الهوية الضبابية و فراغ الارادة ، وليس الفراغ الفكري ـ عبد الرحمن كاظم زيارة

579933_282660045164918_146786431_nيُعتقد بأن الفراغ الفكري مسؤول عن انتاج ظاهرة التطرف لدى الشباب العربي ، وهذه حكاية تتداول في الصحف واضحت موضة ثقافية يروج لها كتاب الصحافة بخاصة ، واوساط ثقافية عدة . ونسأل ، اذا كان هذا صحيحا فأين نضع جمهرة المتطرفين الاجانب الذين وفدوا الى البلدان العربية في حقبة ما سمي بالربيع العربي وفي الفترة الحالية ايضا ، من الشيشان والباكستان وروسيا وتركيا وجورجيا وامريكا وغيرها ، من هذا الاعتقاد ، هل ان بلدان هؤلاء لديها فراغا فكريا ايضا؟

الامر لايتعلق بفراغ فكري ، بل يتعلق بعوامل اخرى هنالك مصلحة بتعميتها و تغطيتها باحكام ساذجة كالفراغ الفكري .

ان العرب هي اكثر الامم تخمة في ثرائها الفكري والحضاري وبسبب غناها الفكري ظهرت تيارات ومعتقدات دينية او مدنية تتزود من ذلك التراث الفريد والغني والواسع ، ناهيك عن النتاج الفكري العربي المعاصر ، بل ناهيك عن مصادر الدين الاسلامي ، القران الكريم والسنة النبوية الشريفة .. امة تملك كل هذا لاتشكو من فراغ فكري .

وليس من المناسب ولا من اللائق عزو ظاهرة التطرف الى اسباب غير اسبابها الحقيقية ، بل ان ذلك معيب وبمنزلة تفسير الفقر بتدني عقل الفقراء ، وبمنزلة الاعتقاد الخاطئ بأن الله تعالى هو الذي يجعل الانسان فقيرا معدما ويجعله غنيا متخما، كما انه معيب ايضا كعيب قول احد المتأسلمين بان ” الله يحب الاغنياء ” !

اذا اراد المهتمون معرفة اسباب التطرف ، لايجدر بهم ان يعالجوا الامر معالجة مدرسية بالذهاب الى المعاجم والبحث في اصل المفردة ، وتصاريفها ، وما الى ذلك ، وعليهم ان يخرجوا من طور التلمذة ، والانعتاق ، والتحرر من القوالب الجاهزة والمسكوكات الكلامية التي لاتلامس الواقع ملامسة حسية . وعليهم ان يبحثوا في الواقع ، الواقع وليس ما كتبه الامريكان والطليان ، ويحددوا الاسباب سعيا للحقيقة دون خوف من ملك او وجل من رئيس ، فالامر جد خطير بمكان اضحى يهدد وجود الامة ، والاسلام ، والدول . وان يحصروا الاسباب الخارجية ايضا بشجاعة واقدام  وطبقا للوقائع وليس بلي الحقائق وتأويلها الى وجهة تنحط بها العقول تحت وطأة المجاملات والقلق .

يؤسفنا القول ، ان معظم كتابنا المسموح لهم بالنشر في الصحف والمجلات العربية ، يزنون كلامهم وما يكتبون ، برضا الناشر وحكومته ، فلايعول عندئذ بارائهم ، والاجدى رميها ، وعدم الالتفات اليها ، فهي محض وسيلة استرزاق او وسيلة للشهرة .

ونكرر تساؤلنا الذي ذكرناه في مقال سابق ، من هي الجهة او المفكر او الكاتب الذي اطلق اصطلاح الفراغ الفكري لأول مرة ؟ ام ان هذا المصطلح ولد يتيما لا اب شرعي له ؟

هذا التساؤل يستحث اجابة ستظل دائما مفتتح لفهم القصور الفكري لمن روج له وكتب عنه مؤيدا ومطنبا ومصفقا ومهلهلا دون ان يجهد نفسه برهة في التأمل ، ويمنح عقله فرصة التفكير . هو ذات القصور المسؤول عن اشاعة لفظ الارهاب بمعناه السئ المتداول حاليا وابعاده عن مضمونه القراني الحقيقي .

ليس ثمة فراغ فكري في الوطن العربي ، والفراغ الفكري ليس هو السبب في انتاج ظاهرة التطرف في اوساط الشباب او غيرهم من الفئات العمرية الاخرى . كل ما في الامر ان البلدان العربية تعرضت لهجمة مزدوجة من الداخل والخارج ضحيتها الاولى الشعب العربي نفسه ، وتكالبت عليه قوى خارجية ومحلية ، بمكان خلقت ظروفا ادت الى اضعاف الشعور بالهوية الوطنية والهوية القومية مع انحراف في مضمون الهوية الدينية .

حتى هذه اللحظة ثمة من يعتقد ان الدعوات الوطنية الجامعة للمواطنين في القطر الواحد ، والدعوات القومية للوحدة ، دعوات كافرة ومناهضة للاسلام !!!  ولا افهم كيف للمرء ان يؤمن بالوحدة الاسلامية ولايؤمن بالوحدة العربية مثلا؟ اليست البلدان العربية بلدان اسلامية ؟ هذا التناقض بل القصور الفكري والعقيدي سبب اقصاء الهوية الوطنية ، واذا اضفنا اليه الخيبات والمررات المتكررة والشعور المتكرر بالمهانة بسبب عدوانات اسرائيل وامريكا ، ودعوات بعض الانظمة العربية الى الطائفية والمذهبية جعل من الانتماء لدى الشباب العربي ضبابي في طبيعته ، غير واضح الرؤيا ،فنشأت هنا ازمة الهوية ، ازمة خانقة لايملك صاحبها الرؤية الصافية في التعويض عن ضياع الهوية ومن هنا ينشأ التمرد الذي يؤججه تاليا الفوارق الطبقية والشعور بالدونية .. كل ذلك وغيرها تجسد في سلوكيات مدمرة كما شاهدنا ولمسنا في اثناء الخراب العربي .

ان التطرف وبسبب دوام الاسباب التي ادت اليه ، لابد ان يكمل دورته التاريخية ، وان المنطقة للاسف مقبلة على تغيرات دراماتيكية جد عميقة ستغير خارطة الكثير من البلدان . ذلك ان معالجة هذه الظاهرة تأتي في سياقات عمياء ومدمرة هي الاخرى : فراغ فكري ، هذا شيعي صفوي ، هذا سني وهابي ، هذا علماني ، هذا كافر ، هذا ليبرالي .. وكل واحدة من هذه التعابير ـ التهم ـ سكين مسموم  يمزق جسد الاوطان بما في ذلك البلدان التي تراهن على وحدة نسيجها الاجتماعي او تراهن على تماسكها النظامي .

لنقرأ التاريخ القريب .. ولنقرأ بعيون مفتوحة الوقائع الراهنة ، والاعمى وحده يقبل ارتداء نظارة الفراغ الفكري فهو في كل الاحوال لايرى شيئا .

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: