانهم بايديهم .. وفي هذه المرة ايضا استخدموا الفصائل المتأسلمة في عملية التخريب والعودة بالاوطان الى مرحلة ما قبل الدولة حتى اضحت صورة الواقع العربي ، ممزقة ، مهلهلة ، مواطنها مهان ، جائع ، مشرد .. وتلبسه شعور ان ” الاسلام ” هو السبب (كذا) ، فاعتقد الغرب المتصهين انهم نجحوا في دق الاسفين بين الاسلام والمسلمين فاضحى الاسلام مجرد طقوس طائفية متنافرة لاصلة لها لابقران ولا بحديث نبوي شريف ، والمسلمون انفسهم يتقاتلون ، يكفر بعضهم بعض ، ويدفر بعضهم بعض ، ويبصق بعضهم في وجه بعض ، واحدهم يلقي صاحبه بالنار خالدا فيها ابدا والاخر يدعي ان الجنة كلها له وان الحور العين بانتظاره وحده و”للصبح”!! .

اضطلع المتأسلمون وانظمة عربية معروفة بعد ” الوطنية ” و” القومية ” و” الايديولوجية ” و” الاشتراكية ” و “التنمية ” وما الى ذلك رجس من عمل الشيطان ، وصنفوها عملا من اعمال العلمانية ، العلمانية عندهم هو الكفر والالحاد، وهذا فهم غير صحيح للعلمانية  ، فانحسرت الثقافات الوطنية والقومية ، وتم فك عراها عن الشريعة الاسلامية السمحاء ، وطوردت الاحزاب الوطنية او دفعت دفعا لتكون هي الاخرى احزاب طائفية ، تحدد انتشارها في الطائفة التي ينتمي اليها زعيمها او رئيسها او معظم قياداتها .

اذن ، ان الغرب المتصهين يعتقد انه افرغ العقل العربي من الاسلام واضحى منبوذا لصلته بالارهاب ، وافرغ العقل العربي من كل فكر علماني ـ العلمانية لدى الغرب غير معناها عند رجال الدين عندنا ـ ، وتسند هذين المنجزين واقعتان في الاقل :

ـ حالة اللادولة التي تعيشها معظم الدول العربية ، او غياب الدولة الوطنية ،

ـ و الحرب على الارهاب الذي هو في مضمونه عندهم حرب على الاسلام او في الاقل حرب داخلية في ارض المسلمين .

والحق ان نجاحهم نجاح وقتي ، فالفراغ الفكري لم يتحقق بتمامه ، بل ان اصحاب الفكر والمتنورين والمؤمنين حقا بالاسلام دون تسيس له ، يرزحون تحت العسف والاضطهاد وكم الافواه والمطاردة والتضييق والحصار الاعلامي .

اما عن صلة الفراغ الفكري بالتطرف فهي محض هراء ، التطرف الذي نشهده اليومي نتيجة طبيعية  لامور عديدة رافقت عودة ظاهرة الاحتلال في منطقة الشرق الاوسط بدءا من الاحتلال السوفيتي لافغانستان وانتهاء بالاحتلال الامريكي لافغانستان ومن ثم العراق . ولهذا فسحة اخرى من الكلام .

Advertisements
%d مدونون معجبون بهذه: